الأخوة الأعداء: النهضة ونداء تونس ويوسف الشاهد

من جهة أخرى أعلن يوم 27 آب/أغسطس عن تشكيل كتلة برلمانية جديدة تضمّ كلاً من نواب الاتحاد الوطني ومستقلين وآخرين مستقيلين من كتلتي حركتي مشروع تونس ونداء تونس ونائبين من كتلة آفاق تونس، ورغم ما أكّده طارق  الفتيتي أنّ هذه الكتلة الجديدة ليست لها أية علاقة برئيس الحكومة يوسف الشاهد، إلا أن الناطق الرسمي باسم الكتلة الجديدة مصطفى بن أحمد أكّد أن الكتلة ستساند مختلف السياسات والبرامج الحكومية شريطة أن تكون سياسات توافقية مبنية على الاستشارات الواسعة.

تصريح الشاهد وضع رئيس الجمهورية في موقف محرج

يفسّر البعض على أن تفكّك حزب نداء تونس إلى ثلاثة أحزاب هو نتيجة رئيسية للتوافق بين حركة النهضة ونداء تونس بالنظر إلى رفض شق من الحزب لهذا التوافق بعيد انتخابات 2014. لكن هذه النتيجة الثقيلة لم تكن لتشفع لولادة توافق قوي، فلم تكد الحكومة الثانية برئاسة يوسف الشاهد تُمسِك بزمام الأمور حتى لاحت تصدّعات كبيرة في هذا التوافق بداية بالحرب على الفساد ثم الانتخابات الجزئية بألمانيا، ثم الانتخابات المحلية الأخيرة والتي على إثرها صرّح نداء تونس ولأول مرة بطريقة رسمية عن نهاية هذا التوافق رغم تمسّك النهضة به. لكن الخلاف حول حكومة الشاهد التي يطالب نداء تونس بتغييرها وتحظى بدعم النهضة حوّل الوضع من توافق إلى حرب خفية أخرجها للعلن نداء تونس رغم محاولات النهضة لإخفائها والالتزام بموقف دبلوماسي يؤكّد على إستمرار التوافق كحل وحيد لتجاوز الأزمة التي تعيشها تونس. نداء تونس الفائز في انتخابات 2014 أكّد أن هذه الحكومة لا تمثله ولا يعتبر مشاركاً فيها ويسعى من الجهة الأخرى إلى تكوين جبهة جديدة تكون قادرة على تعويض التوافق من حيث القوّة البرلمانية.

"الذين يسيّرون حزب نداء تونس وعلى رأسهم حافظ قايد السبسي والمحيطون به دمّروا الحزب ودفعوا الكثير من الكفاءات والمناضلين الصادقين لمغادرته"، هكذا أعلن يوسف الشاهد الحرب على نجل الرئيس والمدير التنفيذي لحزب نداء تونس حافظ قايد السبسي من خلال كلمة بثّها التلفزيون الرسمي التونسي، تصريح أجّج حرباً كانت مشتعلة. لكن الشاهد لم يكن ليقول كلماته تلك لو لم يكن يحظى بدعم أكبر الأحزاب في تونس، حركة النهضة. تصريح الشاهد وضع رئيس الجمهورية في موقف محرج إما أن ينأى بنفسه عن هذه التجاذبات أو يخضع لمشاعر الأبوة وهو ما حصل فعلاً بعد ما طالب الشاهد بالاستقالة في حوار متلفز وهو ما أفقده دور الوسيط الذي لطالما لعبه في التجاذبات السياسة مع جميع الأطراف، بل وصل الأمر  بأحد قيادات نداء تونس وهو خالد شوكات إلى القول أن الشاهد إبن عاق للسبسي وأن السبسي يشعر بالندم لتعيينه. لكن الدفاع المستميت للنهضة على حكومة الوحدة الوطنية جعل الشاهد في موقف مريح.

لكن مساندة النهضة للشاهد لم تكن لتمر من دون عقاب، فبعد الجدل الذي أحدثه تقرير لجنة الحريات قال رئيس الجمهورية في خطاب بمناسبة عيد المرأة "سنمرّر قانون المساواة في الميراث إلى المجلس ونعوّل على النهضة للمصادقة عليه". كرة من النار اتجهت صوب حركة النهضة. حركة النهضة التي نظّمت مؤتمراً خاصاً من أجل فصل النشاط الدعوي عن السياسي والتي ما انفك قادتها يؤكّدون على أنهم حزب مدني، تمكّنت من تجنّب حقول  الألغام من خلال الالتفاف وعدم إعطاء موقف واضح من بعض التطوّرات وجدت نفسها ملزمة بموقف واضح من مبدأ "المساواة في الميراث". فإن هي قبلت به ستخسر قواعدها وإن هي رفضته ستعود إلى المربع الأول وتصبح في نظر أعدائها السياسين حركة إسلامية وليس سياسية مدنية.

البيان الختامي مجلس شورى حركة النهضة ييدو أنه قرّر عدم التضحية بالقواعد الانتخابية من خلال رفض مقترح المساواة في الميراث وجاء فيه "قرّر مجلس شورى حركة النهضة التمسّك بنظام المواريث كما ورد في النصوص القطعية في القرآن والسنّة" موقف سيفتح أبواب جهنّم على النهضة مثلما قال أحد المتابعين للشأن السياسي. لكن البيان الختامي تضمّن أيضاً التمسّك بالتوافق الذي هاجمه المدير التنفيذي لحزب نداء تونس بالقول "الحديث عن التمسّك بالتوافق مع رئيس الجمهورية وحزب رئيس الجمهورية أمر لا يستقيم ولا يمكن أن يكون إلا عبر سياسات واقعية ومواقف واضحة وفعلية وليس مجرّد وقوف على الأطلال لم يعد مفهوماً في ظل تصريحات متناقضة وفي ظل تناقض بين القول والممارسة ومواقف متبدّلة كلما تبدّلت تقديرات موازين القوى".

موقف حركة النهضة غير الواضح من مسألة التوافق "تقف في وجه النداء من جهة لدعم يوسف الشاهد الذي يسعى حزبه للإطاحة به وتتحدّث عن التوافق في جميع بياناتها الرسمية" جعل الناطق الرسمي بإسم نداء تونس منجي الحرباوي يحمّل حركة النهضة نتائج الانهيار الاقتصادي و"الانهيار الاجتماعي المرتقب"، الحرباوي قال أيضاً "موقف حركة نداء تونس هو موقف تلتقي فيه الحركة مع الاتحاد العام التونسي للشغل والعديد من الأحزاب الفاعلة في الساحة السياسية والعديد من الهياكل الوطنية الفاعلة الذين يرون أن البلاد تحتاج إلى تغيبر شامل في الحكومة ، وهذا الكلام نقوله منذ بداية سنة 2018 "، موقف جعل نداء تونس يبحث عن ميدان آخر و توافق آخر تحضيراً لمعركة أخرى، حيث سرت بعد الانتخابات البلدية اتصالات بين نداء تونس   وبعض القيادات القديمة في نداء تونس مثل رضا بالحاج و محسن مرزوق. اتصالات تجسّدت اليوم في لقاء رئيس الجمهورية  الذي فقد دور الوسيط برئيس حزب مشروع تونس محسن مرزوق  وفي تصريحات القيادي بحزب تونس أولاً المنادية باستقالة الحكومة.

من جهة أخرى أعلن يوم 27 آب/أغسطس عن تشكيل كتلة برلمانية جديدة تضمّ كلاً من نواب الاتحاد الوطني ومستقلين وآخرين مستقيلين من كتلتي حركتي مشروع تونس ونداء تونس ونائبين من كتلة آفاق تونس، ورغم ما أكّده طارق  الفتيتي أنّ هذه الكتلة الجديدة ليست لها أية علاقة برئيس الحكومة يوسف الشاهد، إلا أن الناطق الرسمي باسم الكتلة الجديدة مصطفى بن أحمد أكّد أن الكتلة ستساند مختلف السياسات والبرامج الحكومية شريطة أن تكون سياسات توافقية مبنية على الاستشارات الواسعة. كتلة جديدة بـ34 نائباً عددهم مرشّح للارتفاع وضعت حركة النهضة في موقف صعب كونها ليست الداعم الوحيد ليوسف الشاهد، ووضعت نداء تونس في موقف صعب أيضاً  لصعود منافس ثان إلى جانب حركة النهضة.

على الجانب الآخر قال عبد الكريم الهاروني رئيس مجلس شورى النهضة إن الحركة ستواصل دعمها للشاهد فقط في حال تفرّغ للعمل الحكومي، وأكّد أن الشاهد يعي جيّداً "نصيحة" حركة النهضة وموقفها، الترشّح إلى الانتخابات هو حق دستوري لذلك سعى الهاروني إلى مفرد "نصيحة" من أجل إضفاء مزيد من الدبلوماسية والمرونة، ولكن هذه النصيحة هي في عمقها ابتزاز "إما أن تقلع عن فكرة الترشّح للرئاسة ونساندك بكل قوة، أو أن تترشّح ونتركك وحدك في مواجهة خصومك". النهضة التي دافعت باستماتة عن الشاهد تشعر بتوجّس اليوم خوفاً من طعنة في الظهر من الشاهد نفسه.

نداء تونس لا يزال يطالب الحكومة بالاستقالة ويسعى إلى تشكيل جبهة جديدة كبديل للتوافق، وعلى الجانب الآخر تتكوّن كتلة جديدة تقول مصادر من داخل الكتلة إنها لمساندة يوسف الشاهد، و بينهما تقف حركة النهضة متوجّسة من نداء تونس الذي يسعى لإيجاد توافق جديد والاستغناء عنها ومن طموحات الشاهد الرئاسية في انتخابات 2019، مثلّث التوجّس يسيطر على أضلاعه جو من عدم الثقة لكن الذي لا لُبس فيه أن المشهد السياسي يعيش تغييرات ستحدّد نتائج انتخابات 2019.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
عبد السلام هرشي

كاتب وصحافي تونسي

إقرأ للكاتب

دعوة السراج: مبادرة إنشائية في ساحة حرب

بالنظر إلى ما تعيشه طرابلس اليوم وما يحصل في الميدان عسكرياً بين قوات حكومة الوفاق وقوات الجنرال...

فلسطين ستبقى القضية المركزية

تعيش تونس منذ سنوات على جدل ما يُسمّى بتجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني خاصة بعد ظهور مؤشّرات...

تونس: 218 حزباً في انتظار الانتخابات القادمة

قبل الثورة بأكثر من 50 عاماً لم يكن الجو مساعداً لبروز أحزاب معارضة للحزب الحاكم في تونس، دأب...

الإرهاب يضرب مُجدّداً أبرياء الريف التونسي

قبل أسبوع تمكّنت وحدات من الحرس الوطني و الجيش من العثور على جثة الراعي الشهيد مختار عاشور،...

معركة طرابلس: جولة أخرى من صراع الأوروبيين وصراع الخليجيين

تُعتَبر معركة طرابلس جولة أخرى من صراع حكومة الوفاق وقوات المشير خليفة حفتر، وجولة أخرى من صراع...

قمّة تونس : مخرجات مُكرَّرة لا ضمانات لتنفيذها

في نفس الشهر الذي انعقدت فيه قمّة تونس و قبل 16 عاماً انعقدت القمّة العربية في شرم الشيخ، كان...