"غُلبت أصالح بروحي" واحدة من الأغاني العصيّة على الزوال

خوفاً من اندثار تراثنا الموسيقي العربي – يقول الخبر منذ ما يقرب السنوات العشر – يعمل مركز توثيق التراث الطبيعي والحضاري، التابع لمكتبة الإسكندرية في مصر على توثيقه وجمع كنوزه المبعثرة، والحفاظ عليها وإتاحتها للأجيال. بابتسامة واسعة متواطئة استقبلت الخبر حينها، وبسببه سافرت إلى الإسكندرية السنة الفائتة لأرى، وليرى قلبي ما آلت إليه الأمور.

مكتبة الاسكندرية في مصر
رغم أنني لا أكنّ إعجاباً مفرطاً بالذكريات، سوى أن هذا التراث الموسيقي وتلك الأغنيات تحتفظ من دون سواها بملاحظات الشاهد الحقيقي على ماض عربي بهّي، وتتحدّث عن أعمال فنية،  لا يملك جيلنا أن ينكرها، لأننا ببساطة لم نأتِ بمثيلاتها.

التراث الموسيقي الذي يوشك أن يندثر، والأغنيات القديمة والنادرة المُهدّدة بالضياع، وكل كنوز الفترة الممتّدة من العشرينات إلى السبعينات من القرن الماضي، عملت مكتبة الإسكندرية والقيمين عليها، على جمعها في سلسلة من الكتب تحت عنوان: "موسوعة إعلام الموسيقى العربية"، ومرفقة هذه بأسطوانات مدمّجة بأصوات المطربين والمطربات، مع شروحات تُعنى بجمع المعلومات الأولية التي تتعلّق باللحن والمؤلّف والمؤدّي/ المؤدّية، والمقامات والقوالب والإيقاعات ومطالع الأغاني وعناوينها وتواريخ إصدارها، بالإضافة إلى نصوص الأغاني والنوتات الموسيقية وأجزاء من التسجيلات الصوتية المسموعة والمرئية الأصلية، كما يقدّم تحليلاً موسيقياً تفصيلياً وعارفاً، لكبار الأعمال التي يقع اختيار خبراء في الموسيقى العربية عليها.

ابتسمت أجل، ابتسامة التواطوء مع شغفي الأقصى، وعرفت منذ لحظة قراءة الخبر أن "غُلبت أصالح بروحي" و"جددّت حبّك ليه" لن تزولا أبداً،  ولن يعطبهما مرور الوقت، فيغدو الجمال هشّاً كالثلج، بل يبقى في قوته كالطوفان وتبقى الأغنية تترّجع في راسي مازالت، خصوصاً في المقطع الذي تنوح فيه أم كلثوم نواحها العاطفي المرعب :"حتى الزمان اللي كان عطفك يعينيّ عليه/ خلّاني أرضى الهوان وسلّم الروح إليه".

إن شاء العرب أن يُهزموا سياسياً، أن يموتوا، فليفعلوا !!! سوى أن تراثهم الفني على شاكلة تلك الأغنية بكل غطرستها الوجدانية، يقع في مركز الوجود الإبداعي والعاطفي، ويزخر بكل أسباب الوجود والبقاء، ويتوهّج بالأحجار النفيسة وبالمعادن الكريمة وبكافة عناصر الرفعة والذوق.

لن تزول أيضاً: "هوّه صحيح الهوى غلاّب"، ذات المطلع القصير، المؤثر والحاسم في مزاج الأغنية. لن تزول: "ايمتى الهوى ييجي سوا" حيث الآهات غاية في السلطنة والفتنة، وفيه صوت أم كلثوم في ذروة أدائه وسيطرته وجمال عُربه.

لن تزول: طقطوقة "الليل يطوّل ويكيدني" ذات الإيقاع المعقّد في تلحين "الطقاطيق"، والأغصان ذات الألحان المختلفة. لن تزول: "لادمعي كفّى وطفّى النار" ولا "البيض الأمارة" لعبد الغني السيّد، ولا: "على أيه بتلومني" و" كل دا كان ليه " لمحمّد عبد الوهاب. إذا شاء العرب أن يُهزموا في سياساتهم ومعاركهم  فليفعلوا!! ولكن تبقى منتصرة إلى الأبد: "كادني الهوى" بصوت ماري جبران خصوصاً، و"عشانك ياقمر" و"أنا لك على طول خليك ليّا" لعبد الحليم حافظ، و"حمّال الأسيّة" و"أنا قلبي إليك ميّال" لفايزة أحمد، و"البوسطجية اشتكوا" لرجاء عبده، و" بصعب على روحي" و" شفت حبيبي" لمحمّد عبد المطلب، و"إن كنت ناسي أفكرّك" و" يا ضاربين الودع" لهدى سلطان، ويابدع الورد، وليالي الأنس لأسمهان، وياما أرّق النسيم والدنيا حلوة لليلى مراد، وماله القمر مالو لمحمّد فوزي. هذا غيض من فيض، إلى روائع تسري على شهد أصوات كارم وعبد العزيز محمود وكثيرين، إذ لا تحضرني الكنوز كافة في هذه المقالة السريعة، كما تبدو انتقاءاتي محض شخصية وعلى علاقة بذائقتي وبما تناهى إلى روحي واستقّر.


ماضي الأغنيات التي ذكرت، وسواها من الروائع، يُعبّر عن نظام وطريقة عيش،  وعن غبطة ورفعة. وبفضل كبرياء ذلك الماضي، لايعود الحاضر مستغلقاً على الكائن العربي، ولا غامضاً أو مشوّشاً أو عبثياً وغير مُعتّد بماضيه – عن الماضي الفني أعني -، بل حياة ملمومة ومضمومة الأطراف، ومسنودة إلى جذر تراثي متين، سامق في حلته الفنية وقادر، على تحمّل الضغط الحاذق الصادر عن خواء الراهن.

مشروع مكتبة الإسكندرية على بديهيّته وبساطته، بشارة تلملم ما انفرط من عقدنا الفني في لحظها – على ما رأينا عن كثب – التراث العربي بالكامل، إذ بالإضافة إلى نتاجات المصريين يكون بوسع مكتبة الإسكندرية أن تدرأ الأذى عن روائع مغربية وتونسية وجزائرية وخليجية وسورية وفلسطينية ولبنانية بالضرورة، بالإضافة إلى جواهر عراقية، فيأمن صوت سليمة مراد من التحلّل، كما أصوات زهور حسين وزكية جورج والقبانجي وخضيري عزيز من المطربين العراقيين، إلى مطربي المغرب العربي وبلاد الشام إن صحّت التسمية.

عندي – لو تعلم مكتبة الإسكندرية – روائع نادرة على هذا المستوى أحرص عليها بعيوني، وكنت جمعتها من شغفي ودأبي، كما ويسعني مشاركتها مع إدارة المكتبة وتسجيلها لحسابهم لكي لا يبقى الترّحم على الجمال في مقالتي، في باب التحسّر وحسب.

عندي قصائد في أوان حفظها، يلقيها الشيخ أبو العلا محمّد للآنسة أم كلثوم في ذلك الوقت. كما أحتفظ بروائع مقامية للقبانجي وتسجيلات فريدة لماري جبران، وسهرة بيتية لسعاد محمّد، وآهات حرّة لزكية حمدان، وموشّح فاتن لمحمّد غازي و "بين شطين  ومية" و "ثلاث سلامات" لمحمّد قنديل في حفل خاص، وقصيدة: "مالي فُتنتُ بلحظك الفتّاك" النادرة لأم كلثوم.

يبقى أنني أقصّر عن تعداد غوايات الغناء العربي. يكفيني أنني بلّغت عن جمال ليس بالضرورة قانوناً حتمياً لكل العصور، فذلك عصر صاغ مفاتنهُ من خلال الإبداع. أما ما يختّص بعصرنا فهو – للأسف – مُعفى من التعبير عن أيّ أمر.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
عناية جابر

شاعرة لبنانية عملت في مجال الصحافة. كتبت في السفير اللبنانية والقدس العربي اللندنية كما لديها العديد من الكتب الشعرية. عنوان مدونتها الشخصية: http://inayajaber.wixsite.com/inaya

إقرأ للكاتب

مصطلحات سادت ثم بادت

كانت اللغة تتحدّث عن احتلال الصهيونية لأرض فلسطين، فصارت تتقبّل مصطلح العودة. حقوقياً الفارق...

عندما لا تعتقد بجدوى الاحتجاج

أن نتجمهر، أن نحتشد وندعو إلى التظاهر والمسيرات لغرض ما ، فليس هذا بالضرورة كل ما يجب علينا...

مهرجاناتنا الصيفية والسؤال القديم

بيروت الجميلة أصبحت تُشعرنا رغم مهرجاناتها وكل الأشكال البرّانية الآتية من خارجها، أننا في...

فلسطين وسيرتها التاريخية والراهنة

لكل بلد في العالم سيرتان: تاريخية وحاضرة، والحديث في الغالب عن فلسطين (على الشاشات أعني) لا يجري...

المونديال بعيونِ امرأةٍ تعشق الجمال

ثمة من يقول بزمن المواهب الكروية الذي لا بّد ولىّ وانتابهُ الهمود. تحوّل من إعصار فنيّ إلى نبضِ...

الذاكرة العربية المنخورة

ما نحملهُ من تاريخ والتاريخ ذاكرة، لا يعدو أن يكون قبوراً كثيرة، وكلاماً مبحوحاً وذكريات...