سد النهضة.. من خدمة الأمركة إلى خدمة التطبيع

"إسرائيل" حاضرة في دول حوض النيل من خلال الاقتصاد والاستثمار ودعم عدد من القبائل.

  • سد النهضة.. من خدمة الأمركة إلى خدمة التطبيع
    "إسرائيل" حاضرة في دول حوض النيل من خلال الاقتصاد والاستثمار ودعم عدد من القبائل

ليس هناك ما يخدم مشروع التطبيع أكثر من مصر ضعيفة. انطلاقاً من هذه الفكرة، يدعم العقل الاستراتيجي في الكيان الصهيوني فكرة بناء السد في إثيوبيا. وانطلاقاً منها، تشتعل الحماسة الإسرائيلية للدعم الهندسي الفني والإداري. إن الهدف الذي تطمح "إسرائيل" إلى تحقيقه من بناء السدّ لا يبتعد كثيراً عن الهدف الأميركي من بناء السدود الصغيرة في إثيوبيا في حقبة الحرب الباردة.

أميركا والسّدود الإثيوبيّة والسدّ العالي 

لم تكن فكرة سد النهضة أو ما كان يسمى "سد الحدود" سابقة على فكرة السد العالي، التي تقدم باقتراحها المهندس المصري اليوناني أدريان دانينوس لمجلس الثورة في العام 1952.

بحسب دراسة أكاديمية حول تاريخ السد العالي، يسرد يزن عبدالعزيز خطوات القبول بالمشروع، وإخضاعه للدراسة المكثفة من وزارة الأشغال العمومية، وسلاح الهندسة في الجيش، ومجموعة من أساتذة الجامعات. وبعد ذلك، تبني عبدالناصر المشروع، بالتزامن مع توتر العلاقات المصرية الغربية.

امتنعت الولايات المتحدة وكذلك البنك الدولي عن تمويل السد، وتقاطع ذلك مع تأميم عبدالناصر لقناة السويس، واشتعال العدوان الثلاثي ضد مصر. وقّعت مصر اتفاقيتها مع الاتحاد السوفياتي لتمويل بناء السد العالي في العام 1958، ليبدأ العمل به في العام 1960.

وثمة سلسلة أحداث، من التفكير في بناء السد، إلى البحث عن تمويل، إلى تأميم القناة، إلى العدوان الثلاثي، إلى الاتفاق السوفياتي المصري، وضعت جميعها مصر في موقع واضح من صراع الحرب الباردة، والانحياز إلى المعسكر الشرقي ضد المعسكر الأميركي الغربي. 

في سياق هذا التموقع المصري سياسياً، كانت إثيوبيا خياراً أميركياً للضغط على الموقف المصري، فأرسلت واشنطن عدداً من الخبراء من مكتب الاستصلاح الأميركي إلى إثيوبيا، وقد نتجت من هذه الدراسات إمكانية بناء 33 سداً صغيراً فيها. تركزت السياسة الأميركية في تجنب بناء سدود كبيرة تشعل الخلاف مع مصر والحليف السوفياتي، وكانت الخطة تقتضي تأجيل بناء السد الكبير في القرن الحادي والعشرين.

من جانب آخر، ساهمت سياسة عبدالناصر مع إثيوبيا وحضور مصر في العمق الأفريقي في تكبيل المشروع الأميركي. لم يكن خطاب عبدالناصر: "نطالبكم بوقف أعمال السد، لأننا نعتبره تهديداً لحياتنا" هو الّذي دفع إثيوبيا إلى خفض ارتفاع السد آنذاك من 112 متراً إلى 11 متراً. لقد مثل الخطاب والرسالة النتيجة لسياسات عبدالناصر مع إثيوبيا، والتي تمثلت بكمٍّ من المساعدات الغذائية والتعليمية والتنموية، وتكريم هيلاسيلاسي في الكنيسة القبطية.

ورغم دعم عبدالناصر لحركات التحرّر الأفريقية، ولكنه لم يدعم مطالب أرتيريا بالانفصال عن إثيوبيا، وأيّد قرار الأمم المتحدة الذي اعتبر أرتيريا جزءاً من الاتحاد الفيدرالي في إثيوبيا. كل ذلك شكل عاملاً داعماً لمصر في عرقلة المشروع الأميركي ضدها في إثيوبيا.  

"إسرائيل" وسد النهضة

لم تتفاعل قضية سد النهضة بقوة إبان حقبة عبدالناصر، ويعود ذلك إلى ثلاثة أسباب: الأول هو استمرار مناخات الحرب الباردة في المنطقة، والثاني انحياز مصر إلى المعسكر المقابل في حقبة السادات، الأمر الذي دفع الأميركي إلى الحفاظ على التحالف الناشئ والتحول المنتظر في السياسة الخارجية المصرية، والثالث هو انشغال إثيوبيا في صراع داخلي طويل أدى في بداية التسعينيات إلى سقوط نظام مانجستو هايلي ميريام.
استثمرت إثيوبيا حالة الفوضى في مصر في العام 2011، ووضع رئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي الحجر الأساس لسد الألفية، وتم تعديل أبعاد السد ليتسع لـ60 مليار متر مكعب. ولاحقاً، تم التعديل مرة أخرى ليتسع لـ74 مليار متر مكعب. 

إنَّ "إسرائيل" حاضرة في دول حوض النيل من خلال الاقتصاد والاستثمار ودعم عدد من القبائل. ففي العام 2004، زار سيلفان شالوم، وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك، إثيوبيا، من أجل المزيد من الاستثمارات فيها، ولحق به أفيغدور ليبرمان في العام 2009. ومن داخل إثيوبيا، فتحت "إسرائيل" خطاً للتنسيق مع القبائل ومع تيارات سياسية في جنوب السودان، تمهيداً لتقسيمه. 

ثمة هدف استراتيجي تسعى إليه "إسرائيل" من كل ذلك، فكما حاولت الولايات المتحدة تقويض الحكم الناصري القوي من خلال السدود الصغيرة، تلتقط "إسرائيل" الجائزة الاستراتيجية لبناء السد الكبير، في محاولة لتوجيه ضربة قاضية أخيرة إلى مصر، المخنوقة اقتصادياً في الأساس، فالتعاقد المأمول لإثيوبيا مع الشركات الإسرائيلية لإدارة الكهرباء في سد النهضة سيتحكم بالمياه الجارية إلى السودان ومصر، الأمر الّذي يدفع الأخيرة إلى الاستسلام بالصيغة المطروحة إسرائيلياً وسعودياً للدور المعروض لها: جيش يتحرك بحسب الحاجة، وعمالة منخفضة الأجر في المشروعات الكبرى، وسبات طويل للقوة العربية الأكبر عن مواجهة التطبيع.

دروس عبدالناصر لم تصل إلى السيسي بعد!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد فرج

كاتب وباحث أردني، صدر له "الرأسمالية وأنماط الهيمنة الجديدة"، "مخاطر التمويل الأجنبي - المراكز والمنظمات (غير الحكومية)"، جزر السياسة المعزولة.

إقرأ للكاتب

التحوّل الصّينيّ وتحوّل العالم

يمكن القول إنَّ برنامج التحديثات الأربعة المطروح في العام 1978م، زرع الأعمدة الأربعة الأهم في...

أمن الخليج.. نظام ما بعد الأسرلة

يقف أمن الخليج اليوم أمام مرحلة رابعة هي الإعلان الرسمي عن مشروع الأسرلة، والحماس الخليجيّ...

من يخشى نهاية البنوك؟

تجد البنوك نفسها في مواجهة طموحات شاب مثل مارك زوكربيرغ في رؤية فايسبوك يوماً بمثابة بنك مركزي...

رحلة التّطبيع في الاقتصاد الإماراتيّ

ثمة زاوية يُقرأ منها اقتصاد الإمارات، ترتبط تماماً بسياسة التطبيع، وربما تكشف لنا استقراءات حول...

الجائزة الاستراتيجية التي يبحث عنها الأتراك في ليبيا

توظيف نظرية اقتصاد الكوارث يبدو فعالاً بالنسبة إلى أنقرة، كي ينتعش اقتصادها على رماد الدمار في...

كسر الدّولار.. إنّها معركة ثقافيّة أيضاً!

فرض الدّولار الأميركيّ نمطاً واحداً من الحياة، لا في المجتمع الأميركي فحسب، وإنما أيضاً في كلّ...