موسكو على الحافّةِ.. بين إهاناتِ "الصبر الإستراتيجي" وخطر الحرب المفتوحة

لعبة الوقت في إدلب لم تَرقْ، كما لا حظنا في مقال سابق، لإسرائيل التي تُدرِك هي أيضاً أهمية الوقت وتأثير نتائج الانتخابات الأميركية على مُجريات الحرب في سوريا، فكانت غارتها الجوية الأخيرة في اللاذقية بمثابة إعلانٍ صريحٍ عن رغبتها في إعادة خلط الأوراق على الأرض وبالتالي الإفادة إلى أقصى الحدود من الصبر الروسي، والإفادة من جهةٍ أخرى من التغطيةِ الأميركية المُطلَقة لعملياتها الجوية، فضلاً عن ضغطِ دول عربية من أجل أن تُعرقل إسرائيل خروج سوريا من الحرب بشروط محور المقاومة.

تنطوي منظومة أس 300 على تطوّر أساسي في الحرب على سوريا

في لقاءٍ خاصٍ في إحدى العواصمِ الأوروبية، حضَره معنيّون بالحرب السورية ، أجاب مسؤولٌ روسيٌ رفيع المستوى عن سؤالٍ حول مصلحة روسيا في التوقيع على اتفاق النقاط العشر الذي جمَّد الهجوم السوري على إدلب قائلاً "نريد كِسْب المزيد من الوقت لنا وللأتراك" وأضاف "هم يخترقون تنظيم أحرار الشام ويمكنهم الضغط على عناصره للانسحاب من المحافظة". أما الوقت بالنسبة لروسيا فهو يتعلّق باستحقاق الانتخابات الأميركية المقبلة التي يمكن أن تترك تأثيراً مهماً على الموقف الأميركي من الحرب على سوريا لجهة تدعيم الخيارات التي تعتمدها إدارة ترامب، أو الضغط من أجل حملها على انتهاجِ سياسةٍ خارجيةٍ أخرى.

الواضح أن أتفاق إدلب لا ينصُّ على فترة زمنية مُحدَّدة، إلا ما يَتّصل بسحب السلاح والمسلّحين، وفتح الطُرقات الواصلة بين المدن السورية الكبرى، إلى حلب واللاذقية وضمان انسحاب المجموعات الإرهابية منها، وهذا يعني أن موسكو تُراهِن أيضاً على الاتفاق بوصفه فرصةً للتخلّص من الأسلحة الثقيلة للمُنظّمات المُتطرّفة، وسحبها من أراضٍ بعمقٍ يُقدَّر بعشرات الكيلومترات باتجاه الحدود التركية.

لعبة الوقت في إدلب لم تَرقْ، كما لا حظنا في مقال سابق، لإسرائيل التي تُدرِك هي أيضاً أهمية الوقت وتأثير نتائج الانتخابات الأميركية على مُجريات الحرب في سوريا، فكانت غارتها الجوية الأخيرة في اللاذقية بمثابة إعلانٍ صريحٍ عن رغبتها في إعادة خلط الأوراق على الأرض وبالتالي الإفادة إلى أقصى الحدود من الصبر الروسي، والإفادة من جهةٍ أخرى من التغطيةِ الأميركية المُطلَقة لعملياتها الجوية، فضلاً عن ضغطِ دول عربية من أجل أن تُعرقل إسرائيل خروج سوريا من الحرب بشروط محور المقاومة.

ما كان بوسع روسيا إزاء اعتداء اللاذقية، أن تواصل التزام "الصبر الاستراتيجي" المستمر منذ العام 2015 تاريخ تدخّلها في سوريا وذلك للأسباب التالية:

أولاً: كانت الغارات الجوية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة تطال البنية التحتية للجيش السوري وهو ما كشفه الرئيس بشّار الأسد في لقائه الأخير مع بوتين، وما أكّده الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله في آخر خطبه حين قال إن البنية التسليحية للحزب قد اكتملت، وإن إسرائيل تضرب الجيش السوري وليس قوافل الأسلحة  المزعومة للحزب، وما أكّدته أيضاً الأنباء المنشورة عن المصنع المُستهدَف في اللاذقية (يُنتِج قِطَع غيار للصواريخ والراجمات السورية) ، ومن غير المفهوم لماذا تسمح روسيا بأن تُضْرَبُ البنية التحتية للجيش السوري بطائراتٍ حربيةٍ إسرائيليةٍ تمرّ فوق  قواعد روسيّة توفّر الدعم والتسليح للجيش السوري نفسه.

ثانياً: لم يَرق للروس توقيت الغارات الإسرائيلية بعد اتفاق إدلب، في اللاذقية، وعلى مقربة من القاعدة الجوية الروسية في حميميم ، الأمر الذي ينعكس سلباً على علاقة العسكريين الروس على الأرض مع زملائهم السوريين الذين يتطلّعون نحو روسيا بوصفها حليفاً وليس طرفاً يُراعي التوازن بين إسرائيل ومحور المقاومة.

ثالثاً: يتناسب إيقاع الغارات الجوية الإسرائيلية المُتسارِعة داخل الأراضي السورية، مع كلامٍ نسبته صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية مطالع سبتمبر ــــــ أيلول الجاري لمسؤولٍ رفيع المستوى في إدارة ترامب قال فيه إن الاستراتيجية الأميركية تجاه سوريا تقضي بخلق "بؤَر دائمة للتوتّر" لإطالة أمَد الحرب وإشغال السوريين والروس والإيرانيين فيها إلى أجلٍ غير مُسمَّى، وحتى يُتاحُ الخروج من الحرب بشروطِ أميركا وحلفائها. إن الحؤول دون  إعادة بناء الجيش السوري كما يُفهَم من الغارات الإسرائيلية التي تستهدف بُناه التحتية، هو الطريق الأقصر لتأجيج بؤَر التوتّر في هذا البلد ، وهذا لا يتناسب أبداً مع الاستراتيجية الروسية التي تنصّ صراحةً على القضاء على تلك البؤَر والتوصّل إلى سلامٍ على مسار المفاوضات في سوتشي وأستانة.   

رابعاً: ما كان بوسع الروس التزام الصمت على إهانة قواتهم الجوية بالتسبّب بسقوط طائرة اليوشن 20 والاستخفاف بهم عبر إبلاغهم عن الغارة قبل دقيقة من وقوعها وعبر تضليلهم حول وجهتها.

خامساً: حطّمت الغارة الإسرائيلية آخر ما تبقّى من احتياط الصبر الاستراتيجي الروسي، ابتداء من إسقاط الطائرة الحربية الروسية من طرفِ تركيا، مروراً بإرسالِ ترامب 59 صاروخاً العام الفائت إلى مطار "سي فور" في حمص، ومن ثم الغارة الثلاثية الربيع الماضي بعد خِدعة كيماوي الغوطة، وصولاً إلى طائرةِ اللاذقية. لذا كان لا بدّ من الردّ إما عبر إقفال الأجواء السورية على الطيران الأجنبي بما في ذلك الإسرائيلي ، وهذا يعني الانتقال من موقع الطرف الذي يحفظ التوازن بين سوريا وأعدائها إلى الطرف الشريك لسوريا بمجابهة كل أعدائها ، وهو ما لا يدخل في حسابات بوتين الاقليمية والدولية، ولا يريده خصوصاً في هذا الوقت قبل الانتخابات الأميركية ولأنه ما زال يراهن على التزام ترامب بسحب القوات الأميركية من أقصى الشرق السوري، كما وعده في  قمّة هلسنكي.

 لقد اختار بوتين تزويد الجيش السوري بصواريخ أس 300 التي يمكن أن تساعد دمشق في ردع الضربات التي تستهدف بُنى جيشها التحتية ومطاراتها وحماية القسم الأكبر من أجوائها، عِلماً أن هذه المنظومة المدعومة بأجهزةِ تشويشٍ الكترونية رفيعة المستوى، لا تُلغي الاعتداءات بل تجعلها أكثر صعوبة بكثير من ذي قبل، وتُنهي مرحلة الاستباحة السهلة للمجال الجوي السوري.

في السياق تنطوي منظومة أس 300 التي يحتاج الجيش السوري إلى بعض الوقت لاكتساب مهارة استخدامها، على تطوّر أساسي في الحرب على سوريا، ليس فقط لكونها تنقل المشاركة الروسية في هذه الحرب من موقعِ التوازن إلى موقعٍ أقرب إلى دمشق وأبعد قليلاً عن إسرائيل والغرب ، بل وتؤكّد على عزم موسكو عدم التهاون بموقعها الدولي كقوّة عُظمى. ولعلّ هذه المبادرة ستحمل إسرائيل على عضّ أصابعها جرّاء استخفافها بكرامة العسكريين الروس طيلة الفترة الماضية .

بالمقابل من المرجَّح أن تُفضي هذه الخطوة إلى توسيع التعاون بين موسكو وبكين التي تخشى من انتقال 20 ألف إيغور من الجهاديين المُتشدّدين بمساعدة الأتراك والمخابرات الأميركية إلى  الحدود الصينية ، وبالتالي إقفال طريق الحرير الثانية التي تريدها بكين بولفاراً عالمياً تدشِّن به في السنوات المقبلة تربّعها على قمّة الاقتصاد الأول والأكبر والأهم في هذا العالم.

ومن غير المُستبعَد أن تؤدّي هذه الخطوة النوعية إلى ردودِ فعلٍ من الطرازِ نفسه من أميركا وحلفائها الذين ربما لن يقبلوا بالخروجِ من الحربِ السورية مهزومين وليس بحوزتهم سوى خفي حنين.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
فيصل جلول

باحث لبناني مقيم في فرنسا

إقرأ للكاتب

صفقة معطوبة

لم يحترمْ جاريد كوشنير تمامَ شهر رمضان المبارك للإعلان عن صفقة القرن، عندما سرّبَ البند الأبرز...

كلام الحرب في الخليج لا يمكن أن يبقى حبراً على ورق

لا يمكن لكلام الحرب في الخليج أن يبقى إلى الأبد حبراً على ورق. الوقت محسوب بدقّة بالنسبة...

خطأ عفوي يشعل الشرق الأوسط ومعجزة تجَنِّبه الحرب

وبين الأسباب الموجِبة والأسباب النافية للحرب تبقى احتمالات يصعب ضبطها كأن يضغط المُتطرِّفون في...

غزة تلوح بالردع الإسرائيلي المتآكل على مقربة من صفقة القرن

 لا تستطيع إسرائيل احتلال قطاع غزّة، ولا تستطيع تلبية مطالبه. ولا تريد التفاوض حول مطالب سياسية...

فرص الحرب والسلام في سوريا تستقر في إدلب

الراجِح أن الولايات المتحدة الأميركية ومَن معها، تريد تثبيت مناطق نفوذ في أقاصي شرق وشمال سوريا....

خياراتُ واشنطن في المُجابهة مع إيران.. أحلاها مُرّ

الردّ الإيراني جاء موازياً على لسان القادة العسكريين حيث أكَّد قاسم سليماني قائد فيلق القدس...