بيروت التي أعرف والسيد

بيروت طيش مراهق ورصانة الحكمة، بيروت النور الَّذي يستبطن الظلمة والظلمات التي تستبطن النور، بيروت سمٌ بلا عسل وعسل بلا سم، بيروت الأمل الميت والمستحيل الحي.

  • صورة لبيروت عام 1982
    صورة لبيروت عام 1982

في العام 1982 كنت طفلاً، لكنّها طفولة في سنٍ تسمح بملاحظة ما يدور حولك من دون إدراكه، كما أنّها مرحلة عمريّة أسمّيها الإسفنجة، من ناحية قدرتها الهائلة على التشبّع بكلّ التفاصيل. وقد حدث في صيف تلك السنة أن اجتاح العدو الإسرائيلي لبنان، وكان اسم بيروت هو الحاضر في فلسطين المحتلة أينما ولّيت وجهك، في البيوت والأزقة والمقاهي، وحتى المخادع، وعلى ألسنة الناس وفي عيونهم، وكانت تُسكب في قلوبهم ككتابٍ مقدس.

كانت بيروت كتعويذةٍ ساحرة، سلبت الناس أوقاتهم وألبابهم وشؤون حياتهم، فترى عيونهم وقد لمعت بالعنفوان، وجباههم وقد تخضّبت بالأنفة، تراهم كأنهم يحلّقون على أجنحة الملائكة كلّما سجّلت بيروت نصراً، لا يلتفتون إلى طعامٍ أو شراب، ويقتاتون كرامةً امتدَّت لهم بها أيادي بيروت، حتى الأطفال وأنا منهم، يذرون ألعابهم كلَّما طرق اسم بيروت آذانهم، ويتحلَّقون حول من تلفَّظ بالتعويذة، يستمعون بانتباهٍ شديد، وإن لم يدركوا أنّ بيروت عاصمة عربية تتعرَّض للذبح من الوريد إلى الوريد، لكنَّهم أدركوا بعد حينٍ أنّ بيروت لم تعد بيروت، فالعيون اللامعة بالعنفوان اغرورقت بالانكسار، والجباه المخضبة بالأنفة رشحت عرق اليأس والخوف، والألسنة التي كانت تصدح بحكايات النصر والبطولات، أمست بكماء مهما ألحّ السؤال: هل من جديد؟ يكتفون بإيماءة رأسٍ تختزل معنى الـ"لا" والـ"تباً".

وبعد دخولنا مرحلة الإدراك، عرفنا أنّ انقلاب الصورة حدث حين كان فيليب حبيب، المبعوث الأميركيّ، يخيط أكفان الثورة، ويوم اعتلى المقاتلون الفلسطينيون سفن الشتات انسحاباً، لكن بيروت لم تنسحب، ولا تليق بها الأكفان، بل أثواب السؤدد. حملت دمها تغرزه في سيف قاتلها، فأصبح يتسوَّلها أن تجرّعه ذلة كأس الانسحاب من دون إثخان، ثم امتشقت بندقية كأنّها القدر النازل، وأطلقت رصاصها على قلب العدو على مدى عقدٍ ونيف، فأردته كأعجاز النخل الخاوية، وأثبتت بندقيتها بالبرهان القاطع أنّ "إسرائيل" أوهن من بيت العنكبوت. وعندما حاولت أن تدحض وهنها كبيتٍ من الفولاذ في عدوان تموز 2006، ازدادت وهناً على وهن. 

كنت أغبط الأطفال الذين لم تخذلهم بيروت تلك المرة، وحرَّمت على عيونهم نظرات الانكسار في عيوننا وطأطأة جباهنا يأساً وانكساراً، فأدركوا يقيناً، مهما كانت أعمارهم، لذة النصر ونشوة كرامةٍ لا تنضب، وتيقّنوا أنّ زمن الهزائم ولى إلى غير رجعة، وأنّ بيروت امتلكت ناصية العز وزمام المصير، وأنّ في أخمص بندقيتها تتعلق آمال أجيالٍ سبقت وأجيال لحقت.

