تخصيب رئيس لبناني

في المشهد العام نجح الجميع بقصد أو من دون قصد في كسر الاصطفافات الداخلية، المسيحية بنحو رئيسي منها. اندثرت رئاسيا حالة 8 و14 من آذار وأضحى الصراع شخصيا، بين رجلين كانا حليفين حتى العظم.

مجلس النواب اللبناني
نجح زعيم القوات اللبنانية سمير جعجع في رسمه مشهد الإيثار بترشيحه غريمه التاريخي ميشال عون للرئاسة اللبنانية، أراد القول إنه صاحب القول الفصل وهو وإن لم يلج باب الرئاسة فقد حظي بلقب صانع الرئيس، ومن يدري فربما يكون الثمن لاحقا رئاسة مؤجلة وإلى ذلك الوقت حصة وازنة في أي حكومة لبنانية مقبلة، بغض النظر عن رئيسها وظروفها وكل التفاصيل المتعلقة بها. كثرٌ أّثّر فيهم مشهد الترشيح في مقر جعجع قبل أيام إلى درجة أنهم كتبوا في الرجلين ما لم يكتبه مالك في الخمر. فأخيرا توحد الجزء الأكبر من المسيحيين في لبنان وإن لم يتفقوا حقا على التفاصيل الأهم، لكنهم في نهاية المطاف صافحوا بعضهم بعضا وقرروا الإبحار، مع التيار أو عكسه، في بحر غير مضمون على قاعدة استثنائية أنا وغريمي على حليفي وغريمه، وهنا المقصود المرشح الرئاسي الآخر سليمان فرنجية ورئيس الحكومة اللبنانية الأسبق سعد الحريري.  في المشهد العام نجح الجميع بقصد أو من دون قصد في كسر الاصطفافات الداخلية، المسيحية بنحو رئيسي منها. اندثرت رئاسيا حالة 8 و 14 من آذار وأضحى الصراع شخصيا، بين رجلين كانا حليفين حتى العظم، ومن خلفهما رجلان آخران كانا أيضا في حلف معمد بالدم، أو هكذا كان يُراد للبسطاء أن يقتنعوا كدأبهم في لبنان على مدى العقود الماضية ليبقوا حطبا في موقد السياسة التي رأت من قبل خصوما آخرين، غارقين في دمائهم حتى الأذنين، يغسلون الأيدي وضوءا ومن ثم يتصافحون وكأن شيئا لم يكن. في إعراب المشهد، ميشال عون حليف حزب الله المتحالف مع سوريا يتحالف مع سمير جعجع حليف سعد الحريري المتحالف مع السعودية في مواجهة سليمان فرنجية المتحالف مع سوريا وغريم جعجع وحليف حزب الله المتحالف مع الحريري غريم حزب الله. نعم المشهد هو إلى هذا الحد معقد، إلى درجة أنه عصي على الإعراب، بل يجوز فيه القول إنه لم يعد مفهوما حقا من حليف من، ورصاصة من في بندقية من. حتى اللحظة وبحساب كل التحالفات الظرفية ليس واضحا ما إذا كان في الأفق رئيس جديد للبلاد، الأرقام تعطي الأفضلية لسليمان فرنجية على حساب عون، لكن الارقام هي آخر ما يحتسب في بلد كلبنان. الفيتو هو الذي يحكم هنا ومن بيده ورقة الفيتو بإمكانه إبقاء البلاد على حالها لمئة عام ما دامت أسباب الفيتو لم تنتف. وقرار الفيتو لمن لا يعرفون لبنان جيدا يحمله عادة ممثلون محليون عن جهات إقليمية نافذة، بعضها يُفوّض وبعضها الآخر يفضل أن يعمل بيديه. في الحالة التي أمامنا اليوم انتفاء الفيتو يفترض مجيء ميشال عون رئيسا، ولكي يحصل ذلك فلا مفر من طرق باب سليمان فرنجية الذي سيحظى في حال موافقته على لقب صانع الرئيس بدل جعجع. لكن موافقة فرنجية وترشيحه عون لن يعنيا بالضرورة حصول الأخير على أكثرية تمكنه من الفوز بالرئاسة، لكنهما من دون شك سيؤمنان أكثرية مسيحية تسمح لمتبني ترشيح الجنرال بالقول إنه يحظى عمليا ونظريا بدعم أكثرية المسيحيين وهكذا سيكون في الإمكان وضع جميع الأوراق على الطاولة للاتفاق على مرحلة ما بعد انتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة والتزامات الرئيس تجاه من أوصلوه إلى الرئاسة وهم كثر، ومسار الرئاسة بين حقول الألغام الإقليمية. هذه وحدها تحتاج إلى معجزة بمستوى معجزة ترشيح جعجع لعون لتخطيها. تعقيد المشهد يجعله لبنانيا بامتياز، فهو رغم غرابته سيسمح للجميع في نهاية المطاف، على افتراض أن المعجزة الأخرى حصلت،  بالقول إنهم انتصروا بتحقيق إنجاز يضاف إلى السجل الذهبي للانتصارات السياسية اللبنانية. فسعد الحريري سيعود حليفا لجعجع بمجرد ان تنتهي قضية الرئاسة مهما طال الزمن، وسيكون في إمكانه أن يعتز بأن فريقه السياسي، الرابع عشر من آذار، حصل على حصة وازنة في الحكومة وحظي برئاستها بغض النظر عن موقع رئيس الجمهورية الذي سيكون عندها بالنسبة إلى هذا الفريق موقعا بروتوكوليا لا أكثر. أما سليمان فرنجية وإن كانت علاقته بعون تأثرت في مرحلة ما، فهو وفي حال ترشيحه عون سيعود إلى الرابية حليفا قويا عزيزا،  وفريق الثامن من آذار بقيادة حزب الله سيحتفل بتمكنه من انتزاع موقع الرئاسة، الذي بغض النظر عن صلاحياته المحدودة، يبقى رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن. باختصار هي إعادة إحياء لقاعدة اللاغالب واللا مغلوب، المُسكّن الأفضل للصداع اللبناني الأبدي.