القوات الأجنبية في العراق .. وضوح حدّ الغموض

30 جندياً عراقياً قضوا بقصف جوي للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، المكان أطراف الفلوجة، والزمان وقت انشغال بغداد بأزمة وأزمات، والمستهدف قطعات انتشار اللواء الخامس والخمسين من الجيش العراقي، هل من هدف؟

الجامع المشترك لكل الوجود البري الأجنبي في العراق هو التدريب
يسأل سائل، لأنه قيل فيما قيل أن ما خفيّ كان أعظم، ويتجاوز أبعاداً سياسية مرورا بملف تحرير مدن في الأنبار، وأن غرفة العمليات المشتركة المسؤولة عن العمليات العسكرية، كانت مغيّبة وقت الحادث، أو أنها مغيبة بالمطلق عن كل الحوادث.
يتواجد الأميركيون في العراق، على الأرض مدرٍّبين، وفي السماء محلٍّقين، رؤيتهم لا تتفق كثيراً مع القطعات البرية العراقية على الأرض بصنوفها، ويشاركون في اختيار الأولويات الميدانية، وترتيب سلّم تحرير المناطق، وفق مقاسات واعتبارات ليست ملائكية، بل الأدق انها مقاسات ومصالح أميركية بالدرجة الأولى، بدلالة احتفاظهم بحقّ السباحة في سماء الأنبار ونينوى وغيرهما، وحيازتهم لحقّ منع أي طيران عسكري بما فيه العراقي، هكذا وبوضوح، وضع الأميركيون في حقيبتهم حقّ التحرّك جوياً، والتنسيق والتدريب برّياً، وهكذا بدون عناوين صريحة، كان من حقهّم أن يرسموا للعراقيين مسارات انتشار العسكر على الأرض، وبحقّ ميداني أقرب للجائزة، لم تكن لتكون بيدهم، إلاّ بعد تنسيق سياسي.
في السياسة وأروقتها، انشغل العراقيون، حلفاء وأفرقاء بالدور الأميركي، ومن أعطى ومن منح، ومن ينسق؟، وعادوا للقاموس الدستوري لإعادة شرح الصلاحيات، فعادوا للتاريخ، بينما انشغل الأميركيون بالمستقبل، وهكذا، وبينما يقلب العراقيون أوراق الدستور، على أمل التحصّل على موقف سياسي موحد، انتشر جنود الجيش الأميركي، في منافذ تربط العراق وسوريا ليس مهمتها بطبيعة الحال منح سمة الدخول بين البلدين، وفي قواعد عراقية عسكرية داخل الأرض العراقية، ليس وارداً فيها أن يأتمر الأميركي بالأوامر العراقية.
على وقع التحركات المكتومة، زاد صدى الوجود الأجنبي، الأتراك في العراق لحسابات الأمن القومي كما يقدّمون مرة، ومرة بناء على دعوة من محافظ سابق، ومرة تحت يافطة تدريب الحشد الوطني، وكلّ ذلك يؤدي لنتيجة الأمر الواقع، انتشار عسكري، لينفي الرد التركي العسكري على "داعش" وقذائفه في طريق الدراويش، إن التركي الموجود ليس بمهمة التدريب، وأنّ العدة والعدد العسكري، أسبابه أبعد، وخططه أوسع.
هكذا انطلق البريطانيون وأوفدوا قوة خاصة، يقول السياسي العراقي أياد علاوي، إنها دخلت بتنسيق مع رئيس الوزراء حيدر العبادي، صدى التحاور والتنسيق لوجود البريطانيين يشي بأن وجود هذه المجموعة من القوات سيكون على أساس اكثر ديمومة، التحرّك البريطاني وفق غطاء موافقة من مجلس الأمن القومي البريطاني في كانون الاول/ ديسمبر 2014، الهدف المشترك المعلن، بين الأنكليز والأميركيين والأتراك ومن سيليهم، التدريب والتنسيق، وضرورات ميدانية لجهة التحالف الذي تقوده واشنطن، وحماية المصالح الأجنبية، على الرغم من أن وجود هذه القوات على الأرض، هو في ميدان المواجهة مع "داعش"، أو على بعد كيلومترات معدودة من خطّ المواجهة مع التنظيم ومع أهل المناطق المحتلة.
وبينما تزداد أوراق الملف وتتشعب فصوله، انضم الإيطاليون هذه المرة، وقرروا إيفاد 450 جندياً من الجيش الإيطالي، سبقهم إلى العراق 750 ضمن قوات التحالف، السبب هذه المرة، سدّ الموصل وحماية شركة "تريفل" الإيطالية التي ضمنت عقد ترميمه وحمايته بمبلغ 1،8 مليار دولار، هذه المرة الأرض أيضاً بمحاذاة تواجد "داعش" شمال نينوى.الجامع المشترك لكلّ الوجود البري الأجنبي هو التدريب كما هو الموقف الرسمي، وهكذا تشابه الوجود الأسترالي بعد اكتمال وصول 330 جندياً انضموا إلى 170 سبقوهم إلى بلاد الرافدين.
ليس خطأً تنسيقياً ذلك الذي جعل الطيار الأميركي يستهدف موقعاً للجيش العراقي عند اطراف الفلوجة، هكذا يرى حاكم الزاملي رئيس لجنة الامن والدفاع، الأمر أبعد ورسائله أقرب، وبخطٍ واضح وكبير، لا يمكن لخطوة عسكرية عراقية على الأرض العراقية، أن تحدد الأولوية لتحرير المدن العراقية، هكذا أريد للرسالة أن تكون، بقسوة ووضوح، ووصلت حتى لمن لا يريد أن يفتح البريد.
تمسك بغداد كما يفترض بها أن تمسك، بقرار سياسي سيادي، يتيح لها أن تنسّق أي وجود أجنبي، وفق حاجة عراقية لا تجرح معها السيادة، ويمسك جيش وقوات أمنية عراقية وحشد شعبي وفصائل مقاومة، بموقف وموقع في الميدان، لكن الواقع أن كلا الطرفين لا يملكان شيئاً مطلقاً حتى النهاية، لأسباب التشّعب والتفريخ والإختلاف بين القوى العراقية في أبسط البنود، زاد ذلك أن دخول القوات البريّة الأجنبية، تحقق بعدما فتحت أبواب وشبابيك، وتنوّعت معها الحجج والدعوات والمباركات، وأضحت الجبهة السياسية العراقية التي يراد لها أن تكون داعمة لمن في الميدان، ليس في أحسن حال، لتتضّح صورة أن ما يراد للعراقيين، هو أن يسلّموا رقبتهم، وخارطة وطنهم لأمر واقع، لا جدوى من مناجزته، فيما المنطق يخبرهم أن هناك مشروعاً تقسيمياً، لا يملكون إلاّ إنّ يستمروا بمواجهته لهزمه، وأن ما موجود في الصورة تفاصيل واضحة، يراد لهم أن يتوهموا أن هناك غموضاً فيها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً