حفل واشنطن المشؤوم

شرعت الجامعة العربية في إطلاق الفصل الثاني من مخطّط الشرق الأوسط الجديد، وفتحت أبواب الدول أمام التطبيع، لمحاولة بناء خارطة جديدة تستند إلى نتائج الفصل الأول المسمى زوراً بـ"الربيع العربي".

  • الصّور التي يتمّ التقاطها على المسرح في واشنطن لن توثر في وعي الشعب الفلسطيني
    الصّور التي يتمّ التقاطها على المسرح في واشنطن لن توثر في وعي الشعب الفلسطيني

بصورة رسميّة، أعطت جامعة الدول العربية الضّوء الأخضر لحكّام البحرين للالتحاق باحتفالية التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، والمشاركة مع حكومة الإمارات في التوقيع الرسمي على صفقة العلاقات العلنية الجديدة، وتركت الأبواب مفتوحة لمن يرغب في المضي في هذا المسار، من دون الحاجة إلى أيّ حسابات رسمية تتصل بباقي أعضاء هذه المؤسسة وبالمتضررين، أو إلى التقيد بأي قرار سابق بهذا الخصوص.

في الحقيقة، هذا الموقف الذي اتخذته الدورة الـ154 للجامعة، والتي تزامنت مع ترؤس فلسطين لها بحكم الأنظمة والقوانين المعمول بها في هذه المؤسسة، لم يكن مفاجئاً سوى للذين أزاحوا أبصارهم عن سياساتها، وتقبّلوا الصّمت على دورها الذي انتهجته، وبالتحديد منذ اتخاذ القرار المشؤوم بتعليق عضوية الدولة السورية، والتواطؤ السافر في التدخل في أوضاعها، ومشاركة العديد من دول هذه الجامعة مع التحالف الأميركي الغربي الإسرائيلي، لتنفيذ أجندة العدوان التي ما زال يدفع الشعب السوري ثمنها الثقيل الباهظ من الدمار والتشريد والحصار والتجويع، ومن دماء الأبرياء، ومن نهب الثروات ومقدرات البلاد، ومخاطر التقسيم بكل ألوانه الجغرافية والطائفية والمذهبية، ومحاولة ضرب وحدة الدولة الوطنية.

شرعت الجامعة العربية في إطلاق الفصل الثاني من مخطّط الشرق الأوسط الجديد، وفتحت أبواب الدول أمام التطبيع، لمحاولة بناء خارطة جديدة للقوى والمصالح، تستند إلى نتائج الفصل الأول المسمى زوراً بـ"الربيع العربي"، حيث ما زالت العديد من الدول المركزية تواجه سياسة التخريب والتدمير الممنهج والتدخل المباشر وغير المباشر في أوضاعها، كما هو حاصل في ليبيا وتونس والجزائر واليمن والسودان ولبنان والعراق، وكذلك ما يواجه البعض الآخر من صعوبات وتحديات داخلية بتأثير من التدخل الخارجي في أوضاعها، والسعي لفكّ مكوناتها وتركيبها على مقاس المخطط المرسوم للشرق الأوسط بتقسيماته الجديدة، ووفقاً للتقاسم الغربي للمصالح بصيغها المعدلة، في ضوء ما وقع من أحداث وتطورات على الأرض في المنطقة والإقليم. 

إنّ الدول المتنفذة والمهيمنة حالياً على مؤسسات النظام الرسمي العربي، والتي تكلّفت دفع فاتورة التخريب الذي حدث باسم "الربيع العربي"، تتواطأ اليوم مع المصالح الأميركية في تنفيذ الشقّ الخاصّ بالتطبيع في "صفقة القرن"، وتقدم كل التسهيلات اللازمة لتمرير الأطماع المعادية لمصالح الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة بأسرها، وتحاول بأقصى درجات الاستعجال والتخبّط استثمار الحالة الراهنة وما تكبده الشعب الفلسطيني جراء الانقسام الداخليّ، لترتيب معادلات الحماية لوجودها، عبر المساس بالثوابت الجوهريّة الراسخة لأسس الصراع مع الكيان الإسرائيلي، ومحاولة التحالف مع "دولة" الاحتلال، للقفز ببالونات الأوهام التي أعدتها واشنطن لجني المكاسب الفورية والبعيدة المدى.

لقد بات من الضروري بدلاً من الانشغال في الجدل حول واقع مؤسسات النظام الرسمي العربي، وتباين الآراء بشأن جدوى استمرار العلاقة معها أو الخروج منها، التعامل بدرجة أعلى من المسؤولية الوطنية والقومية مع وقائع الميدان وخطورة "صفقة القرن" في إطار المشروع الأميركي للمنطقة، والعمل لإعادة بناء الأولويات، وتوحيد الجهود، وحشد الطاقات على جميع المسارات في المنطقة العربية، وتحمّل كل القوى الحية في الأمة دورها في التصدي لهذا المخطّط وإفشاله، والدفاع عن حقوق شعوب المنطقة ومصالحها أمام توغّل سياسة النهب والهيمنة والتقسيم الاستعمارية.

إنَّ احتفال 15 أيلول/سبتمبر 2020 في البيت الأبيض يحمل العديد من الأهداف التي تسعى إدارة ترامب إلى تحقيقها، سواء في بورصة الانتخابات الرئاسية المقبلة أو في تقديم المزيد من الهدايا للحليف الاستراتيجي، ممثلاً بنتنياهو، وتوجيه المزيد من الرسائل إلى من يهمه الأمر في المنطقة والإقليم حول التحالف الذي يجري الإعداد لاستكمال بنائه، وإعطاء المشاركين شهادات الحماية الأميركية غير المنتهية الصلاحية بتاريخ الانتخابات ونتائجها ونوع الإدارة الجديدة للبيت الأبيض.

بالتأكيد، إنّ الصّور التي يتمّ التقاطها على المسرح في واشنطن لن توثر في وعي الشعب الفلسطيني لحقيقة الدور الذي أدّاه بعض حكام العرب في توفير ظروف الاعتداء على حقوقه الوطنية، ومحاولة محو هويته وشخصيته المستقلة، والنّيل من تمسّكه بأهداف نضاله الطويل لإنهاء الاحتلال والعودة وتقرير المصير، فالتجارب أثبتت أن حكومات بعض الدول العربية، ومعها مؤسَّسات النظام الرسمي، دفنت مواقفها السياسية في الوحل الأميركي، ولا تحتاج إلى الغضب وردود الفعل على هذه المشاهد المموّلة بالبترول الخليجي.

والفعل الحقيقيّ هو بالاستجابة العاجلة للتصدّي لتحديات المرحلة، وإعادة بناء الوحدة الوطنيّة، لتجديد الرافعة العملية لإعادة النهوض بمشروع التحرر الوطني، وإعادة التلاحم والترابط الوثيق بين جميع القوى السياسيّة والأحزاب والمنظمات العربية، للوقوف بوجه الهيمنة الأميركية وسياسة التبعية، وحماية حقوق شعوب الأمّة في السّيادة والاستقلال وفي مصالحها وآمالها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
مصطفى مسلماني

أسير فلسطيني محرر

إقرأ للكاتب

ما بعد اجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية في بيروت

تدرك القيادة الفلسطينيّة أنَّ التطبيع والاتفاق الثلاثي الأميركيّ الإسرائيليّ الإماراتيّ حلقة ضمن...

ما بعد المحكمة الدولية الخاصة بلبنان

لبنان المثقل بالكثير من التراكمات، وآخرها ركام التفجير الدامي، بانتظار نتائج التحقيق الداخلي...

ما بعد اتفاقيَّة "ابراهام"

مخطئ من عبَّر عن صدمته ومفاجأته بهذا الإعلان الذي يحمل في شكله ومضمونه دلالات كثيرة على المأزق...

أبواب دمشق وحلب

المؤكد أن استكمال الانتصار والتعافي السوري سيعني بصورة حاسمة إعادة الثقل الاستراتيجي الحقيقي إلى...

انطلاقاً من خطاب السيّد نصرالله.. أي دور للقوى الوطنية والقومية؟

انطلاقاً من خطاب السيّد نصرالله الأخير حول استنهاض الإنتاج هل يمكن للأحزاب والقوى الوطنيّة...