من يُشهر البطاقة الحمراء بوجه ترامب؟

ليست هذه هي المرة الأولى التي تنسحب فيها الولايات المتحدة الأمريكية من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) منذ تأسيسها عام 1945. فقد سبق لها وأن فعلت ذلك وانسحبت من هذه المنظمة الدولية عام 1984 (تلتها بريطانيا عام 1985) وذلك احتجاجاً على ما وُصف في حينه بأنه استغلال الشيوعيين ودول العالم الثالث للمنظمة لمهاجمة الغرب.

الولايات المتحدة الأميركية انتفضت ضد "الانحياز" الممارس من قبل منظمة اليونسكو بحق إسرائيل "البريئة"

وبعد ما يزيد على ثلاثة عقود من تلك الخطوة، التي أقدمت عليها إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغن، يعيد الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب الكرَّة مرة أخرى، ولكن لسبب مختلف وهو "انحياز" منظمة اليونيسكو ضد إسرائيل.

 

الولايات المتحدة الأميركية، التي تدعي زعامة العالم الحر، انتفضت ضد "الانحياز" الممارس من قبل منظمة اليونسكو بحق إسرائيل "البريئة" التي تحتل الأراضي الفلسطينية (وأراضي دول عربية أخرى) منذ عقود طويلة، ومارست القتل الجماعي والإرهاب طيلة هذه العقود. لقد حاولت اليونسكو أن تكون منصفة بالحدود الدنيا من الانصاف ووافقت قبل ست سنوات (تشرين الأول / سبتمبر 2011) على قبول فلسطين عضواً كامل العضوية فيها، وأقرت قبل عام تقريباً (تشرين الثاني / نوفمبر 2016) بأن المسجد الأقصى هو تراث إسلامي خالص، وأدانت الحفريات التي تقوم بها سلطات الاحتلال في منطقة المسجد الأقصى الأمر الذي يشكل خطراً على سلامته ويهدد بانهيار أجزاء منه، وأعلنت عن الحرم الإبراهيمي (7/7/2017) موقعاً تراثياً فلسطينياً بعد أن حاولت إسرائيل تعطيل هذا القرار ونسب الحرم الإبراهيمي لها والسطو عليه.

 

إن هذا الموقف من الإدارة الأميركية الحالية ليس مفاجئاً. فالمعروف عن الرئيس ترامب دعمه المطلق لإسرائيل، وهو يتطلع إلى القيام بخطوات لمصلحة إسرائيل تتخوف حتى بعض الأحزاب الإسرائيلية من الإقدام عليها (عدم إقدامه على تنفيذها إلى الآن بعد مرور تسعة أشهر على دخوله للبيت الأبيض لا يعني أنه لا يمتلك رغبة جامحة للقيام بها).

 

كما أن الإعلان عن الانسحاب من اليونسكو (الذي يدخل حيز التنفيذ في كانون الأول / ديسمبر 2018) لم يأتِ من فراغ. بل هو مرحلة أخرى في مسار التدهور المتسارع الذي يميز علاقة الولايات المتحدة الأمريكية مع هذه المنظمة منذ دخول ترامب للبيت الأبيض (21 كانون الثاني / يناير 2017). وحتى أن جذور الأزمة الحالية تعود إلى عصر إدارة الرئيس باراك أوباما وذلك على خلفية رفضها لقرار اليونسكو عام 2011 (المشار إليه أعلاه) بقبول السلطة الفلسطينية كعضو كامل العضوية في هذه المنظمة الدولية (وهو الأمر الذي دفع إدارة أوباما إلى وقف تمويلها بشكل جزئي).

 

لقد أثار قرار ترامب حيال منظمة اليونسكو، الذي لا يختلف كثيراً عن النهج الذي يتبعه مع الأمم المتحدة بشكل عام (وغيرها من التكتلات الدولية مثل الناتو / حلف شمال الأطلسي ونافتا / اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية)، أثار ارتياح المسؤولين الإسرائيليين حيث سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى مباركة الخطوة الأمريكية وأصدر أوامره إلى وزارة خارجيته لاقتفاء أثر الولايات المتحدة في هذا الشأن. كما أن المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة داني دانون اعتبر أن الخطوة الأمريكية تؤذن ببداية "عصر جديد سيكون فيه ثمن للتمييز الممارس ضد إسرائيل". علاوة على أن وسائل الإعلام الإسرائيلية رأت فيه "بطاقة صفراء" لليونسكو، وللمؤسسات الدولية بشكل عام، لثنيها عن انتهاج سياسة مناهضة لإسرائيل.

 

تتمثل رسالة منظمة اليونسكو بنشر ثقافة التسامح بين الأمم والشعوب بهدف القضاء على التطرف في العالم قاطبة، وما أقدمت عليه الولايات المتحدة هو محاولة لفرض منطق وقيم الغطرسة والعنصرية والاحتلال على المجتمع الدولي عبر مختلف مؤسساته. والمطلوب الآن هو حشد الجهود الدولية لمواجهة الصلف والابتزاز الأمريكيين وإشهار "بطاقة حمراء" في وجه ترامب للجم اندفاعه المجنون ولوقف سلوك إدارته العدواني التي تقود العالم باتجاه الخراب المطلق.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
مرعي حطّيني

صحافي فلسطيني

إقرأ للكاتب

فوز جونسون فرصة اقتصادية لـ"إسرائيل"

بريطانيا هي سوق التصدير الثالث من حيث حجمه بالنسبة إلى "إسرائيل"، وستكون أمام الأخيرة فرصة...

ترامب و"متلازمة" إلداد

ربما القلّة القليلة من بين القرّاء العرب تعرف آرييه إلداد. هو ليس طفلاً مصاباً بمتلازمة من تلك...