الشجرة والبارود في بغداد

النكبة اليوم حاضرة في كل بيت عراقي سواء من فقد من أهله في هذه الكارثة أو من ناله نصيب الإصابة منها. فأغلب من قضى ضحية في هذا التفجير شباب عاملون وآخرون سائحون يسترقون من زمن الحرب على الإرهاب دقائق لشم نسيم المدنية. لن تغني بيانات الإدانة ولا التأثر أو الشجب وعلى كثيرين أن يحترموا دماء الشهداء وألا يستثمروها سياسياً. وأن يعمل الجميع في أن يجدوا سداً لأبناء العراق عن الموت قتلا وغيلة. وأن يردوا الإرهاب وأن يمنعوا أدواته في المسجد وخطب التعبئة الطائفية.

الكرادة حيث رائحة الألم أقوى من البارود والأنين المكتوم أبلغ من العويل
ليست مأساة أبداً وليست فاجعة بحجم قصتها. هي أكبر من نكبة. فلا يمكن لشعور من فقد وحيده أن يصيغ ألمه كلمات. شعور المنكوبين وأهليهم في الكرادة تكسّر على ضفافه البيان والبديع. ضاعت الكلمات وأفلتت من الرأس. فكان حرياً لعيونكم أن تكون حاضرة في هذا الحي الشرقي وسط بغداد. ليست مبالغة إن كانت ككركوك في كونها عراقاً اختصر في ثلاثة شوارع كلها، أوله اسمه الكرادة. لكن الألم اليوم في آخر الشوارع. "كرادة داخل" سوق لا يختص ببضاعة أبداً ومساجد وكنائس ومراكز سياسية هي الأخرى ليست حكراً على أحد أبداً. مطاعم شرقية وغربية ومقاه شعبية ومجالس اجتماعية وأدبية وفنية، لهجات متعددة فيها. ومعالم تتكاثر من قدم المدينة إلى ما تعايشه من تطور. تنوع فيها كل شيء، من بيوتات تراصف مرقد صالح وتحاذيه بيئة إسلامية محافظة، إلى مكاتب تعج بصفات تسبح في سماء الوجودية، لكن الموت قتلاً كان واحداً فيها.

لعل من عِبر الكرادة لو كان هناك من يعتبر وفي زاوية بعيدة في كتاب تاريخ أسود. أن أزمة إنسانية حلت بأهلها وحدتهم في نكبتهم. كلهم لعن الموت قتلاً. كلهم بكى كمداً. كلهم تقاطع في ردة فعله. وكلهم لم ينم ليلة اهتز وسط شارعها وقد لا يهنأ بالعيش قريباً.  

تتشابه القصص ويتشابه هنا في أزقة الكرادة كل شيء. رائحة الألم أقوى من البارود. والأنين المكتوم أبلغ من العويل. وكل ما هو مأساة ونكبة وكارثة يخنقك في ممرات الكآبة موجود. في مكان طالما كان محل فرح وسهر، وزمان يا لسوء صدفته وقد قبل العيد.

عند الحواف الجادة والعملية فإنه تفجير تبناه داعش لا حاجة لنباهة محترف لتدرك أنه رد على ضربة موجعة مزلزلة تلقاها التنظيم في الفلوجة. كيف نفذ؟ كل الاحتمالات واردة بلا سقف، من الفشل إلى التواطؤ إلى المكسب المادي مروراً بالاستثمار السياسي والتوظيف سلباً وإيجاباً. والدرس إن أراد من عليه أن يتعلم من الكرادة درساً فعلى الجميع الانتظام في مقعد ليعلم أن خللاً أمنياً وإدارياً يتحمل جزءاً من التسبب بالكارثة. إن دروساً عدة فوتها الجميع لأن الجميع يحب التأجيل ولأنه اتكالي فعلى عاتقه جزء من وزر كبير. إن للإنسان قيمة لكنهم أدركوها نحيباً بعد أن يتحول إلى أشلاء، وضيعوها يوم كان لمن قضى أن يقدم لمجتمعه جديداً فاستصغروه، وعليهم أن يقلبوا موازينهم ليفهموا قيمة الإنسان في حياته. ذلك إن أرادوا أن يتعلموا الدرس.

صحيح أن داعش خطط ونفذ بأدوات بشرية وأسلاك كهربائية وفتوى تكفير جاهزة ومن ارتضى لنفسه أن يحولها لأشلاء لأنه آمن أن لن ينل من مقتله إلا كقرصة النحل ومآله الجنة، لكننا سنفشل إن آمن من يفترض به أن يكون عموداً تنفيذياً أو سياسياً وكل فرد في المجتمع العراقي، وسيتلقى الصدمة التي يليها الفشل والإحباط، إن ارتضى لنفسه دور الضحية ومن يقع عليه المخطط.

أكثر ما أتقنه أهل الدار السكون والتفكير لإيجاد عذر للعلة توزعت كزبد البحر بين خلافات سياسية وسوء إدارة نتجت عن تقاسم المناصب وخطط أمنية يتيمة وخطط بناء الدولة التي ينتهي مفعولها مع اقتراب نهاية إدارة سياسية، لأن الجديد في العراق لا يكمل ما قبله بل ينشغل جديد العراقيين بقلع كل قديم لأسباب سياسية وبيافطات إصلاحية وهكذا لك صنارة الصيد وبحر تغرف منه اخطاء، وهكذا كان فنسينا بناء الدولة كما يفترض ببناء الدولة أن يكون وإن بلبنة أساسية وابتدائية.
النكبة اليوم حاضرة في كل بيت عراقي سواء من فقد من أهله في هذه الكارثة أو من ناله نصيب الإصابة منها. فأغلب من قضى ضحية في هذا التفجير شباب عاملون وآخرون سائحون يسترقون من زمن الحرب على الإرهاب دقائق لشم نسيم المدنية. لن تغني بيانات الإدانة ولا التأثر أو الشجب وعلى كثيرين أن يحترموا دماء الشهداء وألا يستثمروها سياسياً. وأن يعمل الجميع في أن يجدوا سداً لأبناء العراق عن الموت قتلا وغيلة. وأن يردوا الإرهاب وأن يمنعوا أدواته في المسجد وخطب التعبئة الطائفية. والأهم أن تتحول حادثة الكرادة إلى علامة وفارقة في تاريخ الأمن العراقي لأن يُستبدل أسلوبه في الحرب ضد الإرهاب. كما على قادة بلاد الرافدين أن يجدوا سبيلاً لذلك. لأننا عند ذاك وعند ذاك فقط سنمنع البارود ورائحته وفعله عن الأبرياء.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً