عندما استشهد أبو ذر العراقي في فلسطين

دفن العراقيون كغيرهم في فلسطين بعدما رووا أرضها بدمهم. لم يكونوا عساكر فقط، كانوا متطوعين. لم يكونوا إسلاميين فقط، كانوا قوميين. لم يكونوا سنة فقط، كانوا كرداً هبطوا من جبال العراق وشيعة اندفعوا من البصرة وسنة من لواء الرمادي وعشائر انتدبت أبناءها للقتال، وشيوعيين. قاتلوا في مدينة الجليل وكفر كنة وغزة وشاركوا بأسراب طائرات عراقية وحملوا شعار "القضية المركزية" التي توظفت بين حكام بغداد طوال سنين امتدت من طعنة التفافية يوم هُجّر اليهود من العراق وأسقطت عنهم الجنسية تماشياً مع المشروع الشاذ بين آسيا وأفريقيا.

لم يكن العراقيون الذين استشهدوا في فلسطين عسكراً فقط بل متطوعين من انتماءات مختلفة
قصته مختصرة كحياته التي مرّ فيها بأهله مرات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة. شيوعي من أبناء ذي قار جنوب العراق. يتيم له أخت واحدة ليست من أم وأب. حمل السلاح وقاتل في أفريقيا ضد العنصرية فعاد مصاباً، أو هكذا قيل. غادر بعدها إلى حيث ارتحل معه متطوعو "الأنصار" في الشيوعي العراقي. فسقط شهيداً في مستعمرة تجاور حيفا. وهكذا كان آخر العهد به. فأكمل حياته شهيداً في فلسطين. وتدّثر بتربتها كما أراد. فعاشت قصة استشهاده بين من تناثر وتشعّب من بقايا أهله، كما عاشت فلسطين.

ليست بعيدة عن العراقيين. حلموا بها ودفعوا دماً ثمناً لها. قاتلوا يوم هبت الجموع العربية وسقطوا شهداء في كفر قاسم. زحفوا لتحرير الأرض جموعاً من جيش وألوية متطوعين ولم يعرفوها يوماً أنها مختصة بطائفة منهم وهم أبناء الطوائف المختلفة.  جغرافياً هم أبناء الهلال الخصيب، وتاريخياً هم جزء من الوطن والنكبة والهمّ. 

ليست مفارقة أبداً أن يهبّ العراقيون لذكرى القدس المحتلة، لكنهم لا يكفون لوحدهم. فهم اليوم في مصيبة هم أعلم بها، وثناياها ووضوحها لا يختلفان عن كوارث زحفت على الوطن العربي لإبعاد بوصلته عن فلسطين المحتلة. وهكذا ببساطة جداً فتحت لهم على حين غرة كتب وسير وفتاوى هبّت منها السموم فأشعلت نار حرب بعد احتلال.

لا يقتنع إلا الساذج أن خلافاً شيعياً سُنيّاً ما نحن فيه اليوم. وليس مقنعاً أبداً أن من لبس حزاماً إنما يهدف لنصرة مظلومية. الظلم في فلسطين أوضح ونصرة المظلوم فيها أوجب. فيها يحتل العدو أرضاً فلم يحذره ولم يقاتله إلا ثلة من رجال جاوروا الأرض المحتلة أو كانوا من أهلها. وثلة أخرى تقاتل لتحرير أرض احتلها داعش. لكنها فرقة لا مفارقة أن يضيع الإرث العربي بالسيف والبندقية الموجهة ليكون في كفة ميزان تخف أمام سياسة القبول ببقاء السلطة لفريق خائن حكم العرب. 

يحمل العراقيون سلاحاً لتحرير أرضهم. كما حملوه يوماً بين شعاب الأرض المحتلة. خذل العراقيين حكّامهم يوم اقتربوا وأشقاءهم العرب من إحراز نصر في طرف الهلال الخصيب. دفن العراقيون كغيرهم في فلسطين بعدما رووا أرضها بدمهم. لم يكونوا عساكر فقط، كانوا متطوعين. لم يكونوا إسلاميين فقط، كانوا قوميين. لم يكونوا سنة فقط، كانوا كرداً هبطوا من جبال العراق وشيعة اندفعوا من البصرة وسنة من لواء الرمادي وعشائر انتدبت أبناءها للقتال وشيوعيين. قاتلوا في مدينة الجليل وكفر كنة وغزة وشاركوا بأسراب طائرات عراقية وحملوا شعار "القضية المركزية" التي توظفت بين حكام بغداد طوال سنين امتدت من طعنة التفافية يوم هُجّر اليهود من العراق وأسقطت عنهم الجنسية تماشياً مع المشروع الشاذ بين آسيا وأفريقيا. ويوم طلب منهم وقف إطلاق النار. ويوم تحولت القدس إلى مادة ربطت بحرب الخليج الأولى والثانية. فأساء الحاكمون للقضية وضرب جيل بلوثة سوء. وعم الشر يوم فجر انتحاري من القاعدة نفسه في سوق شعبية عراقية، وهلم جرّا لوجع رأس ربط وعمّم بثرثرة بين عراقي وعراقي حول عربي نسي أرضاً محتلة من إسرائيل فحمل العربي سلاحاً على ابن البلد العربي المحتل. وهكذا كانت المفارقة والفارق. فليست إلا فارقة بوجه التاريخ أن يدعو روح الله الخميني إلى جعل كل جمعة أخيرة من رمضان يوماً مكرساً للقدس، بعد أن تغطى باقي أيام السنة بدعم الرصاص الذي يتفجر في طريق خلاصها الطويل المتشعب قلقاً، المتشعب بدماء وأشلاء من يرون أن سياستنا ديننا وديننا سياستنا وهي مقولة تنفذ بجهد يورث الخلود.

قليلون من أُنصفوا. وقليلون من لم تعصف بهم ألسنة فارغة تتحدث عن الواقعية. وأقل منهم من عَلمَ أن أرق اسرائيل ليس في حاضرها بل في كآبة تاريخها المتأرجح والذي بني على الذل. ولذلك فقد وضع مستذكرو فلسطين ويومها في العراق رأس إسرائيل بين فلقتي سيف، يمدون مشروعاً مسلحاً بدم عراقي عبر فصائل عدة. ويجزون بالفلقة نهاية التاريخ الذي يحويه كتاب التناخ العبري وقصصه وردعه بقصص قرآنية يعيد الثوار ضخ الروح فيها.

الغريب أن فكراً وأطروحات أكاديمية لم تصل يوماً بقراءاتها إلى هذا السر. وكأن التفافاً أريد لنا عبر بروبغندا كبرى ـ أو هكذا كان ـ كيف يمكن لأهل أرض احتلها الأميركيون وطحنت فيها القاعدة وبعدها داعش، فرقت السياسة أهلها شِيعاً، أن يستذكروا فلسطين والأقصى وغزة وأريحا ويافا، وأن يحملوا في شوارع بغداد علم فلسطين جنب ألوية عشائرية ودينية، وكيف رسم هؤلاء علم إسرائيل على الإسفلت ورفعوا صورة مقاتل من القوة 17 وقد تلثم بكوفية إن صح أو وصفت أنها "فلسعراقية".

ليس ذلك غريباً للمنصف. بغداد أعرق عاصمة للعرب. تعثرت بزمانها ولم تسقط. تاهت بين أمزجة حكامها ولم تضيع. فلسطين تنبض بعروق أهل العراق وإن كان قد شغلهم الزمان باحتلال وآثاره، فما زال فيهم من يفخر أن له شهيداً في فلسطين أو في الطريق إليها أو على طريقها.

إن هذا ليست إلا دليلاً على أن فلسطين هي القضية وأن لهيب المعركة مع داعش في بلاد الرافدين لن يُنسي من هو على ساتر المواجهة أن مسرى الرسول سليب وأنه سبق لرجال من العراق أن صوبوا رصاصهم في الاتجاه الصحيح كما أحفادهم اليوم، وأن رجالاً ارتقوا شهداء في طريق قضية آمنوا بها، وأن روح "أبي ذر عبد الواحد مكطوف العامري" ستبقى صوتاً صادحاً حتى يلتحق من غفل من هذه الأمة بمن بقي يقظاً،  يذكرهم بفلسطين والقدس.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً