عبد السلام هرشي

كاتب وصحافي تونسي

إتحاد الشغل والحكومة في تونس

يُثير  إضراب إتحاد الشغل مرة أخرى الجدل حول علاقة الحكومة التونسية بصندوق النقد الدولي، فبين شق يقوده الفريق الحكومي و بعض الخبراء ينادي بالاصطفاف وراء الحكومة و بإتفاقية القرض الممدّد و احترام الاتفاقيات التي تم إمضاؤها مع الصندوق، وشق آخر ينادي بالقطيعة مع هذه المؤسّسة و إلغاء الاتفاق، يغيب  الصوت المنادي بالتوازن بين مبدأ استقلالية القرار الاقتصادي وإكراهات الواقع وبصفة خاصة إنعكاسات الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها بلادنا والسياسات الخاطئة للسابقين والتي خيّرت التداين الخارجي.

يُثير  إضراب إتحاد الشغل مرة أخرى الجدل حول علاقة الحكومة التونسية بصندوق النقد الدولي
يُثير  إضراب إتحاد الشغل مرة أخرى الجدل حول علاقة الحكومة التونسية بصندوق النقد الدولي

محطات تاريخية كبيرة مر بها الإتحاد العام التونسي للشغل في تونس في سياق تاريخه الطويل قاربت بين واجبه الاجتماعي تجاه الطبقة الشغيلة وواجبه الوطني تجاه تونس بدءاً من النضال لمقاومة الاستعمار، وصولاً إلى تجنيد قواعده في التحرّكات الشعبية لمساندة التظاهرات المنادية بالكرامة و الحرية و التي عمّت تونس نهاية العام 2010 وبداية العام 2011. لكن مرحلة ما بعد 14 جانفي تختلف عن سابقاتها بعد أن دخلت تونس بداية من 2011 في نفق أزمة إقتصادية وسياسية أضرّت بالطبقة المتوسّطة ووضع البلاد عموماً ، ما دفع بإتحاد الشغل إلى الدخول في أشكال نظالية مُتعدّدة تعدّدت بين التحرّكات السلمية والدخول في مفاوضات عديدة للزيادة في أجور الوظيفة العمومية ، وإعلان الإضرابات  من إضراب 8 فيفري شباط سنة 2013 الذي دعا إليه الاتحاد عقب إغتيال الشهيد شكري بالعيد ، إلى إضراب 26 جويلية يوليو 2013 عقب إغتيال الشهيد محمّد البراهمي ، هذا إلى جانب عدد من الإضرابات التي تم إلغاؤها في اللحظات الأخيرة عقب الوصول إلى إتفاقات مع الطرف الحكومي. لكن الإضراب الذي تم تنفيذه يوم 22 نوفمبر 2018 يختلف عن سابقيه، إضرب يأتي على خلفية رفض الحكومة الزيادة في الأجور  وذلك بعد ضغط كبير من صندوق النقد الدولي. تتعمّق أسباب هذا الرفض أكثر فأكثر لتمسّ السيادة الوطنية ما دفع باتحاد الشغل إلى الإعلان عن إضراب ثان يوم 17 جانفي  ينياير 2019.

بعد يومين من الإضراب الذي تم تنفيذه يوم 22 من تشرين الثاني/نوفمبر 2018 والذي تجاوزت نسبة نجاحه 90 بالمائة، أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل عن برمَجة إضراب ثان يوم 17 من جانفي 2018 يضمّ أعوان الوظيفة العمومية و المؤسّسات و الدواوين العمومية ، سمير الشفي الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل أكّد في تصريحه للميادين نت إن هذا الإجراء يأتي في ظلّ غياب التفاوص مع الحكومة و أضاف " عدد من الأسباب العميقة  والمتداخِلة جعلت الاتحاد يقرّر الإضراب أهمها الارتفاع الجنوني للأسعار  و الإجراءات اللاشعبية التي تقوم بها الحكومة  و التي تهدّد القدرة الشرائية للموظّفين ".

غالبية الموظفين ينتمون إلى الطبقة المتوسّطة  في تونس  والتي كانت نسبتها من إجمالي عدد السكان ما يُقارب 83 بالمائة ، و أما النسبة الباقية فتنقسم بين أثرياء  وفقراء جداً  وكان سلّم الطبقات في تونس ينقسم بين أثرياء وطبقة وسطى و معوزين. و لطالما  كانت الطبقة المتوسّطة هي أساس السلم الاجتماعي، لكن أرقام المعهد الوطني للإحصاء المفزعة أتت لتربك هذا السلم بعدما أعلن المعهد عن أن عدد الفقراء في تونس تجاوز 1.7 مليون نسمة، منهم 300 ألف يعيشون في فقر مُدقع  وبذلك أصبح سلّم الطبقات في تونس ينقسم بين أثرياء جداً و أثرياء و طبقة معوزة.

