تطبيع التطبيع: التجربة المغربية

لكي تتعزّز جريمة التطبيع في المغرب، أقدمت حكومة عبد الاله بنكيران على رفع مستوى المعاملات التجارية مع الكيان الصهيوني عام 2014.

  • تطبيع التطبيع: التجربة المغربية
    تطبيع التطبيع: التجربة المغربية

لجأت الإمبريالية الصهيو-أميركية في الأسابيع القليلة الأخيرة إلى إطلاق إشاعات حول الدول المرشحة للتطبيع، بعدما انبطح حكام الإمارات والبحرين، أمام سيدهم نتنياهو. تُشاع بانتظام، على فم ترامب وبعض الحكام الصهاينة، أسماء الدول العربية الواقفة في طابور التطبيع، حتى أصبحت هذه الإشاعة ليس فقط ميزان قياس ردود فعل الشعوب العربية فحسب، بل رسالة واضحة للبيادقة العرب للركوع من جديد صوب القبلة الأولى، متخلين عن القبلة الحقيقية للمسلمين. ومن بين أسماء الدول العربية التي تتردد بكثافة في الآونة الأخيرة، والتي يظهر بأنها مستعدة أيضا لضبط مكانها في صف المطبّعين، هناك المغرب.

نذكر بمرارة وحسرة وخزي لمن نسى أن فكرة التطبيع هي فكرة أميرية مغربية، نادى إليها ولي العهد المغربي في نهاية الخمسينيات ودعا إلى التطبيع مع الإسرائليين، وجر عليه هذا المقترح وابلا من الغضب والنقد في عموم العالم العربي والمغرب. لكنه لم يتخل عن الفكرة، بل أكد على أهميتها وهو ملكٌ عام 1974. كانت الإستراتيجية المعلنة للحسن الثاني هي تذويب الكيان الصهيوني في النسيج العربي، في إطار قرار الأمم المتحدة لعام 1967. وعلى الرغم من أن الفكرة لم تجد آذاناً صاغية -على الأقل على الصعيد العلني- من طرف الحكام العرب، ولاقت رفضاً قاطعاً من طرف الشعوب العربية، فإن الحسن الثاني استمر في ثقب الإرادة العربية الرافضة للصهاينة، باستضافته  لشمعون بيريز واستقباله وتكريمه عام 1986. زلزلت هذه الزيارة الشارع المغربي قاطبة، وأتذكر شخصياً مظاهرات الطلبة في الجامعات المغربية القليلة آنذاك، وحرق العلم الإسرائيلي في حرم جامعة فاس، والتدخلات العنيفة لرجال الأمن لتفريق المتظاهرين. لم تكن القوى الطلابية المناضلة من طينة من اصطلح عليهم السوسيولوجي المغربي محمد جسوس: "جيل الضباع" عام 1983، بل كانت نخبة مناضلة حقيقية، كانت القضية الفلسطينية أولوية بالنسبة لها، وبالخصوص وهي ترى بأم عينيها كيف كان الحق الفلسطيني يُهدر بمساعدة ملكية مباشرة. بل عملت السلطات المغربية بعد كارثة زيارة بيريز إلى فتح مكتب اتصال رسمي بين الرباط وتل أبيب، أي بعبارة صريحة القيام بحد أدنى من التطبيع مع الكيان الصهيوني المغتصب، في انتظار تطبيع أوسع وأشمل. 

هذه الهدية الملكية للصهاينة، كانت أيضاً أشبه بصفعة لكل مغربي حرّ أبيّ، بل إهانة لكل الشعب المغربي، الذي كان يئنّ تحت ديكتاتورية لم يسبق لها مثيل في تاريخ المغرب.

كان الحسن الثاني ملك غريب الأطوار في سياسته اتجاه "إسرائيل". من جهة لم يرفضها أبداً ولم يحاسبها على كل الخروقات والإبادات الجماعية للمجتمع الفلسطيني، بقدر ما كان يحاول مساعدتها لتقوية نفسها وضمان مكانها تحت شمس الشرق الأوسط. ومن جهة أخرى كان يطلع بخطابات رنانة ينتقد بعض ممارساتها، وازناً كلماته بميزان تجّار الذهب اليهود في أحياء الملاح بالمدن المغربية العتيقة، لكي لا يتلفظ بما يمكنه أن يصبح نقمة عليه. 

علاوة على ذلك، أصبح الحسن الثاني رئيسا "للجنة القدس" بقرار من المؤتمر العاشر لوزراء خارجية البلدان الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد بفاس عام 1979. وكان الهدف العام للّجنة هو حماية القدس من المخططات و المؤامرات الصهيونية وخطط تهويدها. وهنا يصحّ المثال العربي المعروف: "حاميها حراميها". هذه الإزدواجية في الموقف من "إسرائيل" ومن القضية الفلسطينية هي بمثابة فصام شخصية سياسي حقيقي، تعوّدُ المرء على تحريف اسمه الحقيقي وتسميته بـ "البراغماتية السياسية"، وفي هذه الحالة بيعَ الحق الفلسطيني علناً ومباشرة لإرضاء استيطان إمبريالي أبرتهايدي. وتعزّز هذا الفصام على طول السنوات، ليصبح سلوكاً عادياً عند الحاكم العربي أينما كان، باستثناء الجزائر الأبية، على الأقل في مواقفها الواضحة حالياً.

كما هو الحال عليه في كل الأقطار العربية والمسلمة، فإن الحكام -إلا من هَدى ربك- يغنّون في وادٍ والشعوب تغني في وادٍ آخر. ما نجحت فيه الخطط الصهيو-أمريكية في السنوات الأخيرة هو تخدير، بل تضبيع الشارع العربي الإسلامي فيما يخص تضامنه ودفاعه عن القضية الفلسطينية. فالتجويع الممنهج ونشر الجهل والأمية المنظّمَين وإغراق المواطن العربي في متاهات وجودية وأخلاقية عدمية بتغميسه في ثقافة تسلبه حريته وملكة الحكم، موهمة إياه بأنه أصبح أخيراً إنساناً ذا حقوق، وإشعال فتائل الفتن المختلفة، ومنها بالخصوص ما اصطلح عليه "الربيع العربي" هي تمظهرات واضحة، من بين أخرى، للإستراتجيات الجهنمية التي اشتغلت عليها الإمبريالية الصهيو-أمريكية منذ سنوات. 

تم عزل الشعوب العربية والمسلمة عن القضية الفلسطينية، وجُمِّعَ حكامها في حظائر غير مسيّجة، لأن المرء يعرف بأنهم لن يستطيعوا لا الهروب ولا التفكير ولا التذكر.

على الرغم من هذه اللوحة الدامسة للشعوب العربية الإسلامية، فإن الإرادات الحية تستيقظ أيضاً يومياً. لنتذكر مثلا الضغط الشعبي الذي شعرت به الحكومة المغربية حالياً وأقدمت على خطوة شجاعة تشرّف الشعب المغربي قاطبة، بتقديمها صيف 2013 مقترح قانون سُمّي بـ"قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني". كانت أهمية هذا المقترح تكمن في بعده الرمزي وتعبيره عن إرادة الشعب المغربي؛ والعارف بالسياسة المغربية كان يعرف بأن المقترح لن يصبح أبداً قانوناً تصادق عليه الهيئات التشريعية في البلاد، بقدر ما كان نوعاً من تهدئة الشارع المغربي وذر الرماد في العيون.

لا يمكن لأية حكومة مغربية ولا لأي برلمان فيه أخذ قرار محاربة التطبيع بطريقة من الطرق، لأن التطبيع هو قرار المؤسسة الملكية ذاتها، وهو قرار حُسم في عهد الحسن الثاني، ولا رجعة فيه. 

ولكي تتعزّز جريمة التطبيع في المغرب، أقدمت حكومة عبد الاله بنكيران على رفع مستوى المعاملات التجارية مع الكيان الصهيوني عام 2014، ليرتفع إلى أكثر من 130 في المائة في ظرف سنة واحدة. ولم يحصل الإسرائيليون على أوسمة وتكريمات من الجهات الرسمية المغربية في زمن آخر أكثر من حصولهم عليها في فترة حكم الإسلامي بنكيران، وهي فترة تمتذ زمنياً إلى يومنا هذا، لأن حزبه هو الحاكم حالياً.

سياسة الحكومة المغربية مع التطبيع هي نفس سياستها فيما يخص التعريب. رسمياً، تدافع الحكومة عن مبدأ تعميم التدريس باللغة العربية في المدارس الحكوميّة، لكن نخبها ترسل أبناءها للتعلم في مدارس أجنبية تُدَرِّسُ بالإنجليزية أو بالفرنسية.

 أكثر من هذا، هناك البعض من عداد وزرائها - وبالخصوص وزراء التعليم- ممن لا يتكلمون العربية. ما نودّ قوله هو أن السلطات المغربية لا تعنيها لا المدرسة ولا اللغة العربية ولا فلسطين. وإذا كانت إشاعات ترشيح المغرب للتطبيع صحيحة، فإن ذلك لن يكون أكثر من تطبيع التطبيع الموجود منذ سنوات بين آل صهيون والحكام المغاربة. 

ونعّول بأمل على إرادة الشعب المغربي ليشبك يده بيد شقيقه الجزائري ويعلنها حرباً حقيقية ضد هذا التطبيع، لأنه ليس خيانة للشعب الفلسطيني فحسب، بل للإنسان العربي حيثما وجد. فمقاومة هذا التطبيع هي مقاومة سياسة الإبادة الجماعية للإنسان العربي التي ينتهجها الإستعمار الأبرتهايدي الصهيوني الأمريكي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً