كيف حضر أوباما في "أرضه الموعودة"؟

حضر أوباما ليغطّي في "أرض موعودة" سيرته منذ صغره إلى أيار/مايو 2011، وبالتحديد تلك الليلة التي كان عليه أن يتخّذ قراره بشأن تصفية أسامة بن لادن.

  • بدا أوباما في
    بدا أوباما في "أرض موعودة" أكثر ارتياحاً لناحية وصف ذكريات طفولته في إندونيسيا     

صدر مؤخراً كتاب "الأرض الموعودة"، وهو الجزء الأوّل من مذكّرات باراك أوباما. يتناول هذا الكتاب فتراتٍ من مسيرته السّياسيّة الأولى وحملته الانتخابية عام 2008، إلى ليلة مقتل أسامة بن لادن عام 2011. وبسرعةٍ، تصدَّر الكتاب قوائم الكتب الأكثر مبيعاً، بعد أن وصلت مبيعاته الأوّليّة في أيامٍ قليلة إلى أكثر من 900 ألف نسخة. 

هنا، نتذكّر جيّداً أنّ الكتاب يُقرأ من غلافه، فهذا باراك أوباما الرئيس الـ44 للولايات المتحدة، مواليد 1961، حكم بين (2009 - 2017)، ها هو يظهر في صورةٍ معبّرة، معتلياً عتبة الثّقة، تعلو محيّاه ابتسامةٌ وكأنّها من زمانٍ ذهبيّ آخرَ اندثر في تاريخٍ لا نكاد نذكره، فيما تغرق الولايات المتّحدة اليوم في صراعاتٍ استقطابيّةِ الطّابعِ محورها الإنتخابات الأخيرة. هي الولايات المتّحدة التي تفاقمت النّزاعات العرقيّة فيها إلى حدّ الإنفجار، ها هي ترزح - وهي الدولة العظمى - تحت عبء الجائحة المستعرة.

الواقع أنّ الغلاف هذه المرّة لا يهمس في آذاننا بكلّ شيء، إذ إنّ النصّ بمجمله - رغم نثر أوباما المتين ولغته الأنيقة - يبدو أقرب إلى سجلٍّ لتصفية الحسابات العالقة منذ فترة رئاسته الأولى، أو فرصةٍ لقول كلمته حول مسائلَ حسّاسةٍ سياسيّاً لم يكن بمقدوره ربمّا التوسّع في طرحها أيّام إقامته في البيت الأبيض. فمن الواضح أنّ أوباما، أوّل رئيسٍ أميركيٍّ منتخبٍ من ذوي البشرة السمراء، يحمل في جعبته المزيد من الحسابات التي تحتاج بدورها إلى الإغلاق، لكنّه تركها للجزء الثّاني من هذه المذكرات التي كانت ستغطّي فترة رئاسته الثّانية - ولم يُعرف متى يمكن إنجازه – والتي ستدرّ عليه أموالاً تسهم في مضاعفة دخله بعد نشر عدّة ملايين من النسخ ستُباع في العالم ورقيّاً وإلكترونيّاً.

على أرض الواقع، حضر أوباما ليغطّي في "أرض موعودة" سيرته منذ صغره إلى أيار/مايو 2011، وبالتحديد تلك الليلة التي كان عليه أن يتخّذ قراره بشأن تصفية أسامة بن لادن في باكستان، حيث كان يتوارى. خصّص أوباما حوالى 200 صفحة تناول فيها فترة شبابه، إذ لا جديد فيها عملياً نسبةً لما رواه في كتابه الشهير "أحلام من والدي - 1995" الذي نشره في خضمّ أجواء التحضير للترشّح لعضويّة مجلس الشيوخ عن ولاية إلينوي.

بدا أوباما في "أرض موعودة" أكثر ارتياحاً لناحية وصف ذكريات طفولته في إندونيسيا، وفترة مراهقته في هاواي الطبيعيّة والاجتماعيّة، إلاّ أنه تجنّب الحديث عن تلك المرحلة عندما كان في سدّة الرئاسة، تحسّباً لأيّ خطوةٍ قد يخطوها الجمهوريّون ضدّه من خلال توظيف معلوماته الشّخصيّة في خدمة مآربهم الإنتخابيّة. وقد حاول ترامب فتح هذا الباب عندما صرّح علناً -إبّان حملاته الانتخابيّة عام 2015- عن اعتقاده بأن الرئيس "أوباما ليس من مواليد الولايات المتحدّة، وهو مجرّد واجهة للمسلمين المتطرّفين".

قد لا يقتصر الأمر على تناقض صورة الغلاف مع المضمون، إذ إنّ العنوان أيضاً يعبّر عن التفاؤل الشديد بـ"أرض موعودة" ويتوجّه فيه المؤلّف إلى "الأجيال الصّاعدة"، لا يقدّم الكثير مما يحفّز إلى الحلم بالغد الأفضل بقدر ما يتولّى تحديد قوى الرّفض الجامحة التي تتحكّم بالسّياق السّياسيّ الأميركي برمّته، فتجعل من شبه المستحيل عملياً فرضاً لأجندات تغييرٍ حقيقيٍّ حتى لو كنتَ تجلس على مقعد الرئيس، سواء في معسكر القوى الجمهوريّة اليمينيّة المحافظة، أو لوبيّات المال والنفط، مع موظفي الإدارة الأميركية المؤدلجين، وأجهزة المخابرات، والجيش،  واللّوبي الصهيوني المناصر لـ"إسرائيل"، وغيرها من مراكز القوى المتغلغلة في كلّ مفاصل صناعة القرار السّياسي الأميركيّ.

يُجيد أوباما في المذكرات ذكر الأمور دون إثارة زوبعات ويكتفي بتعبيره عن حزنٍ أزاء تغلغل المشاعر العنصريّة في مختلف مفاصل المجتمع الأميركي، لاسيّما داخل أوساط الطبقة العاملة البيضاء، في الوقت الذي يحاول وسمَ عداء الجمهوريّين المبدئي تجاهه بارتباطه أكثر بموقعه السّياسيّ كليبرالي تقدّمي، رغم اعتقاده أن الانتقال من عهد الرئيس الـ44 إلى عهد الرئيس الـ45. ليس الأمر من قبيل الصّدفة، فإن مجرّد حقيقة أن "رجلاً أسود بارعاً وذكياً وخالياً من الفضائح كان يسكن البيت الأبيض كافٍ لتحريك خصمه".

هي "أرض موعودة" تلك التي نحتها أوباما في (نصف) حكايته، لذلك الشطر من حياته. قد تكون مخيّبةً لآمال الجذريين ربّما، لكّن النصّ لا يبتعد عن الأناقة والرّفعة من الناحية الأدبيّة بصورةٍ تليق بذلك الرّجل الأسود الدّمث، أوّل رئيسٍ من ذوي البشرة السّمراء سكن البيت الأبيض، ولم يتوقّف يوما عن الابتسام حتى في أحلك اللّحظات.

"الأرض الموعودة" لها بُعدٌ دينيٌّ مسيحيٌّ عميقٌ ومهمّ، فاللّفظ قد جاء في سفر التثنية في العهد القديم، عن النّبي موسى -عليه السلام- وأتباعه. لكنّها عبارةٌ لها أيضاً بعدٌ عاطفيٌّ في الوجدان الأميركي عامّةً والمجتمع الذي يتحدّر من أصولٍ أفريقيّةٍ خاصّةً. فالعبارة مرتبطةٌ بواقعةٍ تاريخيّة تحديداً في الخطاب والعظة الوداعيّة الأخيرة التي ألقاها زعيم الحقوق المدنيّة القس مارتن لوثر كينغ، في كنيسةٍ بمدينة ممفيس في ولاية تينيسي.

عُرفت هذه العبارة بخطابِ "وصلت إلى قمة الجبل"، اعتبرها أتباعه استشرافاً لوداعه، خصوصاً أنّه اغتيل في اليوم التّالي. وتبقى هي "الفوضى الخلاّقة" مسألةٌ ما كان يجب تبنّيها في المقام الأوّل، إذ لا يمكن البناء عليها كما حاول أوباما فعله، فالفوضى لا يمكن أن تكون خلاّقة، وخلط الدّين بالسّياسة يولّد عنفاً وتطرّفاً وإرهابا. وعليه، ننتظر الجزء الثّاني، لنرى كيف حضر فيه أوباما مروراً بــ"أرضه الموعودة".

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد عبد الرحمن عريف

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

إقرأ للكاتب

سوريا نزفت بما يكفي بين عشرية سوداء وكلفة اقتصادية للحرب

بسبب انتشار فيروس كورونا، يشير تقرير لمنظمة "الرؤية" العالمية إلى أن ما يقارب 30% من الأطفال...

ماذا عن استراتيجيّة الأمن القومي الأميركي خارج الشواطئ؟

الوثيقة التي نشرها البيت الأبيض أخيراً، وبعد 45 يوماً من تقلّد الرئيس جو بايدن الحكم، كشفت عن...

بين محرم بلقيس ومَدْغِل الجِدْعان.. نزفت مأرب

اليوم، تنزف "مأرب"، ولا تشفع لها معالمها السياحية، بين "سد مأرب" القديم و"معبد الشمس" و"محرم...

"سنجار".. قضاء بين "مخلب نسر" و"مخلب نمر"

سيطرت قوات البشمركة ووحدات حماية الشعب الكردية (ypg)، بإسناد من القوات الأميركية، على قضاء سنجار...

هل يصبح نهر دجلة بين "فيشخابور - الكرمة" كارثة تنكأ جروح العراقيين؟

منذ العام 2017، أدى نقص المياه في العراق إلى اتخاذ إجراءات مختلفة، مثل حظر زراعة الأرز، ودفع...

المغضوب عليه من السلطات المحتلة والسّلطة.. عبد الستار قاسم

الدكتور عبد الستار الفلسطيني العربي الأصيل، الذي لطالما أتحفنا بمقالاته الثاقبة التي لا غبار...