ما بعد تحرير الرطبة.. الفلوجة وألم الخاصرة

بإمكان من كتب الشعر الحماسي لداعش بأسماء مدن الأنبار أن ينسى المكتوب ويترك اللحن بعد عرس النصر في الرطبة وزغردة البنادق في عكاشات غرب الأنبار وصولا إلى المنفذ الحدودي مع الأردن، أو قد ينتظر حتى يُحسم أمر الفلوجة شرق أكبر محافظات العراق بما عاشه غربها من حسم.

النصر العسكري في الأنبار وتحديد غربها صوب الحدود العراقية الأردنية _ السورية لم يكن سهلا وإن كان سريعاً.
نحرٌ جديد في غرب الأنبار، هذه المرة لم يكن الإنسان فيه ممدا على رمضائها على الأرض، بل كانت تباشير النصر وذبائح عشائرية لأبناء القوات المسلحة 500 كيلومتر من النصر العسكري الناجز انطلاقا من مركز الأنبار صوب هيت والرطبة ومفرق عكاشات الاستراتيجي وبعزل سريع عن داعش في الصحراء وقطع لخطوط إمداده في القائم صوب الحدود مع سوريا، ضاعت معه كتلة تهديد داعش في غرب العراق، ونصف تهديده عند الحدود السورية مع محافظة الأنبار.

النصر العسكري في الأنبار وتحديد غربها صوب الحدود العراقية الأردنية _ السورية، لم يكن سهلا وإن كان سريعاً، فالجبهة واسعة خياراتها كما مساحتها، مظلمة كنهاياتها مع الأفق، باردة تحمل المفاجآت كليلها، والحفاظ عليه كنصر عسكري ليس سهلا أيضا طالما بقي جناح داعش الشرقي في الفلوجة ورايته خفاقة، وهو نصر لن يكتمل قبل تحرير الفلوجة على الأقل، هي ليست نظرة سلبية ولا تشاؤماً لتضييع النصر، لكن خاصرة بغداد مهددة من التنظيم، وخلاياه تروج لنفسها قبل أي عملية، والفلوجة برمزيتها وثقلها لدى داعش هي الهدف كما يقول المنطق العسكري، أو كما يجب. 

في الحسابات الميدانية، لا يمكن أن يغفر أي حساب خاطئ في تحديد الأهمية والأولويات، لأن الثمن سيكون باهظا، ومدفوعاً حين يتوقف القائد لقراءة حساباته ولدراسة الخطأ، لذا فالتوجه لتحرير حزام الفلوجة ومن ثم التحرك لتحريرها، ينطلق من تقدير سليم للموقف الاستراتيجي، أمنيا، عسكريا، سياسيا، لمنع غبار مفخخات داعش أن تعلو ضد المدنيين وتغطي نصر تحرير الرطبة وفتح الحدود وتأمينها مع الأردن.

الحنكة والمهنية العسكرية، وغطاؤها السياسي هو ما يجب أن يؤطر حراكا صوب تحرير الفلوجة، لأن الأمور على الجهة الغربية لبغداد، الشرقية للأنبار أكثر تعقيدا من كل وسائل التبسيط التي ترى في المعارك عددا متقدما على القدرة، والقدرة هنا ودوما سياسية أكثر منها تسليحية، وأيضا على استعداد أهل الفلوجة لدور يزيح عنهم داعش وآلته العسكرية، وسُنتّهُ المأساوية، ويحتاج الأمر لمراجعة حقيقية لمسيرة التعامل والاندماج الذي أريد لأهل الأنبار أن يعيشوه والتي تبدّل فيه المقاولون القدامى إلى مجاهدين بحسب التوصيف والمرتبة السلفية، التي احتضنت عساكر وأمن النظام ما قبل 2003 وما بعدها، ليكونوا إخوة في جهاد مع القاعدة ومجلس شورى المجاهدين والمجلس العسكري ثم داعش! ومثلما يطلق أصحاب الرايات السلفية السوداء تسمية الفتح على مناطق تغذيهم بالصمت عنهم والسلاح بسبب القربى العرقية والكراهة لمن يوقع بالقلم الأحمر ببغداد والذي ينظرون إليه كما يرجون سابقا، تابعا لا رئيسا، فإن فتح الفتوح سيكون أكثر رمادا وروائح جلود متفحمة، إن لم يتعاون أهل الدار مع إخوة الدم والأرض. 

إن استلاب واستهلاك أجيال العراق بأكثر من حرب لكل جيل واحد تجعل السلاح يدا ثالثة لكل شخص وتسكن النفوس عطشى لمعارك تصفية الحسابات، فلمن لا يعرف كيف يفكر المتشدد العراقي أو كيف تحول تفكيره خلال العقود الضاغطة الماضية، عليه أن يراجع بيانات القوى التي تمسك شوارع الأنبار قبل التحرير كما تمسك فضة الخاتم العقيقة، قوى ينساب خلفها أصحاب السلاح بنداء واحد فتتبدل مشاهد المدنية في المدن والفلاحية في القرى إلى اللون الكاكي والكلاشنيكوف بقدرة ساحرة، وعند مراجعة بيانات تلك القوى، تجدها تحوي فراغين كما أي امتحان، فراغ يملؤه اسم عدوها العشائري، وفراغ يترك احتياطاً لأي عدو يراد أن يوضع في خانة الأعداء فجأة.

أما الفراغ الحالي الذي يحول دون شد حزام حديد يقي بطن بغداد من كي على الخاصرة الغربية، هو البطاقة الحمراء التي ترفعها واشنطن ضد فتح الفلوجة، ومثلما يقترب دجلة من الفرات جنوب بغداد والفلوجة لأربعين كيلومترا ويتنافران، فإن المجال التنافري بين البيت الأبيض وبغداد في أبشع صوره غرب العاصمة العراقية وبشكل لم يؤطر له اسم سياسي بعد حتى الآن، وفيما تتدارس أطراف رسمية تقدم نفسها لاعبا أساسيا في عراق اليوم، تستعجل أطراف عراقية أخرى، قريبة من التحالف الحاكم، بعيدة عنه في الميدان لأن تنهي ألم الخاصرة وتهديداته، والأيام بيننا.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً