هيجلة القضيّة الفلسطينيّة

لم يؤمن هيجل بفكرة الكمال في البشر، فمهما حصل من تقدم وتحضر، لن يصل إلى مرحلة المدينة الفاضلة، وقد اعتقد بأننا مهما تمكنّا من فهم طريقة التاريخ والطبيعة البشرية، فإن صناعة التنبؤ شبه مستحيلة.

  • هيجلة القضيّة الفلسطينيّة
    التاريخ الحديث للقضية الفلسطينية يثبت منعطفات شرسة ضربت أطنابها كأنها القُضب

لا شك في أن كلّ ما يفكّر فيه الإنسان وكلّ ما يؤثّر فيه، ما هو سوى نتاج تأثير ثقافة المجتمع والتاريخ فيه، كما أن النظرة الفلسفية إلى عجلة التاريخ تضفي عليها صبغة المرونة إلى حد التوسع في الاستثناءات والقياس عليها. هذا يعني أنَّ ما كان غريباً عند من سبقونا قد يصبح اليوم في عداد الضروري، وما كان استثناء يحمل صفة الغرابة، غيّرته النظرة الفلسفية ليصبح من مظاهر العولمة في القرن الحادي والعشرين، أو ربما أوهمنا أنفسنا بأنه ضروري!

إذا كنا نتحدّث عن التاريخ، فلن يكون بمعزل عن الفيلسوف المثالي الألماني فريدريك هيجل، صاحب قانون التطور التاريخي، الذي قدم تفسيراً لظاهرة التغيير عبر التاريخ، وصاحب الجدلية الهيجلية التي تحمل في طياتها تفسيراً من وجهة نظره لأسباب التغيير والانتقال عبر الحقب التاريخية، والقائمة على خلق مجموعة من التناقضات لأي حالة أو مجتمع أو حقبة تاريخية، من خلال استغلال الثغرات الواضحة في هذه المنظومة، تنتج منها حالة أو مجتمع أو منظومة أو حقبة تاريخية جديدة تحمل صفات التوليف والتوافق قدر الإمكان بين الحالة الأولى والتناقضات الثائرة عليها، فتنتج مرحلة المصالحة، وهو مجتمع جديد بمواصفات تحمل نتائج معدلة ترضي الجميع.

مرحلة الموالفة والمصالحة هذه ستتعرض بدورها للتناقضات الثائرة في ما بعد، لينتج تفاعل في ما بينهما، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى ظهور مجتمع أو حقبة أو حالة جديدة تحمل التصالح والموالفة. وهكذا يتكوَّن قانون التطور التاريخي بنظرة هيجلية، أي أن التناقض هو المحرك للتاريخ، وهو الذي يدفع إلى التغيير، فالمجتمع المبني على التناقضات يفتقر إلى الاستقرار، لأنه يجنح إلى الحرية، وهي سمة بشرية طبيعية.

التاريخ الحديث للقضية الفلسطينية يثبت منعطفات شرسة ضربت أطنابها كأنها القُضب، للقضية الفلسطينية تواريخ يجب الوقوف عندها مليّاً، ففي المآقي عبرات منعها التجمّل من أن تسيل، فهي جامدة لا ينتهي ما يبعثها ولا ينقضي ما يحبسها.

كانت الحالة الفلسطينية الدافئة في ظل المنهجية العربية الواضحة في طريقة إدارة الصراع بوعي جمعي، وما آلت إليه القرارات والتفاهمات العربية الحاضنة لقدسية القضية، نتج منه حالة التناقض والزعزعة التي ستحدثها اتفاقية السلام وزيارة السادات للكنيست الإسرائيلي وحالة التفرد والمواقف الأحادية الاختزالية.

 هذه الاتفاقية شكَّلت طعنة في وعي المواطن العربي، ستجابه بتناقض قائم على خلق حالة ثورية فريدة منظمة بقيادة منظمة التحرير، تمثلت في حالة الصمود الأسطوري في العام 1982 في أحداث اجتياح لبنان، والملاحم البطولية التي سطرها التاريخ. 

وقد تجرّع فيها الفلسطينيون مرارة الاستضعاف والاختطاف. التناقضات في ما بعد ستصل بالقضية الفلسطينية للانتقال بالقتال داخل الأراضي الفلسطينية للمرة الأولى منذ نكبة العام 1948 بأحداث انتفاضة العام 1987، سيكون في ما بعد اتفاق أوسلو الذي سيقابل بانتفاضة الأقصى الثانية في العام 2000، ثم التوجه إلى البرلمانات التشريعية وأوهام الدولة، لتكبح جماحها حالة الانقسام التي نتجت منها حالة موالفة فجّة على ممارسة اللاشيء السياسي، والإصرار على الرجوع إلى أبعد ما يمكن، فكثرت الخروق في الأسمال، وبهت البريق، وخفت وهج القناديل، يتبعها حالة صمود أسطوري شهدها قطاع غزة إبّان 3 حروب دموية، ستقابل بتناقض جديد يحمل حالة التلاعب والتلاقف في المواقف الرسمية العربية والدولية تجاه القضية الفلسطينية.

الاستقراء البسيط لهذه الأحداث وما نتج منها يقول إنّ الحالات الثورية، الشعبية منها والمسلَّحة، كانت تخمد باتفاقيات هزليّة، وإنَّ الفعل الثوري كان يحتال عليه بوعود المنّ والسلوى، وذلك ما يكون سبباً في خلق حالة ثورية جديدة، ويستمر هذا الصراع حتى القضاء على التناقضات في حالة أشبه بالغربلة، للوصول إلى الحرية. 

الثابت هنا أنّ الصراع مستمرّ، والحرية غاية. هذا لا يفضي إلى تنبؤ بقدر ما يسجل حالة جموح حقيقية تجاه الثغرات بشكل أثبته التاريخ. فلنأخذها بعين الاعتبار في طريقة القياس، مرتكزين على منهج التحليل التاريخي من دون الوقوع في فخ القراءة التي تتعقب التفاصيل وتغفل البنية العامة، بل قراءة تحليلية بنيوية في آن واحد، تحلّل الأحداث سعياً إلى كشف المعنى الباطني في ضوء المقصد الكلي لمجموع الأحداث، غير قانعة بالسياقات الجزئية، متطلّعة إلى استنباط ما هو مسكوت عنه، في ضوء رؤية نقدية تميّز الموضوعي من الذاتي، وتكشف الانحياز التاريخي الذي يقع فيه البعض تحت وطأة العوامل الإيديولوجية.

يصل التاريخ إلى نقطة التطور من خلال عملية صراع تتصادم داخلها النظم السياسية والمنظومات الفكرية، والتي ستكون ثورية في الحالة الفلسطينية بسبب عامل الاحتلال، ما يجعل تلك النظم والمنظومات تـنهار بسبب ما تحويه في داخلها من تناقضات، وهو ما يفتح المجال لظهور نظم بديلة تكون أقل تناقضاً وأكثر رقيّاً من سابقتها. وهكذا تستمر العملية، حتى ينتهي التناقض ويظهر نظام بلا تناقضات في ظل دولة تتحقق فيها الحرية.

نعم، نحن بحاجة إلى أقصى درجات التخفّف من سطوة الإيديولوجيا، للإجابة على أسئلة قد تهذب شعث الأمر، إنصافاً للحقيقة، لا رغبةً ولا رهبةً.

لماذا يحمل الفلسطينيون كفلين من العذاب، فيجتمع عليهم ظلم الاحتلال بمصادرة الأراضي عنوةً في ظل صفقة تضرب الاتفاقيات والمبادرات الدولية بعرض الحائط، وتحت وطأة المهرولين إلى موائد التطبيع الآن؟ 

لماذا أصبح التقارب مع "إسرائيل" خطوة حداثوية وعنواناً لعالم جديد يسوده السلام والمحبة، وكأنَّ السلام لا يتحقق إلا بدمجها في المنطقة؟ 

لماذا لم تتّعظ الدول الهاربة إلى التطبيع من الاتفاقيات السابقة، وترى بعين البصيرة أنَّ "إسرائيل" لـ"إسرائيل" فقط، وأنها لم تقاتل من أجل غيرها قط، أو أن وراء الأكمة ما وراءها؟

التاريخ هو عبارة عن تقدّم من جهل إلى معرفة، ومن فكر منطقيّ إلى منطقي أكثر، أي أنَّ التوجّه العام يمضي نحو العقلانية. لم يؤمن هيجل بفكرة الكمال في البشر، فمهما حصل من تقدم وتحضر، لن يصل إلى مرحلة المدينة الفاضلة. وقد اعتقد بأننا مهما تمكنّا من فهم طريقة التاريخ والطبيعة البشرية، فإن صناعة التنبؤ شبه مستحيلة. 

يقول هيجل: "المتعلّم يبدأ دائماً بإيجاد العيوب، أما الدارس فيجد إيجابيات في كلّ مرحلة".

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
رمزي عيسى

دكتوراه الفلسفة في التربية- فلسطين