هذه البندقيَّة التي يحاول كلّ الزاحفين من زمن الانكسار كسرها، ليست مجرد سلاح كأيّ سلاح، بل هي الفرقان بين الجنة والنار، هي المسافة الفاصلة بين الشرف والذلة، وهي صلة وصل السماء بالأرض، فكم تساءل الناس في زمن الانكسارات: أينك يا الله؟ فامتدَّت يده بهذه البندقية فآمنوا.

لذلك، كلّ من يريد كسر هذه البندقية، عليه أولاً قطع حبال الله، ليهوي المعتصمون بها سحيقا، كما أنّ بيروت ليست مجرد بندقية، وليست مجرد مدينة؛ بيروت آلهة المتناقضات الساحرة، بيروت نزق بندقية ورقّة "ضمّة"، بيروت جليد القطب وعصف صحراء، بيروت طيش مراهق ورصانة الحكمة، بيروت النور الَّذي يستبطن الظلمة والظلمات التي تستبطن النور، بيروت سمٌ بلا عسل وعسل بلا سم، بيروت الأمل الميت والمستحيل الحي، بيروت تمسي حقداً وتصبح عشقاً، كما حدث وقت انفجار أو تفجير المرفأ؛ لملمت بيروت جراح الجميع من دون أسئلة وبطاقات هوية، كأنّها أمٌ ولدت للتو، لا تعرف سوى أنّ هؤلاء أبناؤها، ولا تعرف برَّهم من عاقِّهم.

وقد أطلَ السيد حسن نصر الله وكأنّه يحذر من أنّ بيروت قد تقتل أبناءها إن لم يمنحوها بلازما الحقيقة، أو قد يقتلونها إن لم يمنحوها مصل المحاسبة. وقد كان شديد الوضوح شديد الغموض في الوقت ذاته، حين قال: "شوفوا شو بدكم تعملوا"، إن لم نتبادل وأُمنا الحقيقة والمحاسبة.

كان السيّد نصر الله ودوداً جداً في إطلالته وحاداً جداً في الوقت ذاته، كأنّه التجسيد الحيّ لسحر بيروت. ضمّد الجراح، ووعد بالمزيد، وطمأن المتلحّفين بالبندقية، وتوعَّد من يريد بها شراً، كما كان متعالياً عن صغائر من تعظم في عينيه الصغائر، فتعفَّف عن سجالات المتسلّقين على الدماء، وأرجأ كل شيء إلى ما بعد شفاء بيروت، رغم أنّ الغيظ الذي احتمله جمهور المقاومة - على امتداد الساحات، وليس في لبنان فقط - كادت تنوء به النفوس والألباب.

لكن السيد كان رابط الجأش كاظم الغيظ محسناً، فبيروت تعرف من يحمل سيفها، كما تعرف من يتربَّصها خنجره، فمنذ لحظة الانفجار أو التفجير، انطلقت ماكينة كذبٍ تعمل بالطاقة النفطية، وتمتلك المئات من خطوط إنتاج التلفيق والتزوير والتحريض، فترفَّع السيد كعافٍ عند المقدرة، لكن عفوه تحوّل إلى نقمة حين قال: "نعرف عن ميناء حيفا أكثر مما نعرف عن ميناء بيروت"، فحين يتعلَّق الأمر بأعداء بيروت وشقيقاتها لا مكان للعفو ما داموا هناك، فيا بندقية بيروت، يا من اعتمرتِ عمامةً مبجّلة، وتساميت رنواً نحو الأقدس، وجعلتِ المستحيل على طرف البنان، وراكمت حُنواً بقدر ما راكمتِ من القوة، تجلَّدي، فإنّ النصر صبر ساعة، فالتاريخ يكره المتهوّرين، والمستقبل عصيٌ على الزاحفين، ونحن الأطفال الذين رأوا الانكسار في عيون الكبار، أصبحنا كباراً نرى العزة وبريق المستقبل في عيون الأطفال.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
إيهاب زكي

كاتب فلسطيني