بثينة شعبان

مفكرة عربية

أولي الأمر

الحلّ اليوم الذي لا بدّ منه في وطننا العربي على وجه الخصوص بمختلف أقطاره هو أن نعيد التفكير ملياً في أسلوب وأدوات عملنا، وفي النتائج التي أفضى إليها هذا الأسلوب وهذه الأدوات، وأن نسال بكل جرأة وصدقية: هل نحن على الطريق الصحيح، أم هناك الكثير من المفاهيم والأساليب التي تحتاج إلى تنقية حقيقية وتغيير وجهة؟

  • أولي الأمر

حين أمرنا الله عزّ وجل بإطاعة الله وإطاعة الرسول وأولي الأمر، ذلك لأن التعريف المتضمن لأولي الأمر يقترب في صدقه وحرصه ونزاهة رسالته من التعريف الحقيقي للأنبياء والصدّيقين. ذلك لأن المفهوم هو أن أولي الأمر هم من يتولّون شؤون الرعية ويبذلون وقتهم وجهدهم وعلمهم وحياتهم في خدمة الناس، غير طامعين بأجر أو مقابل سوى أداء المهمة على أكمل وجه ورضى الله والرعية عنهم. في هذا التعريف لأولي الأمر تقاطع حقيقي وأكيد مع أصحاب السياسات الشفافة الحريصين على الناس، الناذرين أنفسهم فقط للخدمة العامة وتحسين أحوال البلاد والعباد. والمكافأة لهؤلاء في الدنيا هي سيرتهم الحميدة التي يورثونها لأولادهم وأحفادهم، والتي تصبح أغلى ما يملكون وتبقى عزهم وكرامتهم بين الناس لعقود بعد انقضاء حياتهم ومواراتهم الثرى، ولذلك ومع كل رحمة على من توفّاه الله يقول الأقدمون: “هنيئاً لصاحب الذكر الحميد"، لأننا في هذه الدنيا عابرون جداً، وكلّ ما تبقى للأحباب والأهل هو هذا الذكر الحميد، الذي في الحقيقة والواقع لا يُقدّر بثمن. وإذا ما أردنا اليوم أن نحلّل وضع الشعوب الهائمة على وجهها في بلدان مختلفة، والأسباب الحقيقية لمختلف أوجه معاناتها، نتوصل بالتأكيد إلى الاستنتاج أن هناك فراغاً ما ونقصاً لم يملَأْه أولو الأمر برغم ادعاءاتهم بعكس ذلك. وهنا تكمن المشكلة الأكبر وهي أننا في التحليل والدراسة المعمّقة لأوضاع الشعوب علينا أن نحلّل الواقع وعوامله ومظاهره وتطوراته، لا أن نستند إلى ما يقال، بل إلى ما يجري فعله وتنفيذه ومتابعته وتطويره على أرض الواقع.
وصلتنا قصص جميلة عن أولي أمر اضطروا في ختام حياتهم إلى أن يبيعوا سجاد البيت لكي ينفقوا على أدويتهم برغم أنهم شغلوا مناصب عامة ذات ميزانيات ضخمة، وقد سمعت هذه القصة شخصياُ من المرحومة سلمى الحفار، ابنة لطفي الحفار، الذي حاول الفرنسيون إغراءه بما يريد ويشتهي كي يتحكموا في مياه نبع الفيجة، لكنه رفض رفضاً قاطعاً وعمل على إيصال مياه الفيجة إلى دمشق، وعلى إبقاء مؤسسة مياه عين الفيجة مؤسسة أهلية يتشارك ملكيتها أهالي دمشق، وهي ما زالت كذلك حتّى اليوم. وحين عثر في بيته القديم في الميدان على بحرة جميلة نتيجة حفريات نقلها ووضعها في صالة عين الفيجة، وهي ما زالت هناك شاهدة على أنّ لطفي الحفار عدّ مبنى الفيجة أهم من بيته، وورّثها للأجيال التي تزور ذلك المبنى العريق الجميل في شارع النصر في دمشق، ولكنه حين كبر اضطر إلى بيع ثلاث سجادات لكي ينفق على دوائه. وفي أقطار مختلفة نسمع قصص الأولين الذين وهبوا حياتهم وجهودهم فعلاً للخدمة العامة، وأورثوا أولادهم وأحفادهم شرف الأسماء التي حملوها والأعمال الجليلة التي نفّذوها. ولكن الاحتلال العثماني لبلداننا وعلى مدى أربعة قرون بذل كلّ ما في وسعه لإفساد العباد والبلاد، وحارب فكرة الإخلاص للدولة والعمل العام، وبذر بذور الفساد والرشوة والتقاعس، بحيث أصبح أولو الأمر حفنة من المتواطئين معه على حساب مصلحة بلادهم والمستفيدين من هباته وعطاءاته على حساب البلاد والعباد. وفي وقت أحدثْ عمل الاحتلال الأميركي في العراق وفق المنهج ذاته فنشر بذور الفساد وقرّب حفنة من الذين يرغبون في تحقيق مكاسب شخصية لأنفسهم وأهليهم على حساب المصلحة العامة، التي من المفترض أنهم يمثلونها. واختلطت هذه الفكرة والأسلوب بأفكار لا تقلّ خطورة، وهي أن المحتلّ الغربي الذي سوف يهبنا في الوقت المناسب بعضاً من حضارته وأسلوب حكمه، يدّعي أنه يتسم بالعدل والنزاهة ويعمل على إرساء أسس التقدم والازدهار لجميع رعاياه.
وبين هذا وذاك شاب الغموض والتشويه مفاهيم الحكم وموجباته على أولي الأمر أولاً، وعلى البريّة ثانياً؛ فلا نحن عدنا إلى الأصول في ما أملاه علينا ديننا وثقافتنا وحضارتنا في أوقات ألقها وازدهارها، ولا نحن فرزنا الغث من السمين في كل ما استقدمه محتلون وطامعون وأُدخل على ثقافتنا وأصبح جزءاً منها ينتظر من يمتلك الجرأة والصدق والصبر ليعيد تنقية المفاهيم من شوائبها، ووضع القواعد التي يبنى عليها حتى وإن استغرقت وقتاً حتى تثمر وتُؤتي أكلها.
لا شك أن مثل هذه المهمة الصعبة والمعقدة تحتاج إلى نخب تعي أبعادها أولاً، وقادرة على تفكيك كل رموزها ومرتسماتها ووضع البدائل السليمة والفعالة بأسلوب سهل وقابل للفهم. ولكن المشكلة الأخرى التي يواجهها الناس في معظم أقطارهم في العالم العربي والغربي هي إما غياب النخب، أو استغراق هذه النخب في مصالحها الخاصة وعدم الاكتراث بالشأن العام ومتطلبات هذا الشأن، التي تحتاج إلى قناعة وإدراك عميقين وصبر وجلد ودأب بحيث أصبحت الانتهازية سيدة الموقف، وتدريجياً تقبّل الناس فكرة تكديس ثروات لدى أصحاب الشأن العام من دون أن يسال أحد "من أين لك هذا"، بل وصلت المسألة، في العالم العربي، وخصوصاً في مختلف أقطاره، إلى شبه استنكار لمن أمضى في الخدمة العامة عقوداً من عمره من دون أن يتمكّن من الانضمام إلى الطبقة المترفة، التي تعدّ نفسها اليوم أنها هي النخبة لأنها هي صاحبة النفوذ والآمرة الناهية في مسائل متعددة تتعلق بشؤون البلاد. أي إنه إلى حدّ ما جرى استبدال النخب الفكرية ذات القضية، سواء أكانت هذه القضية فكرية أم خدمية أم سياسية، بشبكات عدّت نفسها هي النخب البديلة، وهي لا تعمل شيئاً سوى تحقيق مصالحها ومصالح من ينتمون إلى هذه الشبكات فقط باعتبارهم المعنيين بتسيير الأمور. كما أن هذه النخب البديلة وبعدما استمتعت بالسلطة والمال تعمل على إزاحة أي عنصر ينتمي إلى النخب الحقيقية الحريصة فعلاً على الشأن العام، والمستعدة للتضحية في سبيله باعتبار أن هذا المفهوم وهذه الأخلاق قد غرست في ضميرها ووجدانها منذ الصغر، وما زالت هناك فئة وإن كانت قليلة جداً تقدّر مثل هذا الانتماء ومثل هذه التضحيات.
الحلّ اليوم الذي لا بدّ منه في وطننا العربي على وجه الخصوص بمختلف أقطاره هو أن نعيد التفكير ملياً في أسلوب وأدوات عملنا، وفي النتائج التي أفضى إليها هذا الأسلوب وهذه الأدوات، وأن نسال بكل جرأة وصدقية: هل نحن على الطريق الصحيح، أم هناك الكثير من المفاهيم والأساليب التي تحتاج إلى تنقية حقيقية وتغيير وجهة؟ قبل أن نستمر في السير ونسرّع الخطى ونتوهم أننا سوف نصل إلى مآلنا. المرحلة اليوم تتطلب التفكير المعمّق في مناهجنا التربوية والتعليمية أولاً، وفي القيم السياسية والثقافية والمجتمعية التي تسود مجتمعاتنا، وأن نسأل: هل هذه هي المناهج والقيم المؤهّلة لكي تكون سلاحاً حقيقياً بأيدي الأجيال المقبلة لتوصلها إلى برّ الأمان؟ أم أننا بحاجة إلى اجتراح مفاهيم وأساليب وقيم تنقض كل ما أوصل مجتمعاتنا إلى هذا الضياع، وتعيد الأمور إلى نصابها السليم، ونبدأ ولو متأخرين، ولكن بداية سليمة واثقة تدرك الهدف جيداً وترسم الخطوات الصحيحة والواثقة، التي تُمكّن فعلاً من بلوغ هذا الهدف. المهمة صعبة ولكنها ليست مستحيلة وما زالت مؤجلة منذ عقود، وما زال العرب في مختلف أقطارهم يحاولون التعايش مع واقع صعب غير منتج يشوبه قدر كبير من الخلل. حان الوقت للاعتراف بأن هذا الطريق لا يوصل أجيالنا المستقبلية إلى برّ الأمان، ولذلك فإنهم اتخذوا من الهجرة سبيلاً وحيداً لتحقيق آمالهم ومستقبلهم، وحتى لتحقيق ذاتهم في العلم والعمل. لا بد أن نعيد تعريف أهدافنا الوطنية فعلاً والنابعة أولاً وأخيراً من مصلحة بلداننا وأمتنا، وأن نستلهم من المضيء من ثقافتنا وتاريخنا سبل تحقيق هذه الأهداف، بعيداً من الامتثال للأفكار المندسّة إلينا على يد المحتلين والطامعين والمستهينين بنا وبأمتنا منذ قرون، وبعيداً عمّن لا يرون في المرآة سوى ذاتهم المتضخمة، التي تطغى على صورة العباد والبلاد في أعمالهم وضمائرهم.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً