الثقافة المستهلَكة وخطرها على المعرفة

الأمر الذي بات يدعو للقلق جدياً في أيامنا هذه، بأننا بتنا نُعايش ثقافة، هي أكثر استهلاكاً من أي وقت مضى. وأكاد أقول بأنني أتحدّث عن ثقافة "الإنترنت" عموماً، ولكن لكي أكون أكثر تحديداً؛ أقول بأنني أعني "وسائل التواصل الاجتماعي".

لا شك بأن عَجَلة تطوّر الأشياء سوف تبقى تسير قُدُماً، حاملة لنا ولغيرنا الحسَن والقبيح، شئنا أم أبينا

في نهايات القرن المُنصرِم، كان يتم الحديث عمّن كانت تقتصر ثقافتهم على الصحف اليومية، بوصفها ثقافة مُستَهلَكة، إذ أنها أشبه "بالوجبات السريعة" لمن ليس لديهم الوقت، لطهي الطعام، أو ربما لمضغه ولاستقلابه. فيكتفون بوجبات خفيفة جاهزة، قد تم طهيها، أو حتى مضغها وهَضْم جزء منها سلفاً. وبذلك فإن تناول تلك الوجبات، لا يتطلّب الكثير من الوقت أو العناء، ولكنه بالمقابل، ليس فيه الكثير من المتعة أو الفائدة.

ولكي يكون التناول للفكرة واضحاً، فنحن لا ننتقد أو نقلّل من شأن قراءة الصحف اليومية، وإنما نتحدّث عمّن تقتصر موارد ثقافتهم عليها، من دون سواها، كالكتب مثلاً. ومع ذلك، فإن هذا ليس بالأمر السيّىء كلياً. فليس جميع الناس لديهم الوقت أو ربما الميل، لكي يقرؤوا الكتب وليغوصوا في بطونها، فيكتفون بمطالعة الصحف ويستقون معارفهم من خلالها. وهكذا فإن قراءة الصحف، خير من عَدَم قراءة أي شيء.

ولكن الأمر الذي بات يدعو للقلق جدياً في أيامنا هذه، بأننا بتنا نُعايش ثقافة، هي أكثر استهلاكاً من أي وقت مضى. وأكاد أقول بأنني أتحدّث عن ثقافة "الإنترنت" عموماً، ولكن لكي أكون أكثر تحديداً؛ أقول بأنني أعني "وسائل التواصل الاجتماعي".

أما الإنترنت، فلا أحد يستطيع الادّعاء، أن بإمكانه الاستغناء عن خدمات تلك الشبكة، ولا أحد كذلك، يستطيع أن ينكر تلك التسهيلات الرائعة التي تقدّمها لنا. حيث أصبحت شاشة صغيرة أمامنا، تختزل العالم وتجعله مُتاحاً بين أيدينا، بكل ما فيه من خدمات وتكنولوجيا اتصالات ومعارف وكتب وصحف ومواد مسموعة ومرئية، وما إلى ذلك. ولكن الخطورة تكمُن، في أن دسّ السمّ في الدَسَم وخلط الغثّ مع السمين، بات أكثر سهولة بكثير في عصر الإنترنت. ذلك أن تزوير الكثير من الأحداث والحقائق والمعارف صار أمراً مُتاحاً، ولا يتطلّب الكثير من الجهد، مقارنة بالماضي. فالشبكة العنكبوتية أصبحت هي "المرجعية" الأساسية لعامة الناس، ولاسيما عند البحث عن الكثير من الحقائق، أو عند محاولة إثبات تلك الحقائق أو نفيها.

ولكن ماذا لو قامت جهة، أو جهات ما، بعمل مُكثّف ومُحترِف ومقصود على شبكة الإنترنت، بغية تشويه صورة رموزنا التاريخية أو رموزنا الثقافية والسياسية والدينية؟ وماذا لو حاولوا القيام بعملية تشويش أو خلط، لنَسَب ما قاله الفلاسفة والشعراء والأدباء، بحيث تضيع الأنساب حول من قال ماذا وما تم قوله؟ أو ماذا لو حاولوا تحريف الكتب المقدّسة، أو حتى تزوير أحداث ومسلّمات التاريخ، عبر جهد دؤوب ومُمنهَج؟ فهل هناك إمكانية لأن يفلحوا بذلك؟

أعتقد، بل أكاد أجزم بأن الجواب هو نعم، ولو بشك نسبي، والمسألة هي مسألة وقت وجهد، ليس أكثر. ولكن ألم يحدث ذلك بعد، بشكل أو بآخر؟

ذلك أن مُتصفّح الإنترنت يعتمد عادة النتائج الأكثر توفراً وتطابقاً على الشبكة، كمرجع أكيد يمكن الوثوق به بسريرة مُطمئنة. أما عن العودة إلى النُسَخ الورقية من كتابٍ ما، أو إلى أصل المصدر كمرجعية آمنة، فذلك أمر قد عفا عليه الزمن إلى حد بعيد، ولم يعد يستعمله إلا القلّة، لأن ذلك يتطلّب الكثير من الوقت والجهد.

مما لا شك فيه، بأن التزوير وبثّ الأكاذيب يمكن أن يحصل عبر الكثير من الوسائل، بما في ذلك المرجعيات الورقية، ولكن ذلك يتطلّب جهداً أكبر ووقتاً أطول بكثير، مُقارنةً بوسائل التكنولوجيا الحديثة، والتي تتربّع القنوات الفضائية التلفزيونية في صَدارتها، وهذا بحث آخر، حتى ولو كانت تجمعه صلة رحم، مع بحثنا هذا.

ولكن السؤال الأكثر أهمية وإلحاحاً هو: أليس هناك من هم مهتمّون فعلياً بذلك، وهم في الوقت نفسه يمتلكون المقدرة والوسائل الكافية، بغية تزوير الكثير من الوقائع والمُسلّمات والحقائق، عبر وسائل شتى؟ وألم يفلحوا إلى درجةٍ كبيرةٍ ؟ لا شك بأن الجواب سيكون بالإيجاب، وإلى درجة تراجيدية وفاضِحة.

فلنعود هنا إلى الحديث عن "وسائل التواصل الاجتماعي" حيث أن تلك النوافذ المفتوحة على جميع جهات الأرض، أصبحت تتدفّق كطوفانٍ جارفٍ، قد انفلت ليكسر ويعبر جميع الحواجز والحدود، بلا رقيب حقيقي أو حسيب أو مرجعية آمنة. وحيث أن تلك النوافذ، هي في الحقيقة، ليست مجرّد وسيلة للترفيه فحسب، ولا هي مجرّد وسيلة للحصول على الخبر فقط، وإنما أصبحت "وسائل التواصل الاجتماعي" أيضاً، وسيلة ومصدراً أساسياً لاستقاء وتحصيل "المعرفة" لدى شريحة كبيرة من البشر، وهنا تكمن الطامّة الكبرى. ذلك أن تراكم تلك المعارف "المُستَهلَكة" والتي تفتقد في أحيانٍ كثيرة، إلى المصداقية أو القيمة، سوف يؤدّي ذلك التراكُم إلى ترسيخها، بل وحتى إلى تكلّسها، في عقول لا تتمتّع دائماً بالديناميكية الكافية.

وفي محاولة القيام برَصْد بسيط لذلك، أسوق الأمثلة التالية:

أذكر ذات مرة، بأنني كنت أجلس ضمن مجموعة، مع سيّدة بالِغة، راشِدة، عاقِلة. وكانت تلك السيّدة مُسترسِلة في سرد حديث، عن زمننا وعجائبه، إلى أن أتبعتْ بأنه حتى الشمس سوف تبدأ بالشروق من الغرب. ولما أبديتُ دهشتي مما سمعت، أقسمت السيّدة بأنها قرأت الخبر على "الفيس بوك"!

أدخلُ صفحة على "الفيس بوك" لديها كمّ كبير من المتابعين، فأقرأ منشوراً يؤكّد بالحقائق العلمية وبالبراهين المنطقية، وقبل كل هذا بالأدلّة الدينية، بأن وصول الإنسان إلى القمر هو مجرّد كذبة كبرى، وبأن ذلك هو في سياق المؤامرة على ديننا وعلينا. مع صورة تقترن بالمنشور، يظهر فيها العلم الأميركي وهو يرفرف فوق القمر، ولكن كيف للعَلَم أن يرفرف وليس هناك هواء على القمر!

أما الأسوأ من ذلك، أن يتم إضافتك إلى مجموعة عنوانها (الحوار والتسامُح بين الديانات) مع صورة خلفيّة، عليها الصليب والهلال والنجمة السُداسية، وعندما تبدأ بقراءة المنشورات التي عليها كمّ كبير من الإعجابات والتفاعُل، تجد أن جميع تلك المنشورات تقريباً، تدور حول شيطنة طائفة مسلمة بعينها! ومن العجب كل العجب، بأن هناك مَن لم يتلقّف فحوى الخطر الداهِم في هذه المرحلة؛ بأن "المذهبية" هي السكين الأكثر قرباً من رقابنا، في واقعنا هذا.

أما عن نظرية المؤامرة، فنحن أمّة قد عايشت ما يكفي من الأزمات والصفعات والهزائم، ووصلت إلى درجةٍ كافيةٍ من الإحباط واليأس، لكي نعتقد بأننا نمتلك الحقيقة وحدنا، ولذلك فإن العالم بأسره يحسدنا، أو أن الآخر بكل قباحته، يتآمر ضدنا وضد ديننا، أو ضد "مذهبنا"

في الحقيقة، لا يمكننا أن ننفي أو نتجاهل، بأن هناك مؤامرة كبرى ضد أمّتنا، وخير مثال على ذلك، هو الطريقة التي تم فيها استغلال بؤسنا، بحيث تحوّل ربيعنا العربي إلى جحيم. أما عن المفهوم الشائع للمؤامرة لدى العامة، فهو أشبه بحق يُراد به باطل. أي أن المؤامرة هي ليست بأية حال ضد ديننا، وإنما العكس. ذلك أنه بات واضحاً، بأن المطلوب هو تعزيز ذلك الدين إلى درجة التطرّف والمُغالاة والعماء، عبر إخراج مفهوم الدين من سياقه الروحي، وجعله موظّفاً لخدمة الغرائز أو تحويله إلى أفيون لتخدير المخاوف. ومَن يستطيع أن ينكر الخدمات الهائلة التي قدّمتها الأصولية الإسلامية لألدّ أعدائنا، في سنوات الربيع العربي المُنصرِمة، وكذلك مَن يستطيع أن يتجاهل دور "الثقافة المُستهلَكة" في نشر ثقافة الكراهية والطائفية والمذهبية والتفرقة، خلال سنوات ذلك الربيع! حتى أن المفاهيم المقلوبة والحقائق المغلوطة والمعارف الزائِفة، باتت تنتشر بيننا، كما تنتشر النار في الهشيم… ولكن ما الحل؟

لا شك بأن عَجَلة تطوّر الأشياء سوف تبقى تسير قُدُماً، حاملة لنا ولغيرنا الحسَن والقبيح، شئنا أم أبينا، وليس من الحكمة أو من الممكن، أن نحاول وقف تلك العَجَلة. ذلك أن دورانها، هو ليس بالأمر السلبي ولا الإيجابي، وإنما هو أمر طبيعي وحتمي. ولكن من الأهمية بمكان، إيجاد وسيلة لمحاولة تحصين وعي الجماعة ضد "إنفلونزا المعلومات المُنفلتة" حتى ولو في المدارس والجامعات. وبذلك فإنه لا مناص لنا، من أن ندرك ونعي، وأن نساعد العامة كذلك لكي تدرك وتعي، بأن تحصيل أي نوع من المعرفة، أو حتى تحصيل الخبر، هو أمر يحتاج إلى البحث والجهد والصبر، وبأنه من السذاجة أن نترك أبواب وعينا و"لاوعينا" مفتوحة، لتدفّق المعلومات والمعارف، واعتبارها عناصر بريئة، لمجرّد أنها برّاقة، أو التعامُل معها بأنها نوع من المُسلّمات، لمجرّد أنها تأتينا عبر وسائل التكنولوجية الحديثة. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
أحمد دلول

كاتب فلسطيني في الدنمارك

إقرأ للكاتب

الاعتداء على المُقدّسات في الغرب بدعوى حرية التعبير عن الرأي

في ذلك الريف الأوروبي الهادئ والجميل (اسكندنافيا) وتحديداً في مملكة الدنمارك، قد ترتقي مرتبة...