الجيش التركي في العراق.. انتهاك يخفي العجائب

الجيش التركي في نينوى بعلم من الولايات المتحدة وخارج إطار التحالف الدولي. المعادلة ليست صعبة أبداً. بعد الحذر في السماء السورية، يد تحمل ملفاً، وأخرى تبعثر الأوراق لدور جديد.

بغداد دعت أنقرة لسحب قواتها فوراً
تحركّت تركيا وأدخلت إلى الأرض العراقية ما يعادل لواءً مدرعاً من قوات المشاة إلى معسكر زليكان في أطراف الموصل، بمدفعية ودبابات وكاسحات ألغام وجنود، بلا تأشيرة دخول، ولا طلب عراقي رسمي، ودون إعلام الحكومة المركزية. 

دخلت القوات بشكل سري، ولم تعتمد الطرق البرية المعروفة بين العراق وتركيا، وكما السحر ظهرت القوات على سطح الأرض، لتَعلم الاستخبارات العراقية بالأمر، ولتُعلمَ مركز القرار في بغداد، فتنفي حكومة نينوى المحلية الأنباء عصراً، ليتأكد بعدها الوجود العسكري مساء، فتصدر بغداد بيان استنكار رسمياً دعت فيه أنقرة إلى سحب جنودها فوراً، ليغفو الجميع ليلتهم في العاصمة، على أمل صباح جديد، تعود فيه الأمور لما قبل دخول الأتراك.

المفارقة في الأزمة الجديدة كلها، أن الأميركيين سربوا للعراقيين فجر اليوم التالي، علمهم بالتوغل التركي، وزادوا، أن القوات التركية الموجودة في العراق ليست ضمن قوات "التحالف الدولي" لمحاربة داعش.  

ببساطة ووضوح، هي قوات احتلال، كيف؟ لأنها تمثل تواجداً عسكرياً أجنبياً على أرض دولة أخرى، بلا دعوة رسمية، ولا استناداً لاتفاقية أمنية، والمقتل ليس في ما سبق برغم فداحة الانتهاك، بل في ما يخفيه تواجد القوات وما تحمله الأيام من تطورات، ليست أقل من تطورات جيوسياسية، وخارطة جديدة يراد رسمها في العراق.  

سبق لتركيا أن سهلت شراء النفط في مناطق سيطرة داعش ومنه، وأمّنت قبل ذلك انتقال مسلحيه وتحركهم عبر حدودها، وغضت الطرف عن شحنات سلاح وتموين لمناطق وجوده في العراق، وأطلقت سراح دبلوماسيي قنصليتها في الموصل من أيدي داعش بصفقة غامضة، وبالتالي يستبعد أن تكون اليوم قاسية عليه أو تضربه عسكرياً لتأمين الموصل وأقضية نينوى المتبقية، حيث يرى كثيرون أن تركيا وداعش يتقاطعان سياسياً في العراق عند إيجاد كيان في شماله وغربه لا يحكم من بغداد.

تحرير الموصل تحول إلى ما يشبه الصفقة، صفقة سُحبت يد البيشمركة فيها من ملف الموصل وتحريرها، وإن حصلت فبمشاركة شكلية، صفقة قد يختفي داعش من الموصل خلالها، كما سبق واختفى من سنجار غربها، صفقة في تلافيفها عقاب يتلقاه كُرد سوريا وحزب العمال الكردستاني، وهي في الوقت ذاته ضربة خفية سريعة مؤثرة، لآمال إنشاء الدولة الكردية ونواتها في العراق بعد أزمة رئاسة إقليم كردستان التي يبدو جلياً أنها لن تحسم قريباً.

القوات التركية لن تنسحب بناء على بيان إدانة عراقي أو رفض سياسي. وفق مراقبين "من تجرأ ودخل ابتداء دون تنسيق، لن يحرجه أو يخرجه رفض واستياء، فالواقع في الميدان العراقي، يعكس ضعفاً ليس خافياً في الإرادة السياسية لبغداد سيسمح إن مرت الأزمة مع تركيا مرور الكرام، بتواجد قوات عربية، لينجلي الضباب عن المشهد العراقي أكثر، لتتضح الفداحة أكثر، ولتنسحب الأمور على ما هو أصعب، ولتقترب بغداد من نقاط اللاعودة بخطى متسارعة في أكثر من ملف".

صندوق العجائب فتح في قلب المنطقة وعليها. وفي العراق وعليه بدأت مفاعيله، صندوق لن يغلق إلا بإرادة سياسية عراقية صلبة، تتجاوز حالة القفز بين المحاور التي لم تغن بغداد يوماً، كما يحكي التاريخ في قصصه.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً