مبنى زها حديد.. جولة في سياق حرائق بيروت

من العجز أن ننتظر احتراق آخر بيت في بيروت لنتبيّن حقيقة ما يجري. ويأتي الحريق - المجهول - للمبنى الذي خططته المهندسة العراقية العالمية زها حديد ليشكل القطرة التي أفاضت الكأس.

  • يحمل بناء زها حديد رمزية بيروت وما مثلته خلال المائة عام الماضية
    يحمل بناء زها حديد رمزية بيروت وما مثلته خلال المائة عام الماضية

أهمية البناء في رمزيّته. هو توق العاصمة اللبنانية للتحفز، والنهوض، والتقدم وفقا لما شهدته منذ مائة عام، وإن كان ذلك التنامي البيروتي، واللبناني عامة، قد جاء في موجة صعود الغرب الاستعماري، وقدومه إلى الشرق عبر البوابة اللبنانية. اختار الغرب منتصف الشاطىء الشرقي للمتوسط ليكون جسر العبور نحو العالم المجاور. 

يحمل البناء رمزية بيروت، وما مثلته خلال المائة عام الماضية. حاولت بيروت النهوض تكراراً من الدمار الذي طالها وفاقم هبوط دورها، وتراجعه، لكنه لم يلغه بعد أن أثبتت بيروت نفسها رائدة في العمران والذوق الرفيع، ولعبت دوراً اقتصادياً كبيراً في محيطها، وقدمت ثقافة وحضارة متفاعلتين، وباتت نقطة التقاء العالم، لكن إحراق رمز من رموز نهوضها، هو إصرار على إبقائها في كبواتها المظلمة.

لا يمكن لاحتراق المبنى –  هذا الحريق المجهول -  أن يقارن بشيء من هذا القبيل، مثال مرفأ بيروت، وإن كان ثمة أهمية في ربط احتراق المبنى والمرفأ معاً. إنه دليل قاطع على إصرار البعض تنفيذ مخطط إلغاء رمزية بيروت، وبالتالي إلغاء الدور الذي نشأت عليه، ونشأت من أجله. 

وفي عودة سريعة للتطور البيروتي في القرن المنصرم، لم تكن بيروت قديماً سوى حارات متباعدة في فترة الحكم العثماني. لم تكن مدينة عصرية كمدن العالم الكبرى، أو كما هي الآن عليه منذ منتصف القرن الماضي، إلى أن جاء المستعمر الفرنسي، وبنى فيها خط سكة الترامواي الذي جمع أجزاءها، وربط حاراتها. وفي النصف الأول من القرن العشرين بدأت بيروت تلبس ثوب الحداثة، ونشأت فيها المؤسسات. 

كانت المصلحة الفرنسية تقتضي التركيز على بيروت في نموها، فيما كان المستعمر البريطاني يصبّ اهتمامه على تأسيس الكيان الاسرائيلي، إنفاذا للمؤتمرات الصهيونية التي عقدت في أوروبا، والتي ما لبثت أن توّجها وعد بلفور المندرج بنداً من بنود مؤتمر بنرمان، بحضور ومشاركة مختلف الدول الأوروبية الفاعلة آنذاك.

تركيز فرنسا على الاستثمار في لبنان وتاريخ تجارة الحرير مع الجبل، أتاح لبيروت فرصة تحقيق نموٍ اقتصادي ومالي ضخم، وباتت العاصمة بيروت قبلة أنظار دول العالم.

كثيرة هي الأحداث والتطورات التي استهدفت بيروت وحاولت استباحتها مراراً وتكراراً. عام 1968 كان الهجوم الإسرائيلي على مطارها، عام 1973 كانت حادثة اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة، عام 1975 شهد العالم تدميرها في الحرب الأهلية، عام 1982 اجتاحها العدو الإسرائيلي، ومن ثم أعاد عدوانه في حرب تموز 2006، ناهيك عن المعارك والتفجيرات اللامتناهية التي طالت أحياءها. 

لم يترك الاسرائيليون مناسبة إلا وهددوا فيها لبنان بالتدمير، وضربوا بنيته التحتية. وكأن تدمير لبنان كامن في عمق عقيدتهم، وثقافتهم، وتوجهاتهم. وقد يستغرب البعض مدى التهديد والحقد الذي يتعرّض له لبنان والعاصمة بيروت بالتحديد، لكن من يعرف القليل عن تاريخ فلسطين الحديث، ومستوى الدمار الذي مارسه الصهاينة في فلسطين، يدرك أن تدمير لبنان، وبخاصة بيروت، هو سلوك سهل في النزعة المتوحشة الكامنة في المجتمع الرأسمالي الغربي، حيث تُعتبر الحركة الصهيونية جزءا لا يتجزأ منه. فالصهيونية حركة فاعلة في المجتمع الرأسمالي الغربي، لا بل مشاركة إلى حد كبير في بنائه، ومؤثرة اليوم في قراراته.

في هذه الأجواء، حضر وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو إلى بيروت منذ قرابة عام، وأطلق عبارته الشهيرة: "نريد سلاح المقاومة، وترسيم حدود النفط"، اكتفى بومبيو بهذا المستوى من الكلام. لم يتسنّ له التحدث عن الاتفاقيات المنشودة، والمعاهدات اللاحقة، على غرار ما يجري حاليا من عمليات تطبيع مع دول الخليج. تكرّر كلام بومبيو على أكثر من لسان، وتداوله أكثر من مسؤول.

ارتداداً لصدى كلام بومبيو، اندلعت حركة الشارع اللبنانية تحت مسمى "حركة 17 تشرين الأول"، مغلّفة بشعارات الإصلاح، ومكافحة الفساد، ومسلّطة الضوء على دور المصارف السلبيّ... وفي أقل من عام، وصل لبنان إلى نصف الطريق نحو القرون الوسطى، فتدمرت بناه، ومؤسساته، وسبل اقتصاده. 

في أقل من عام، مهدت التحركات الشارعية ليكون لبنان أرضية صالحة لتحقيق شعار بومبيو الأميركي- الصهيوني، حتى ما إذا وقع انفجار المرفأ، أمكن قراءته في هذا السياق. هي سياسة الاستمرار في تدمير لبنان كما شاء بومبيو، ونقطة استلحاق للتطورات فيه، وما يفترض أن يكون آتياً. فمن يفهم العقل الاستعماري الغربي المبرمج صهيونياً، يمكنه أن يعيَ ما يحصل في لبنان.

القراءات التي أعقبت الحدث، تؤكد أن أن مشروع تدمير لبنان، وتحديدا عاصمته بيروت، سائر على قدم وساق ويحتاج كبحه إلى قرارات كبرى، متوافرة العناصر إذا شاء أصحاب القرار حماية ما تبقى من بيروت، ولبنان بصورة عامة.

إن تفجير المرفأ كان استثنائياً وملفتاً من حيث ضخامته، وغموضه. كما أنّ تكرار الحرائق فيه، والتدمير الذي ألحقه الانفجار، طاول مدينة كاملة بضخامة نادرة، أدى إلى تدمير مرافق الاقتصاد، والعمل، والثقافة.

في ظل هذه التطورات، نشأت في المنطقة حركتان، الأولى، وهي الأخطر، حركة التطبيع مع بعض الدول العربية.

من البديهي أن يتم السعي لاستحداث دور بديل عن مرفأ بيروت في إطار التحرك الأميركي- الاسرائيلي. هذا البديل الذي لم يكن متاحاً في السابق، سيصبح ممكناً بعد الاتفاقيات. الهدف الأساس يكمن في تحويل مرفأي حيفا ويافا إلى مرفقين حيويين يلعبان الدور الذي كان يلعبه مرفأ بيروت، والدورالذي كان مرتقبا لمرفأ طرابلس أيضاً. 

أما الحركة الثانية، فتتمثّل بمبادرة رئيس الوزراء العراقي الكاظمي تجاه مصر والأردن لتشكيل حالة تحت مُسمّى"الشام الجديدة" على أمل انضمام سوريا إليها في وقت من الأوقات. 

ولا نستطيع إغفال كلام الرئيس الفرنسي ماكرون عن أن الصيغة اللبنانية لم تعد صالحة للتطورات، وهي تحتاج إلى إعادة نظر. ما زال هذا الكلام موضع تداول، لكن الظرف لم ينضج  لطرحه بجدية.

عطفاً على انفجار المرفأ، ما جرى في سياق حركات الشارع، لا يمكن إدراجه إلا في سياق إعادة تكوين الشرق بوجهة نظر استعمارية غربية متصهينة متجددة، تستهدف تحويل  دور لبنان بوجهته العربية، إلى فلسطين المحتلة بوجهة امبريالية متصهينة، تقتضي إلغاء دور لبنان، وإزالة بيروت، وإعادتها إلى ما كانت عليه بداية القرن الماضي، حارات متباعدة. 

إننا اليوم، أكثر من اي وقت مضى، في معركة مصيرية، ولكن شعوبنا وقواها تملك من الامكانات ما يجعلها تحبط مخططاً مماثلاً، إذا شاءت قيادتها ذلك، وقررت. وما نحن فيه اليوم، يطرح خيارين لا ثالث لهما: "أن نكون أو لا نكون".    

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نقولا طعمة

محرر في الميادين نت

إقرأ للكاتب

جدلية المأساة - الملهاة في افتراض مئوية لبنان الكبير

نقدّم بعض الحقائق والوقائع لكي نؤكّد أنه لن تنطلي كذبة اليوبيل الماسي للكيان، من جهة تعداد...

تل العاصور: إطلالة بين يافا وغور الاردن

فريق "موطني" يواصل مساراته مكتشفاً الجديد من فلسطين، ومنه واحدة من أعلى تلال فلسطين، كذلك تقديم...

كيف يمكن لأحد أن يعترض على تعزيز الإنتاج في لبنان؟

لم يطرح السيد نصرالله نظاماً بديلاً، كنظام "إسلامي" مثلاً، ولم يتبنَ نوعاً من شيوعية أو اشتراكية...

مجموعة موطني: مقاومة بالصورة توثق حق العودة

تأسست مجموعة موطني منذ نحو سنتين، ساعية لتوثيق ما لم يعرف من الكثير الكثير من مواقع فلسطين...

دير القاسي: بيوت ونقوش وزخارف تنطق بحق العودة

دير القاسي بلدة فلسطينية دمرها الاحتلال سنة 1948 وما تزال بعض منازل فيها، وبقايا زخارف وونقوش...

خدعة لن تمر

لم يمرّ التطبيع في ذروة قوة العدوان، وهو لن يمر مع بداية تراجعه الاستراتيجي وانحداره التاريخي....