فرنسا خلف مشهد الصدمة

فرنسا تتطرف إلى أقصى اليمين الذي تمثله الجبهة الوطنية بزعامة ماري لوبن. الانتخابات المناطقية قادت مرشحيها إلى احتلال المرتبة الأولى. إنذار لزلزال كامل سيحصل إذا ما واصل الناخبون تأييدهم للجبهة في الدورة الثانية الأحد المقبل.

تسعى مارين لوبان للوصول إلى عتبة تسمح لها بالمنافسة جديا على مركز الرئاسة الأولى بعد سنتين (أ ف ب).
المراقبون للنتائج المتتابعة للانتخابات الفرنسية البلدية وتلك التي تخص البرلمان الأوروبي، لم تذهلهم النتائج المبهرة التي حققتها الجبهة الوطنية في الدورة الأولى من الانتخابات المناطقية التي جرت أمس الأحد. الجبهة التي تقودها مارين لوبان كانت تعمّر مسيرتها حجرا حجرا مستخدمة كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة للوصول إلى عتبة تسمح لها بالمنافسة جديا على مركز الرئاسة الأولى بعد سنتين. مَن توقع بأن تحقق الجبهة ذات الآراء المتشددة نتائج إيجابية فقط أُسقط في يده وهو يرى تصاعد نسبة الأصوات الإجمالية التي حصدها مرشحو الحزب اليميني. حجم المفاجأة دفع سياسيين وإعلاميين ومفكرين إلى التحدث عن زلزال ضرب فرنسا. بعضهم قال إنه يوم أسود في تاريخ البلاد. هناك من رأى أن ما جرى يناقض روح فرنسا وتاريخها.

خريطة النتائج جاءت بالجبهة الوطنية إلى مقدمة الأحزاب متخطية اليمين التقليدي الذي يمثله الحزب الجمهوري. الحزب الاشتراكي تململ تحت وطأة الهزائم الكاملة في ست مناطق حصدتها ماري لوبان وابنة أخيها ماريشال. طبعا كان الإعلام يجهد وراء استخدام مصطلحات تناسب الواقعة فقال إعلاميون محسوبون على اليسار إنهم يسمعون قرقعة عظام الحزب الاشتراكي في منطقتي الشمال والجنوب. الاستنتاجات مالت إلى اعتبار ما جرى هزيمة لإدارة فرنسوا هولاند وكل النهج الذي اعتمده منذ وصوله إلى الحكم. فشل ذريع لاستراتيجياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفوق ذلك تحميله مسؤولية الهجمات الإرهابية التي وقعت في باريس. هجمات عرفت ماري لوبان كيف تستغلها وتضعها في سياق يخدم شعاراتها المعادية للمهاجرين والمسلمين. قال إعلام الجبهة الوطنية بعد هجمات باريس إن المهاجمين جاؤوا من بين المهاجرين. الحملة وُجِّهت إلى البيئة المسلمة في فرنسا حيث سجلت تباعا مئات الاعتداءات ضد مقيمين عرب ومسلمين انتقاما .

الآن وقد وقعت الكارثة على حد قول مرشحين فشلوا أمام مرشحي حزب لوبان، بدأت محاولات لمواجهة الزحف الذي لو استمر على وتيرته في الدورة الثانية من الانتخابات بعد أسبوع، سوف يدخل فرنسا عصرا يقال إنه خطوة واثقة باتجاه نسف أسس الجمهورية ووضعها في تناقض مع تاريخها وقيَمها.

خلف مشهد الصدمة، بدأت أحزاب اليسار مشاورات لتشكيل حلف لوقف اجتياح الجبهة الوطنية، لكن الخطوة يلزمها، لكي تتحول إلى سد منيع أمام الانهيار، التفافا من قبل اليمين الذي يتزعمه نيكولا ساركوزي. الأخير وبناء على تصريحات سابقة لا يبدو أنه في أجواء التحالف مع الحزب الاشتراكي خصمه التاريخي. المسافة الضئيلة التي فصلته عن الجبهة الوطنية تغريه في استكمال المواجهة منفردا.

في مطلق الأحوال فإن الفرنسيين أمام تحول تاريخي، وهم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الإحباط والتشرذم أمام سطوة الصعود العنيف لليمين المتشدد وإما خوض المواجهة موحدين لتعديل ميزان القوى الأحد المقبل. الخيار الأول سيكون بمثابة السماح  بتفجير هدفين: الأول هو الاتحاد الأوروبي الذي تعمل الجبهة الوطنية على خروج فرنسا منه، والثاني الاستقرار الأهلي إذ لا هم لماري لوبان وأركانها سوى إعادة "النقاء" إلى أرض فرنسا ومكافحة أي نوع من أنواع الهجرة أو اللجوء إلى أراضيها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسن عبد الله

رئيس القسم الثقافي وكاتب سياسي في قناة الميادين

إقرأ للكاتب

الوباء الذي اجتاح المسنّين في القارة العجوز والقيم الأوروبية على المحك

تتكثّف التقارير التي تتحدث عن أن استمرار أوروبا في هذا المسار يجعل المسنين قنبلة موقوتة.

فرنسا وأزمة كورونا.. خوف من "جان فلجان"

يتمنّى بعض المفكّرين الفرنسيين أن لا تحوّل جائحة كورونا الشعب الفرنسي إلى "جان فالجان" الذي سُجن...

كورونا والداعشية الأنيقة

هل يمكن النظر بعين الريبة إلى كارتيلات تصنيع الدواء والمختبرات وحيتان المواد الحيوية الضرورية...

عن أدونيس في "الميادين"

يمكن لكل متابع لإنتاج أدونيس فكراً وشعراً، ولكل مهتم بتحقيق التحول النوعي في سياقات عملية...

عن مادورو وإسبر!!

اغتيال العالم السوري عزيز إسبر ومحاولة إغتيال الرئيس الفنزويللي نيكولاس مادورو، حدثان يعكسان عمق...

صحوة فرنسية في مواجهة حكومة القتل الإسرائيلية

تأتي استطلاعات الرأي في فرنسا لتُعطي للاحتجاجات زخماً ومشروعية، فآخر استطلاع أنجزته مؤسّسة...