خطوط التهدئة، خرائط المواجهة

الرغبة لدى بعض الأطراف في السيطرة على سوريا، لا تعني العمل على تقسيمها، أو القبول به، ويمكن القول إن صعوبة التقسيم الجغرافي والدولتي تقابلها صعوبة القبول بدولة واحدة متماسكة، وسوف تبقى الأمور –في الأمد المنظور- تحت تأثير مرحلة من عدم تعيين، أو مرحلة العمل على مسارات متوازية، مثل التأكيد على الوحدة الجغرافية لسوريا، وفي الوقت نفسه تعزيز مناطق أو خرائط النفوذ ومنطق "اللا دولة"، وهذا يعني بقاء المشهد السوري تحت المراجعة وإعادة التشكيل، ارتباطاً بتفاهمات وتجاذبات العديد من الدول وفي مقدّمها روسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا ... وإلى حدٍ ما إسرائيل.

دي مستورا: مناطق خفض التصعيد لا يجب أن تؤدّي إلى تقسيم سوريا
بعد سنوات من الحرب، تغيّرت طبيعة المعركة في سوريا، ولم يعُد الهدف هو إسقاط النظام، وانتقل الجميع تقريباً إلى مستوى ثانٍ من المواجهة. وهنا يبرز موقفان أو تقديران: الأول  لدمشق وحلفائها، ومعركتهم هي استعادة سلطة الدولة، والحفاظ على سوريا موحّدة، والثاني  للحلف المعادي، ومعركته هي الحيلولة دون عودة سوريا إلى ما كانت عليه، والمقصود هنا هو طبيعتها ودورها وتموضعها في السياسة الإقليمية والدولية.

تبيّن لخصوم دمشق أن الاستمرار في المعركة تحت عنوان إسقاط النظام، لا طائل منه، كما أن وجود دولة فاشلة أو منقسمة، يمثّل مصدر تهديد أكثر مما يمثّل فرصة، ويخلق واقعاً يصعب التحكّم فيه، وتبعات لا يمكن التكهُّن بها. مع ذلك لا يبدو أن الخصوم مستعدون لتغيير الأجندة، إنما هم مُكرَهُون على "تكييفها"، بما يضمن لهم أكبر قدْر من المكاسب والضمانات بشأن المستقبل.

تُمثّل خطوط واتفاقات التهدئة ووقف القتال، مصدر قلق لكثير من السوريين والمعنيين بسوريا، وخاصة أنها تتم بين أطراف غير سوريّة، وقد لا يُسأل السوريون كثيراً عنها، من ذلك مثلاً اتفاقات أستانة، واتفاق الهدنة جنوب سوريا، وبالنظر إلى اختلاف الأطراف الراعية والضامنة لتلك الاتفاقات، فقد تمثل مقدّمة لخرائط مُواجَهة أو خرائط كيانية أو شبه كيانية، وقد عبّر دي مستورا في مؤتمر صحافي على هامش مؤتمر جنيف7، عن مخاوف بهذا الخصوص، قائلاً: إن "مناطق خفض التصعيد لا يجب أن تؤدّي إلى تقسيم سوريا".

الرغبة لدى بعض الأطراف في السيطرة على سوريا، لا تعني العمل على تقسيمها، أو القبول به، ويمكن القول إن صعوبة التقسيم الجغرافي والدولتي تقابلها صعوبة القبول بدولة واحدة متماسكة، وسوف تبقى الأمور –في الأمد المنظور- تحت تأثير مرحلة من عدم تعيين، أو مرحلة العمل على مسارات متوازية، مثل التأكيد على الوحدة الجغرافية لسوريا، وفي الوقت نفسه تعزيز مناطق أو خرائط النفوذ ومنطق "اللا دولة"، وهذا يعني بقاء المشهد السوري تحت المراجعة وإعادة التشكيل، ارتباطاً بتفاهمات وتجاذبات العديد من الدول وفي مقدّمها روسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا ... وإلى حدٍ ما إسرائيل.

ثمة ما يشبه الإجماع حول دعم خطط التهدئة، وقد ساقت روسيا والولايات المتحدة وغيرهما تبريرات علنية مُتشابهة لاتفاق الهدنة في جنوب سوريا، مُبدية الرغبة في توسيع التجربة إلى مناطق أخرى في المشهد السوري، إلا أن كل طرف أو كل حلف يريد لتلك الخطط أن تُحقّق مصالح مختلفة.
 

وإذا تم ترسيم الخطوط والخرائط على قاعدة التفاهم والمساومة والمداولة، فإن من المحتمل أن تكون خطوط الهدنة – التماس هي خطوط اتصال وعبور، وسوف تكون مخاطر أو دوافع أو خطط التقسيم أقل فعالية وتأثيراً، أما إذا تمّت على قاعدة القطيعة والعدائية والمواجهة، فسوف تكون خطوط توتّر ومُجابهة، وأقرب لخطوط "التقسيم الناعم" أو "غير المعلن"، هذا إذا سلّمنا بأن التقسيم الجغرافي والكياني/الدولتي غير ممكن الآن.
 

برزت مستويات وأنماط مختلفة لتقسيم النفوذ أو المجال الجغرافي والاقتصادي والعسكري في سوريا، من ذلك مثلاً : خط "شرق الفرات – غرب الفرات"، وخرائط "سوريا المفيدة" – "سوريا الجهادية"، وخرائط "المناطق الآمنة" و"حظر الطيران"، وسوريا الفعلية – سوريا الهوامش والأطراف، والخرائط العرقية، والخرائط المذهبية، خرائط التهجير الطائفي، وخرائط التهجير العرقي، وخرائط التهدئة ووقف التصعيد، وخرائط النفوذ والسيطرة على موارد الطاقة وقطاعات الاستثمار والإنتاج؛ غير أن أبقى تلك الخطوط وأقواها هو –حتى الآن- خط "شرق الفرات - غرب الفرات"، ولو أن التطوّرات أدّت إلى تداخُل كبير في خرائط السيطرة والنفوذ:

  • استعادة الجيش السوري وحلفائه للسيطرة على شرق حلب، والبادية السورية، وحماية "الوصل الجغرافي" بين سوريا والعراق.
  • استعادة الجيش السوري لعدد كبير من حقول النفط والغاز، ومناجم الفوسفات، والعمل على إعادة تأهيلها مع شركاء روس وإيرانيين.
  • الاتفاق بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترامب في هامبورغ على الهدنة في جنوب سوريا، والذي أظهر اهتماماً أميركياً بـ "احتواء" جهود سوريا وحلفائها في مناطق الحدود مع فلسطين المحتلة. وقد رحّبت به سوريا وإيران، على الرغم من تحفّظاتهما على وجود أميركي مباشر جنوب سوريا.
  • سعي إسرائيل لإقامة "منطقة عازلة" داخل الأراضي السورية، إلا أن المشروع تواجهه تحديات كبيرة، ورفض تام من قِبَل سوريا وإيران، وسوف يترتّب على روسيا تقديم ضمانات وإقامة تفاهمات بهذا الخصوص.
  • قبول أميركي بتمكين حلف المقاومة من استعادة السيطرة على البادية ومناطق الحدود بين سوريا والعراق، وفتح معبر نصيب الحدودي مع الأردن. وقد حصل ذلك بعد مواجهات واستهدافات عديدة.
  • عودة الولايات المتحدة للاهتمام بمناطق في "غرب الفرات" مثل عفرين وإدلب، وهي مناطق عمل روسية وإيرانية وتركية، وسوف يتطلّب الأمر جهوداً كبيرة لهندسة تفاهمات بهذا الخصوص.
  • - قال صالح مسلم رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الذي تسيطر قواته على عفرين، إنه سوف يُسلّم المدينة للجيش السوري في حال أقدمت تركيا على احتلال المدينة، وهذا مؤشّر على حجم التداخُل والتعقيد في الرهانات حول الخطوط والخرائط الكيانية والجهوية.

من مفارقات المشهد السوري، أن جماعات المعارضة التي ترفض التهدئة هي من أكثر المتحدّثين عن "مخاوف التقسيم"، وهذا كلامٌ باطل، ويُراد به باطل، لأن تلك الجماعات هي أول من طالب بالحظر الجوّي، ودعا الولايات المتحدة والناتو وتركيا وإسرائيل للتدخّل العسكري وضرب الجيش السوري واحتلال الأراضي السورية. وأما ما تقوله أو تدّعيه اليوم، فهو من باب المشاغبة على تفاهمات ترى أنها تصبّ في مصلحة سوريا.
  

على الرغم من أهمية خطوط التهدئة في تخفيف العنف، واحتواء انزلاق الحلفاء إلى مواجهات مفتوحة في الميدان، وهذا من إيجابياتها المؤكّدة؛ إلا أنها تنطوي على تهديد كبير بتعزيز خرائط التغلغل الخارجي والنزعات الكيانية، بشكل يعطي الأولوية أو القوامة لمصالح الخارج على الداخل، ما يجعل خريطة سوريا تحت تهديد دائم بالحرب.