حروب تتمّدد على مساحة عُمر واحد

سألني الدكّنجي في طريقي الصباحي بالأمس، إن كنت أعرف (بوصفي صحافية!!) عن إمكانية معاودة نشوب الحرب، لأن الزعماء كما يسمع يبشرّون بها، وهو يشعر أن المدينة غير القابلة للاحتمال بعد، سوف تذوب بفعل أية حرب جديدة، أهلية بالضرورة ويكون هذا نهاية الآمر. لزمن طويل حاولت ألا اتذكّر أيّ شيء عن الحرب.

الحرب والموت اليومي والقذائف والجثث تطفو في الذاكرة أكثر من سواها
الحرب هي الواقع الحقيقي في حياتنا العربية، بينما وجود الإنسان العربي الفعلي ليس إلا ظلاً مُلقى على شاشة الوَهْم. نحن ظلال، بل أقّل من ذلك. ظلال لايحّق لها أن توجد حتى كظلال. حروب تتمّدد على مساحة عُمر واحد؟ هذا كثير.

في احتمال حرب مُقبلة، وفي عدم احتمال وقوعها، تحضرني حربنا اللبنانية التي كبرنا في فيء دخانها، الحرب التي كانت جرحاً طويلاً لطفولتنا، ثم ندبة بقيت، نحملها ونجاهر بها. أذكر من عتْمة تلك الحرب، المنطقة التي ولِدت فيها، وشبّت الحرب فيها أو طالتها كسائر المناطق، كانت تقع في الجزء العلوي من شارع الحمراء، وهي كانت في ما مضى، في ما مضى كثيراً، منطقة مختلطة لناس من كافة الأديان، يهود ومسلمون ومسيحيون ولا أدري ماذا بعد، إلى أن تدخّلت الحرب الأهلية فحجّمت الإنفلاش الديني للمنطقة وضبضبت تعدادها السكاني، وجعلتها مقتصرة في الغالب على مذاهب إسلامية، أو هكذا بالأحرى ما يقولهُ ناسها. 

من جهتي، أرى أنه لاينبغي أن أحمل كل ما أسمعهُ على محمل الجد. ليست المسألة أن بعضهم يتعمّد المبالغة في مثل هذه الأمور، بل مجرّد أنه حيثما يكون للحرب علاقة بالأشياء، تميل الحقيقة إلى الغموض بسرعة كبيرة.إشاعات وقصص مُضخّمة تنتشر، وسرعان ما تُدفن الوقائع تحت جبل من المرويّات الغريبة. أفضل طريقة لفهْم المسألة عن منطقتنا هي أن أصدّق فقط ماتراه عيناي في مشواري اليومي الصباحي إلى كورنيش المنارة. إشارات ودلالات مكانية وبشرية تحفل بها هذه التؤدة الصباحية، وحولي في كل الجهات، كمائن لذاكرتي اللطيفة، ورهاناتي النقيّة التي لا تؤول دائماً إلى هواء وفراغ. 

كل المشاهد التي أمرّ بها في ترّيضي الصباحي اليومي، كان يلزمها أن تموت إلى حين، من أجل أن تعيش على النحو الذي تبدو عليه الآن. لا بدّ أن الحياة التي عهدها أولئك الذين يقولون باختلاط الأديان في السكن قد انتهت الآن فعلاً، بيْدَ أن ما حلّ محلّها يشبهها، فيما لا تني المذاهب تتناحر كما والكره المُتبادَل يتعاظم بين الطوائف والمذاهب ما يفوق الحال بل أدهى مما كانت أيام الحرب، أقسى وأكثر لؤماً. العطفة الضيّقة المتفرّعة من الشارع الرئيسي لسكن الدروز آنذاك (كركول الدروز) تفضي مازالت إلى بيوت مسيحية عريقة: بيت حداد وبرباري وخوري، وأذكر بيت مدام بيروتي جارتنا (أم ريمون) وإبنتها تريز، فما زالتا في المبنى نفسه، سوى أن الأبناء الذكور: ريمون وروجيه وميشال، هاجروا على ما قيل لي.
لمحت ميشال في شارع الحمراء منذ مدة فتذكّرتهُ على الفور، كيف لا وهو الذي كان يضع حصاة في رسالة يكتبها لي، أنا ابنة الثانية عشرة أنظره من البلكون المواجه لبيتهم، يقذف رسالته فتخترق كما في كل مرّة، نافذة نوم غرفة أمّي وأبي، فيما الأخير يأخذ قيلولة بعد الظهر، لينتبه من نومه مذعوراً، لا يلتفت إلى فحوى الورقة المجعوكة، بل يصرخ ماداً جذعهُ بالكامل من النافذة: "مين ابن الحرام اللّي عم يراشق حجارة؟.

إن الأمور تستحيل إلى ضباب الآن في ذهني، وتختلط تلك التي جرت والتي لم تجر. ولكن يبدو أن الجانب الآخر من الذكريات، الحرب والموت اليومي والقذائف والجثث، تطفو في الذاكرة أكثر من سواها. الحيّ الذي هجره أغلب المسيحيين، تتحضّر لهجرته الآن طائفة أخرى، ويتدبّر البعض تموضعهم في مناطقهم وضواحيها بشكل غريزي متوتّر. كنت أسكن وما زلت، في الحيّ الذي ولِدت وتربيّت فيه، وحيث حدثت الحرب في هذا الفاصل من عمري. هذا غوص عميق في الموضوع، فعلى هذه الجدران التي أمر بها في نزهاتي الصباحية، وعلى الأرصفة نفسها، حدث موت كثير، وفي وسع أيّ أحد كان عاش معنا، مشاهدة الدخان المرتفع إلى السماء في تلك الأحياء، والشاحنات التي تلتقط الجثث، والسيارات التي تجرّ وتسحل القنّاصين والعملاء!!، ترتطم رؤوسهم بأسفلت الشوارع وجلودهم مصفرّة اصفرار الموت الذي كان يشّل طفولتي.

كانت الأحزاب والفرق أشدّ جنوناً من أن تتوقّف عن إذكاء الموت اليومي، والنزاعات في ما بينها أعظم من أن تكترث للناس ومآسيها. الآن بعد تأمّل دقيق وشديد، أرى أن السماء هذه هي نفسها التي كانت تعلونا في الحرب. التأثيرات المختلفة من دمار وما شابه، صنعها ناس ذلك الوقت، ويحاول البعض (أولادهم بالضرورة ) الآن إعادة ما صنعه أولئك. الليالي على سبيل المثال، هي نفسها ما كانت عليه في الحرب. العتمة نفسها والاتّساع عينه، النهارات وانقشاعاتها غير المُحتملة الآن في الصيف، والهواء والضوء نفسهم، سوى أن الناس مصرّة على إعادة ممارساتها القديمة التي أفضت إلى حرب مُفجِعة، وهم على أهبّة معاودتها الآن. 

سألني الدكّنجي في طريقي الصباحي بالأمس، إن كنت أعرف (بوصفي صحافية!!) عن إمكانية معاودة نشوب الحرب، لأن الزعماء كما يسمع يبشرّون بها، وهو يشعر أن المدينة غير القابلة للاحتمال بعد، سوف تذوب بفعل أية حرب جديدة، أهلية بالضرورة ويكون هذا نهاية الآمر. لزمن طويل حاولت ألا اتذكّر أيّ شيء عن الحرب. تدبّرت ذاكرة عاقلة أعانتني على ملامح مَرِحة.

أستطيع الآن أن أفكّر فقط كيف أن الأشياء المقيتة بدأت تطلّ برأسها مجدّداً، وأن عبوساً فظيعاً يبدو على الوجوه يزنّر المدينة ويذكِّر بعبوس قديم. هل تُقدّر لنا أكثر من حرب في عمر واحد. يجب ألا يُفعل بي ذلك ثانية. الربط مع ذلك بحرب قديمة وأخرى آتية قائم الآن على قدم وساق في بلدنا الجميل! وهو شيء يدور في حسابات اللبنانيين، وشيء يقود إلى الجنون. ما يحدث في محيطنا، مؤشّر لاشكّ على حدوث هذه الحرب أو على عدم حدوثها، سوى أن الرعب يكمن في أن الحرب تسكن فينا مازالت، كما لو أننا نقصّر في لبنانيّتنا إن لم نصنع حرباً جديدة، تليق بنسياننا المؤقّت لحرب مضت.