سيكولوجيا الجنود... قراءة عابرة في خاطر سليماني

يكتب سليماني في مذكراته "لقد طلبت من الله الشهادة"، فبعد وفاة قاسم مير حسيني، تراكمت الجثث في ذاكرة سليماني، لقد عبر الموت بتكرار لا يطاق، وحمل معه الكثيرين.

  • سيكولوجيا الجنود... قراءة عابرة في خاطر سليماني (أ ف ب).

قد تكون الكتابة الأكثر إغراءً بعد حادثة بحجم استشهاد الجنرال قاسم سليماني، هي الحديث في السياسة، والردود المتوقعة، ومصير المنطقة، والحرب المنتظرة، وعواقب الحادثة وارتداداتها في الداخل والخارج، على إيران ومؤسستها العسكرية، على الولايات المتحدة الأميركية وقواعدها الرابضة في البحر والصحراء؛ وهذا ما حدث حقاً، إلى حد إشباع شهية الإعلام الحديث. ولكن ثمة ما يستحق الكتابة فيه وعنه، فبعد أن قتلت آلة ذكية رجلاً فاق مصمّميها ذكاءً، فمن المجدي كذلك، أن نقرأ خاطره، وخاطره الإنساني والوجداني الروحي بالتحديد.

نشرت دار المعارف اللبنانية قبل عامين، جزءاً من مذكرات الشهيد قاسم سليماني، وكانت تتحدث في المقام الأول عن أحداث الدفاع المقدس، التي صقلت التجربة العسكرية الأولى للشهيد، والتي راكم خلالها وبعدها خبراته في المجالات العسكرية، وكرّسها لاحقاً في خدمة المشروع المقاوم في المنطقة.

يمكن القول إن الشهيد سليماني، كان من اللاعبين الرئيسيين، الذين تصدّوا لموجة الردة والنكوص، بعد تدحرج اتفاقيات السلام مع الكيان الصهيوني، وهرولة الأنظمة العربية للتطبيع العلني. لقد كان واحداً ممن بثّوا الدماء مجدداً في شرايين مقاومة مشروع الهيمنة، فكان له من اسم فيلقه نصيب؛ القدس!  

إن ما رواه من سرديات وأحداث وعمليات عسكرية في مذكراته ينطوي على جانبين في غاية الأهمية، الأول يتمثل في ذهنية دفاعية محضة (ولا أقصد هنا الجوهر العسكري، وإنما الحقوقي)، وهذا ما يشبه سياسة بلده اليوم إلى حد كبير، والثاني أن سرديات الدفاع المقدس في الحرب، لا تحمل أيّ ضغينة على البلد الذي دافع عنه بعد عقود، واستشهد فيه، متحدّياً عدوان القوة الأكبر في العالم.

عام 1932م، أدار المركز الثقافي الفرنسي حواراً بين رائد مدرسة التحليل النفسي، سيغموند فرويد، والعالم الفيزيائي الكبير، ألبرت آينشتاين، وكان الحوار يدور حول الحرب والموت، ومن ذلك سيكولوجيا الجنود؛ ما هي القوة التي تحمل الجندي على القتال في ساحات مشبعة بهذا القدر الهائل من احتمالات الموت، ما هي القوة أو التعبئة الأيديولوجية أو العقائدية القادرة على حمل معنويات المقاتلين؟  

إن الجندي الأميركي لم يُجهَّز بهذه التعبئة الأيديولوجية، وهذا ما تخشاه غالباً الإدارة العسكرية الأميركية من خوض المعارك البرية، فالمال وحده والرواتب العالية لا يقوَيان على هذا القدر من التعبئة، كما أن الحجج غير المنطقية في بناء "فلسفة حق" للعدوان من غرب الكوكب إلى شرقه لا تقدم الدعم الكافي للتعبئة المطلوبة.  

لذلك لا يجرؤ غالباً الجندي الأميركي (الموظف مدفوع الأجر) على الخروج من غطاء التكنولوجيا، التي كثيراً ما تخوض الحرب نيابة عنه، أو أنها تحجب عنه الاتصال بمعنى الموت. إنه يبقى عرضة لحالتين لا تنفع جيشاً، إما السؤال التاريخي للحركة السوريالية (لأجل من نحارب، ولماذا؟)، أو الإصابة بالعصاب النفسي (على شاكلة الجنود الأميركيين في سجن أبو غريب).