لكن هذه الدوافع لم تكن الوحيدة التي دفعت الاتحاد إلى إعلان الإضراب الأول  و برمجة الإضراب الثاني ، يقول الشفي إن  ما حال دون إنجاز مفاوضات متوازنة و جدّية هو تدخّل طرف أجنبي في شأن داخلي "لقد رفع صندوق النقد الدولي الفيتو في وجه الحكومة التونسية  بعدم إنصاف الموظفين العموميين، و هذا الأمر يمسّ من سيادة الدولة التونسية واستقلال القرار الوطني". في هذا السياق فقد أشار الأمين العام لاتحاد الشغل نورالدين الطبوبي إن الحكومة غير  قادرة على الدخول  في مفاوضات الترفيع في الأجور نظراً لرفض مؤسّسة بريتون وودز هذا المقترح بعد الالتزام الذي أخذته بلادنا عند إمضاء إتفاقية القرض الممدّد في ماي 2016 بين  حكومة الحبيب آنذاك  والمؤسّسة الدولية . و يتمثل هذا الالتزام  في الخفض في كتلة الأجور بطريقةٍ مستمرةٍ لتصل إلى 12 بالمائة سنة 2020، و يبدو هذا المستوى بعيد المنال و صعب التحقيق باعتبار هذا المستوى وصل هذه السنة إلى 16 مليار دينار  في قانون المالية لسنة 2018 و يمثل بالتالي 15.2 بالمائة من الناتج الداخلي الخام. و بحسب قانون المالية لسنة 2019 و من دون اعتبار أية زيادة للأجور ستكون كتلة الأجور سنة 2019 في مستوى 16.5 مليار دينار أي ما يعادل 14.1 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، ما يعني أن هذه الكتلة ستبدأ في التراجع في السنة المقبلة لكن رغم ذلك لا يمكن للحكومة بلوغ الأهداف، ما يجعل الأهداف المرسومة لسنة 2020 مستحيلة التحقيق. و قال الأمين العام لاتحاد الشغل إن رئيس الحكومة أكّد له في اجتماعه أنه أوفد وزيراً إلى مقرّ الصندوق في واشنطن لطرح الإمكانية في زيادة الأجور، إلا أن ردّ مسؤولي المؤسّسة كان بالرفض  وهو ما يُعيد الجدل قائماً حول علاقة الصندوق بالدولة التونسية.

وبعد تجاهل رئيس الحكومة لإضراب اتحاد في كلمته التي ألقاها في مجلس النواب خلال جلسة تقديم قانون المالية لسنة 2019 ، وجد الشاهد نفسه مُرغماً على الرد على تساؤلات النواب  حول الإضراب حيث أكّد أنه عندما كان بإمكان الحكومة الزيادة في أجور القطاع العام وقّعت إتفاقاً تم بموجبه إلغاء الإضراب العام، لكن في ما يتعلّق بأجور الوظيفة العمومية فإن الحكومة ستعود إلى المفاوضات "سنعود لاستئناف جلسات التفاوض لأن التفاوض هو خيار الجميع لإيجاد الحلول لجميع المشاكل بعيداً عن كل الإملاءات مهما كانت  مصادرها، وهذا لن يتم إلا بالحوار والتفاوض الجدّي الذي يفرض الصدق و الصراحة"، في ظلّ غياب تصريح أو بيان رسمي من الحكومة تبقى كلمات رئيس الحكومة الرد اليتيم على تحرّكات الاتحاد الأخيرة، وتبقى الحكومة في موقف صعب بين شروط صندوق النقد الدولي و مطالب الاتحاد العام التونسي للشغل.

يُثير  إضراب إتحاد الشغل مرة أخرى الجدل حول علاقة الحكومة التونسية بصندوق النقد الدولي، فبين شق يقوده الفريق الحكومي و بعض الخبراء ينادي بالاصطفاف وراء الحكومة و بإتفاقية القرض الممدّد و احترام الاتفاقيات التي تم إمضاؤها مع الصندوق، وشق آخر ينادي بالقطيعة مع هذه المؤسّسة و إلغاء الاتفاق، يغيب  الصوت المنادي بالتوازن بين مبدأ استقلالية القرار الاقتصادي وإكراهات الواقع وبصفة خاصة إنعكاسات الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها بلادنا والسياسات الخاطئة للسابقين والتي خيّرت التداين الخارجي.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً