حسني محلي

باحث علاقات دولية ومختصص بالشأن التركي

إجراءات إردوغان المحتملَة للفوز بمعركة إسطنبول

يبقى الرهان على ما سيفعله وسيقوم به إردوغان خلال الأيام القلية المقبلة لضمان فوز مرشحه بن علي يلدرم مئة بالمئة وعدم تسليم بلدية إسطنبول لأكرم إمام أوغلو الذي اكتشف خلال فترة وجوده القصير في البلدية ما لا يمكن للعقل أن يصدقه من قضايا فساد خطيرة.

  • لافتة تحمل صورة كل من إردوغان ويلدريم تتوسطهما عبارة "شكراً اسطنبول" بعد خسارتهما الانتخابات / أ.ف.ب

كما كان متوقعا وبعد ٣٦ يوماً من إجرائها رضخت الهيئة العليا للانتخابات إلى ضغوط الرئيس إردوغان وألغت انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول التي جرت في ٣١ آذار/مارس الماضي. واتهم زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو أعضاء الهيئة السبعة الذين صوتوا مع الالغاء بانهم عصابة تأتمر بأوامر الرئيس إردوغان. ووصفت الأوساط الحقوقية قرار الهيئة بانه خطير جداً وقضى على استقلالية القضاء لأنه لا يستند الى أيّ حجج دستورية وقانونية بل وحتى أخلاقية، ولأنه لأول مرة شارك الأعضاء الاحتياط الأربعة في عملية التصويت وهو ما يخالف النظام الداخلي للهيئة.

ألغت الهيئة العليا انتخابات رئاسة بلدية استانبول فقط بحجة أن البعض من اللجان الانتخابية التي أشرفت على الانتخابات لم تكن قانونية، بينما لم تلغِ انتخابات أعضاء المجلس البلدي وانتخابات رؤساء البلديات الفرعية وكذلك مختاري الأحياء علماً أن الناخب يضع بطاقات الاقتراع الأربعة في ظرف واحد وأمام نفس اللجان الانتخابية التي قيل بأنها غير قانونية وهي التي قامت بفرز وتعداد البطاقات الخاصة برئاسة البلدية لكنها تصبح قانونية بعد دقيقة عندما قامت بتعداد البطاقات الثلاث الاخرى! دون أن يكون هذا القرار العجيب والغريب كافياً بالنسبة للمعارضة التي المكبّلة الأيدي لأن الهيئة العليا هي أعلى سلطة قضائية في موضوع الانتخابات.

بدأ الحديث مبكراً عن احتمالات الغائها مرة أخرى في حال فوز أكرم إمام أوغلو من جديد. ولا تستبعد أوساط الرئيس إردوغان أن يلغي هذه الانتخابات حتى قبل اجرائها واذا اثبتت استطلاعات الرأي التي يجريها باستمرار أن إمام أوغلو سيفوز فيها على الرغم من كل الإجراءات والتدابير التي سيتخذها لمنع هذا الفوز الذي يبدو أنه سيكون مؤكداً في ظل المعطيات الحالية التي سيسعى إردوغان إلى تغييرها لمصلحة مرشحه خلال الأيام القادمة.

تتحدث المعلومات في مثل هذه الحالة عن سناريوهات كثيرة ومنها انفجار الوضع الأمني داخلياً وقيام انقرة بمغامرات عسكرية خارجية في شرق الفرات أو في موضوع إدلب وأخيراً في قبرص حيث التوتر بسبب تنقيب القبارصة اليونانيين عن الغاز في جنوب الجزيرة . وتتحدث الأوساط السياسية عن سناريوهات أخرى قد يلجأ اليها الرئيس إردوغان في آخر لحظة لضمان فوز مرشحه بن علي يلدرم ومنها احتمالات المصالحة مع حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني الذي قطعت أنقرة العلاقات مع زعيمه صالح مسلم صيف ٢٠١٥ بعد أن رفض التمرد على الرئيس الاسد.

في هذا السياق سمح إردوغان يوم 6 من الشهر الجاري إلى محامي عبد الله أوجلان لزيارته في السجن الذي يقبع فيه منذ شباط/فبراير ١٩٩٩ بعد أن منعت السلطات زيارته منذ العام ٢٠١٥. بعض التوقعات تشير إلى أن يُخلي إردوغان وفي آخر لحظة سبيل عبد الله أوجلان لوضعه تحت الإقامة الجبرية خارج السجن مقابل أن يمنح أنصاره أصواتهم البالغة حوالي ١،٢ مليون ناخب إلى مرشح العدالة والتنمية الذي حظي بتأييد ٨٠٠ الف ناخب من أنصار دولت باخشالي زعيم حزب الحركة القومية الذي يبدو أن إردوغان قد سئم من مقولاته القومية التي كانت أحد أسباب هزيمة حزب العدالة والتنمية في اهم ٣١ ولاية من ولايات تركيا ومنها إسطنبول.

المعروف أن إردوغان لم ولا يمكن له أن يتقبل الهزيمة في إسطنبول وإذا تكررت في ٢٣ حزيران/يونيو المقبل، سوف يجد نفسه في وضع صعب لا يحسد عليه خاصة مع المعلومات التي بدأت تتحدث بكثافة عن تحركات الرئيس السابق عبد الله غول الذي يتصيّد الفرص للانتقام من إردوغان ويقول عنه بأنّه دمر كل شيئ تأسس من أجله حزب العدالة والتنمية قبل ١٨ عاماً.

يتفق الكثيرون مع غول في رأيه هذا ويقولون إن العدالة والتنمية لم يعد الحزب الذي كان نموذجاً اسلامياً معتدلا في نظام ديمقراطي علماني ساعد اردوغان على كسب شعبية واسعة داخل تركيا وفي العالمين العربي والإسلامي ولكنه تخلى عن ذلك بعد ما يسمى بالربيع العربي الذي دفعه لانتهاج سياسات خطيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي بكل تناقضات هذه السياسات التي خلقت لتركيا الكثير من المشاكل السياسية والعسكرية الاقتصادية والمالية الخطيرة.

وضعت هذه السياسات إردوغان أمام تحديات صعبة جداً بعد انتخابات نهاية آذار/مارس وانتصار أكرم إمام أوغلو الذي تحول خلال فترة قصيرة إلى زعيم سياسي ذي شعبية كبيرة ستكفيه لمنافسة إردوغان في المستقبل أيّاً كانت نتائج انتخابات ٢٣ حزيران/يونيو المقبل. يدفع ذلك إلى لحديث مبكراً عن منافسة قادمة بين إردوغان وإمام أوغلو في أقرب انتخابات رئاسية لن تكون بعيدة بسبب الوضع الداخلي والخارجي الذي سيسعى اردوغان لمعالجته بأسرع ما يمكن، وإلا فالمستقبل لا ولن يكون سهلا بالنسبة له.

ويبقى الرهان على ما سيفعله وسيقوم به إردوغان خلال الأيام القلية المقبلة لضمان فوز مرشحه بن علي يلدرم مئة بالمئة وعدم تسليم بلدية إسطنبول لأكرم إمام أوغلو الذي اكتشف خلال فترة وجوده القصير في البلدية ما لا يمكن للعقل أن يصدقه من قضايا فساد خطيرة. وقد تكون هذه القضايا كافية لإنهاء حكم العدالة والتنمية في تركيا بعد الجولة الأخيرة من الصراع الذي سيقرر ليس فقط مصير المدينة بل مصير إردوغان الذي يتحدث ويتصرف وكأنه هو المرشح شخصياً لانتخابات استانبول وهو ما يتناقض مع الدستور الذي يفقد احترامه بعد أن أصبح إردوغان الحاكم المطلق للبلاد في انتخابات ٢٤ حزيران/يونيو الماضي التي أشرفت عليها نفس اللجان الانتخابية التي ألغت فوز إمام أوغلو نهاية آذار/مارس الماضي!.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً