استرضاء إسرائيل سبب جنوحها نحو اليمين

يتساءل إسرائيليون مُعارضون كما يتساءل مُهتمون آخرون، ما الذي يجعل الإسرائيليين يزدادون تطرّفاً نحو اليمين؟ مع العِلم أن الأسطورة الرائجة تقول: أن ما تقوله القيادات الأمنية في إسرائيل يتحوّل إلى كتاب مُقدّس في أذهان الجمهور اليهودي؟ هل كان هذا صحيحاً في الماضي وهو غير صحيح الآن؟ ولماذا؟

يحتفل المستوطنون بمرور 40 عاماً على بداية الحركة الاستيطانية
يحتفل المستوطنون اليهود في هذه الأيام بمرور أربعين عاماً على بداية الحركة الاستيطانية في المناطق المُحتلّة عام 67، ويؤكّدون مرّة تلو المرّة،  لأنفسهم كما للآخرين أن نجاح مشروع الاستيطان لغاية اليوم لم يكن واقعياً، ولم يكن مبنياً على مبدأ "فن المُمكن" الذي يجتهد السياسيون العرب في تجذيره في أذهان شعوبهم. يستعدّون لجولة أخرى من الاقتحامات المُنظّمة لباحات المسجد الأقصى وهم على قناعة تامة بأن العرب سيخضعون للأمر الواقع لاحقاً كما خضعوا له سابقاً، ويردّدون في مُقابلات تلفزيونية عديدة تُبثّ هذه الأيام: "لم يصدق أحد من المسؤولين بما في ذلك غولدا مئير أن الاستيطان يمكن أن ينجح ويثبّت أقدامه كما هو حاصل اليوم"، حتى جاء شمعون بيرس وكان يومذاك وزيراً للأمن، وأعطاهم أول تصريح بالاستيطان في الضفة الغربية. كان أول المُعترضين مبدئياً على الاستيطان في المناطق المُحتلّة في حزيران 1967 ، كما اعترض على الاحتلال من قبل، هو البروفيسور، "النبي" في نظر الكثير من الإسرائيليين، "يشعياهو لايبوفتش"، الذي "تنبّأ" منذ عام 1968 "بانعكاس قِيَم الاحتلال على الجيش وعلى المجتمع الإسرائيلي وحذَّر من تعاظُم قوى التطرّف المُعادية للنظام الديموقراطي وحرية التعبير والتربية لحقوق الإنسان،  ليجلب ذلك خراباً على إسرائيل".

يبدو ان نبوءة ل"ايبوفتش" تتجلى حقيقة واقعة في هذه الأيام، ليس فقط في الحياة السياسة وسيطرة اليمين المُتطرّف في الحكومة والكنيست، ومُعاداتهم العلنية للمحكمة العليا التي اعتبرها الجمهور الإسرائيلي على مدى عقود حارساً للديموقراطية في إسرائيل، وليس فقط في الحياة الحزبية الداخلية ونموذجها الأبرز هو حزب الليكود وسيطرة نتانياهو على كل القرارات في الحزب، بل في الحياة العسكرية أيضاً، وتؤكّدها الممارسات الميدانية والصراعات العلنية بين قيادات عسكرية وأخرى سياسية وأساسها في التحوّلات التي تحدث في صفوف الجيش. وتُشير الأرقام إلى  مُضاعفة عدد الشباب اليهود علمانيين ومتدينين، الذين ينضمون إلى المدارس العسكرية التمهيدية قبل انضمامهم إلى الخدمة العسكرية، وهي مدارس دينية في الغالب ويرعى غالبيتها ربانيم من غُلاة المستوطنين في الضفة الغربية، ويذكر أن الغالبية العُظمى من هؤلاء الطلاب ينضمّون إلى الوحدات القتالية في الجيش وهم يشكّلون الجزء الأكبر من الضبّاط الجُدد، مع العلم أن اليمين المُتديّن يشكّل الغالبية العُظمى من ضبّاط الصف الثاني، وهم يطمحون إلى السيطرة على الصف الأول الذي ما يزال في أيدي العلمانيين. إن تحقّق نبوءة "لايبوفتش،" يؤكّدها  أيضاً كبار الضبّاط  من الصف الأول في الأجهزة الأمنية المُختلفة، من قادة الجيش والشاباك والموساد، تحت اسم "قادة من أجل أمن إسرائيل"، وهم مجموعة كبيرة ومنظمة من جنرالات الاحتياط والجنرالات المتقاعدين الذين ينشطون "لإنقاذ إسرائيل من نفسها"، ويبدو أن نشاطهم مدعوم من الإدارة الأمريكية وأوساط يهودية في الولايات المتحدة، منهم "عامي ايالون" رئيس جهاز الشاباك الأسبق، "مئير دغان" رئيس الموساد الأسبق،  "بيني غانتس" قائد الأركان السابق، "يوفال ديسكين" رئيس الشاباك الأسبق، وآخرون ...وكان آخرهم الجنرال- احتياط "غادي شيمني"، الذي أكّد هذا الأسبوع ، أن "استمرار الاحتلال يشكّل خطراً وجوديا ًعلى إسرائيل"، وأن "شلة المزاودين في الحكومة لا يقدّمون للشعب مستقبلاً أو أملاً، بل هم منشغلون في الماضي فقط".  كما انضمّ مؤخراً رئيس الموساد السابق، ، "تمير بيردو" إلى مجموعة القيادات الأمنية المُعارضة لسياسة نتانياهو، ولم يبخل بالانتقادات والتحذير من خطر الإنجرار وراء سياسة القوة التي يقودها اليمين المُتديّن والمستوطنين، وأكد، بعكس العقيدة السائدة في إسرائيل، "أن إسرائيل غير مُهدّدة من الخارج كما يدّعي نتانياهو" وأضاف ، "إن الخطر المُستقبلي الوحيد يكمن في احتمال حدوث حرب أهلية داخل إسرائيل" وإن الحل الوحيد لدرء هذه الأخطار يكمن في إقامة دولتين بين النهر والبحر، وأن "بيبي" مُلزَم بالسير في هذا الطريق". هذه المجموعة حذّرت مؤخراً أيضاً من أن تكثيف الاستيطان اليهودي في الخليل سيزيد النار اشتعالاً ويكلّف دماءً وأرواحاً كثيرة".

يتساءل إسرائيليون مُعارضون كما يتساءل مُهتمون آخرون، ما الذي يجعل الإسرائيليين يزدادون تطرّفاً نحو اليمين؟ مع العِلم أن الأسطورة الرائجة تقول: أن ما تقوله القيادات الأمنية في إسرائيل يتحوّل إلى كتاب مُقدّس في أذهان الجمهور اليهودي؟ هل كان هذا صحيحاً في الماضي وهو غير صحيح الآن؟ ولماذا؟

لا توجد أجوبة جازمة على هذه الأسئلة ويبدو أن هذه المقولة لم  تعد صحيحة.  فمنهم مَن يتّهم الشعب "بالغباء" وهو أسهل التفسيرات. ومنهم مَن يقول: أن الأزمة التي يعيشها حزب العمل ومن حوله منذ عشرين عاماً وأكثر، أي منذ مقتل رابين، لا تقدّم فرصة لبروز شخصية قادرة على استبدال بنيامين نتانياهو في رئاسة الحكومة. ويقول آخرون: إن نتانياهو بشخصيته الكرزماتية،  قادر على سحر الجمهور الإسرائيلي ويقوده كالقطيع، فيُخيفه من مخاطر الانسحاب من المناطق المُحتلّة عام 67، وهو الاستحقاق الأول المطلوب لأي سلام منشود، ومن غياب الاستقرار في الشرق الأوسط،، وإنه، بشخصيته ونهجه الهجومي المتّهِم (بكسر الهاء)، قادر على مواجهة الضغوط الدولية، والأمريكية بشكلٍ خاص،  بنجاح، خلافاً لكل زعيم آخر من المُتوقّع أن يخضع لها. 

قد يكمن السبب أيضاً في المقولة الفلسفية الشهيرة ومفادها "إن الوعي يبلوره الواقع"، وبالتالي فمن يعيش طيلة حياته منذ عام 48 أو منذ عام 67 يمارس الاحتلال بالقوة ويقمع شعباً آخر، يقتل ويعتقل ويسجن ويُشرّد ويهدم بيوتاً ويُعذّب مُعتقلين ويبرّر لنفسه كل هذه الموبقات ، وكأنه يدافع عن نفسه ومقتنع بأنه الضحية الأبدية، يتمَسكَن ويدّعي أمام العالم أنه في خطر وجودي دائم حتى لو امتلك قنبلة نووية، ويستطيع أن يبتزّ زعماء العالم بتصريحات دائمة ومن الأمين العام للأمم المتحدة، تؤكّد "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، حتى وهي ترتكب الجرائم الكُبرى، مثل هذا الشعب لا بدّ من أن يبلور وعياً يمينياً يستقوي فيه على الآخرين ويتّخذ مبدأ القوة أو "العَظَمَة" وِفقَ مُفردات نتانياهو بوصلة حياته السياسية.

عشية الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة وما قبل الأخيرة أيضاً كتبت، إن "بنيامين نتانياهو قابل للسقوط ولكن لا يوجد مَن يُسقطه". ولا أعني أنه لا يوجد زعيم بديل أو حزب بديل في إسرائيل، بل أعني انه لا يوجد نهج بديل للتعامل مع إسرائيل ولا خطّة طريق حقيقية تتّفق مع القرارات الدولية، ولا توجد في إسرائيل قوة مُستعدّة لتنفيذ القرارات الدولية حتى وإن كانت مُجحِفة بالحقّ الفلسطيني. والأهم أنه لا يوجد طرف عربي وفلسطيني بشكل خاص يملك زِمام المُبادرة ويُصرّ على إسقاط نتانياهو، ولا يوجد طرف دولي يملك الجُرأة على مواجهة أمريكا لاتّخاذ إجراءات جديّة لتنفيذ القرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن.

إن سياسة الاسترضاء التي تنتهجها الدول الكبرى وخاصة أمريكا تجاه إسرائيل، وتسليم القرار الفلسطيني إلى أنظمة عربية مُهترئة لا تملك القدرة على اتّخاذ قرارات ذاتية من دون رعاية أمريكية، لن يُغيّر من حال إسرائيل.

طالما إن الفلسطينيين ينتظرون المُبادرات الجديدة  وطالما إن العالم ينتظر موافقة إسرائيلية على المُبادرات المُقترحَة، سيبقى الانتظار سيّد الموقف إلى أبد الآبدين، وهذا ما يريده نتانياهو واليمين المُتطرّف، وحتى ذلك الحين لن تبقى مساحة لإقامة دولة فلسطين.

يُخطئ مَن ينتظر قوى سلامية تعود إلى الحكم في إسرائيل، ويخطئ مَن يعتقد أن هذه القوى تقبل بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة طواعية، رغم الإجحاف الواقع على الشعب الفلسطيني والذي يعطي لإسرائيل ما لا تستحقه.

إذن، لا حل إلا ما يُفرَض على إسرائيل فرضاً بالقوة ولكن بغياب القوة العربية لا بدّ من قرار مُلزِم من مجلس الأمن، وهذا ما يجب أن تفهمه أمريكا إذا ما أرادت حلاً فعلاً، وهذا هو امتحانها الحقيقي، وهي المهمة المُلحّة للدبلوماسية الفلسطينية أولاً والعربية ثانيا.ً هكذا تُحسم كل النقاشات في إسرائيل وتوضع أمام الأمر الواقع وهذا ما يُسهّل على القوى السلامية أن تسير في الطريق من دون مقاومة داخلية. إن الشعب الذي تحدّث بلغة الأمر الواقع منذ مائة عام وأكثر لا يفهم إلا هذه اللغة. 

 

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
أليف صباغ

محلل سياسي مختصّ بالشأن الإسرائيلي

إقرأ للكاتب

استراتيجية "إسرائيل" الإقليمية في البحر الأحمر

استراتيجية "إسرائيل" الإقليمية من خلال نشاطها في البحر الأحمر وتحالفاتها مع الأنظمة المحيطة به...

استراتيجيّة "إسرائيل" البحريّة شرقي البحر المتوسّط

منذ العام 1950، وضع بن غوريون نصب عينيه ضرورة سيطرة "إسرائيل" على البحرين المتوسط والأحمر وأشار...

جوهر أزمة الحكم في "إسرائيل" والسيناريوهات المتوقعة

ما تزال الانشقاقات والتركيبات الجديدة للأحزاب الإسرائيلية، وكذلك الصراعات الداخلية، إحدى ميزات...

ماذا يخفي الاتفاق الثلاثي الإسرائيلي الإماراتي الأميركي؟

من يرهن بنيته التحتية والمعلوماتية والأمنية لدولة أخرى، لا يستطيع الهروب من هيمنتها، مهما بلغت...

في أي سياق نضع الفاجعة الكبرى في بيروت؟

هل كان الفساد والإهمال كافيين لانفجار مخزن نترات الأمونيا في ميناء بيروت أم إنه لا بد من يد...

ماذا بعد المعركة الدونكيشوتية الإسرائيلية في مزارع شبعا؟

إنَّ المكسب الحقيقيّ للمقاومة في هذه المعركة الدونكيشوتية هو تعزيز مصداقية المقاومة في أذهان...