عندما تطأ أقدام اليانكي أرض الشرق، غالباً ما تصيبه الدهشة، فهو – في أحسن الأحوال ـــ يرى مصداق الجنرال العسكري على شاكلة آيزنهاور أو رومل، ولكنه يُفاجأ بنموذج القائد العسكري الذي يرفع يديه إلى السماء ويقف للصلاة (الشهيد سليماني أعني).

في الفيلم الوثائقي "حرب فيتنام" (The Vietnam war) يوثق المخرج كين بيرنز شهادات لضباط في الجيش الأميركي نجوا من حرب فيتنام ولقاءات مع أهالي القتلى أيضاً، يعبّر أحد الضباط عن رغبته في خوض معركة واحدة، وتحت إمرته 200 مقاتل، ولكن ليس من عناصر الجيش الأميركي، وإنما من عناصر الفايتكونغ.

إن التعبئة المعنوية التي امتلكها الفايتكونغ، وتلك التي تمتلكها فصائل المقاومة الفلسطينية، وأنصار الله في اليمن، وحزب الله في لبنان، والشهيد سليماني، كانت تستند جميعها إلى منظور دفاعي (مجدداً ليس بالمعنى العسكري). إن الفلسفة الحقوقية التي تؤطر الدفاع عن الأرض، أو الدفاع عن الكرامة، وصد الهيمنة، لا تشبه خدمة مضاربات "وول ستريت"، ومطامع شركات السلاح مقابل أجر!

من اللافت في مذكرات الشهيد سليماني، حديثه عن بطولات أصدقائه، والإحجام عن الحديث عما يشبهه فيها (وإن كان ربما أكثر من امتلكها)، إنه يتحدث عن حميد الفدائي، ومهدي زين الدين، وحسن يزداني، ويستذكر رفاقه الراحلين كرحيل الغيارى أو العاشقين –بحسب تعبيره.  

"يا حسرةً على هذه الوردة المليئة بالأشواك، التي سبقها الجميع

جاء شيخ الطريقة وعلّمنا السلوك

وبقيتُ أنا من لم يتعلم، ولم يرحل".

هل يمكن للشاعر أن يكون مقاتلاً، أو للمقاتل أن يكون شاعراً؟ يحدث ذلك في ذهنية الدفاع فقط!

يكتب سليماني في مذكراته "لقد طلبت من الله الشهادة"، فبعد وفاة قاسم مير حسيني، تراكمت الجثث في ذاكرة سليماني، لقد عبر الموت بتكرار لا يطاق، وحمل معه الكثيرين. إن مسيرة كهذه في درب الموت، لم تنزع عن الرجل سماته الأكثر حساسية! تمكّن سليماني من كتابة مذكراته في حرب، كانت شرارتها بلا معنى، وطالت بلاده بغير حق، ولم يكن يمتلك الوقت الكافي فور خروجه من المطار لكتابة مذكرات تتحدث عن مواجهات جديدة مع العدو دفاعاً عن الجار التاريخي نفسه!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد فرج

كاتب وباحث أردني، صدر له "الرأسمالية وأنماط الهيمنة الجديدة"، "مخاطر التمويل الأجنبي - المراكز والمنظمات (غير الحكومية)"، جزر السياسة المعزولة.

إقرأ للكاتب

ما بعد كورونا.. عالم التكنولوجيا المفروض بالقوّة

تستعدّ الشركات التكنولوجية لمنصب الكاهن الجديد في العالم المقبل!

كورونا والإرهاب.. لماذا لا نخرج أميركا من قفص الاتهام؟

تدرك الإدارة الأميركية أن الحماية الكاملة لحدودها من الإرهاب أو الفيروس لا تخدم المشروع الأميركي...

كورونا وهواوي.. حرب الأفيون الجديدة

أزمة أميركا لا تختلف كثيراً عن أزمة بريطانيا في حروب الأفيون، ولكنَّ أدوات الحروب المباشرة لم...

وصفة ترامب.. تحويل الأردنيين والفلسطينيين إلى عمالة رخيصة

الحرب ليست موقفاً أخلاقياً فحسب، ولكنها في حالتنا موقف اقتصادي اجتماعي معيشي أيضاً، فالرفاه...

هل تخرج القوات الأميركيَّة من العراق؟

في حال تبنَّت الاحتجاجات العراقية هدفاً جامعاً يمثل الخطوة الأولى من الحلّ، وهو خروج القوات...

هيمنة أميركا عبر أدواتها المالية.. هل يمكن تعطيلها؟

في خضم كل ما يجري، وبعيداً عن التفاؤل المُفرط، يبدو أن الخيمة الأخيرة للهيمنة الأميركية المُطلقة...