علي شهاب

كاتب صحفي وصانع أفلام وثائقية. له العديد من المقالات في CNN بالعربية، "هافنغتون بوست"، "السفير" وغيرها.

شَرِّعوا الرشوة!

هذه الأيام، تزخر وسائل الإعلام في لبنان في الحديث عن رشوات إنتخابية عشية الاستحقاق الإنتخابي، و إن كان بيع الأصوات لقاء مبلغ زهيد من المبلغ فعل اعتيادي في التاريخ والتراث، فإن المدهش سكوت المواطنين على الرشوة العلنية التي يمارسها المرشحون من تزفيت للطرقات ودفع للمال بعنوان المساعدات والصدقات، وما إلى ذلك من أعمال خير لن ترونها في شهر رمضان نفسه.

  • المدهش سكوت المواطنين على الرشوة العلنية التي يمارسها المرشحون

تزداد الرشوة في المجتمعات التي تعاني أزمات إقتصادية في العادة، بإعتبارها أحد أوجه انتشار الفساد كنتيجة طبيعية لهذه الأزمات.

والرشوة نوعان:

  • "البرطيل": وهو المبلغ النقدي الذي يتم دفعه مباشرة لقاء صوت انتخابي، تسهيل معاملة، التغاضي عن مخالفة وغيرها من الرذائل.
  • الرشوة العينية: وهي خدمات يتم تقديمها لقاء الانتفاع بخدمة أو لقاء حاجة لدى الراشي؛ مثال : تزفيت الطرقات في موسم الإنتخابات، توزيع معونات غذائية في موسم الإنتخابات، إعطاء رخص رسمية في موسم الإنتخابات وغيرها.

وقد أبدع الفينيقون الأوائل في ممارسة الرشوة، إذ تذكر كتب التاريخ أن ملك مدينة "جبيل" أرسل موفدًا إلى فرعون مصر ينقل إليه استعداد الأول لإمداد مصر بخشب من شجر الأرز مقابل أن يُرسل فرعون بفرقة عسكرية لتأديب ملك مدينة "صور".

ولست أذكرُ سبب الخلاف بين ملكي جبيل وصور، لكني لا أستبعد أن يكون على اقتسام الكعكة..فالفينيقيون مشهورون بحب الكعك..#معروفة.

هذه الأيام، تزخر وسائل الإعلام في لبنان في الحديث عن رشوات إنتخابية عشية الاستحقاق الإنتخابي. و إن كان بيع الأصوات لقاء مبلغ زهيد من المبلغ فعل اعتيادي في التاريخ والتراث، فإن المدهش سكوت المواطنين على الرشوة العلنية التي يمارسها المرشحون من تزفيت للطرقات ودفع للمال بعنوان المساعدات والصدقات وما إلى ذلك من أعمال خير لن ترونها في شهر رمضان نفسه.

أي أن الرشوة في بلدي تنطبق عليها كامل مواصفات الجريمة بوجود راشٍ وقبول المرتشي.

والمؤسف أن الإعلام لا يبحث سوى عن رشوة المال المباشرة، في حين أن النوع الثاني من الرشوة له دلالات شديدة الخطورة نفسياً، فهو يدل أولا على أن الراشي يرفض الانصياع للقوانين ولديه شعور من الفوقية على المجتمع ككل، وأن المرتشي ضعيف الشخصية لدرجة الشعور بالدونية.

ثم إن كلمة "الدولة" وعبارة "مكافحة الفساد" الأكثر استخداماً في خطابات المرشحين، حتى تصاب بالذهول وأنت تتساءل: حسنا إذا كانوا جميعهم ضد الفساد فمن الفاسد؟!

بلا طول سيرة، نحن أمام ظاهرة تشبه إلى حد كبير ملف "الحشيشة" في لبنان، بين من يطالب بتشريع زراعتها لـ"نوايا حسنة" وبين آخر يطالب بتشريعها لاعتبارات "تحشيشية" خالصة.

بناءً عليه، فإنني أدعو من على هذا المنبر إلى تشريع الرشوة الإنتخابية وتطوير أساليبها وعدم حصرها بالاستحقاق الانتخابي فقط..فلننعش اقتصاد البلد بتكافلنا في الإفساد...شرعوا الحشيشة..وشرعوا الرشوة. "والله لنكيّف"!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً