محمّد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

الجزائر.. في الطريق إلى الجمهورية الثانية؟

على العالم الحر وغير الحر أن يتعلّم الحرية والديمقراطية واحترام الرأي الآخر من الحراك الشعبي الجزائري، وعلى قادة الجيوش العربية أن تتعلّم من الجيش الوطني الشعبي الجزائري كيف تُساس الشعوب باحترام مطالبها وكيف تُصان أعراضها ودماؤها..بالاعتراف بمطالبها.. ربما لأول مرة في التاريخ تظاهرات في حماية الجيش وبلا هراوة ساخنة..

الجزائر.. في الطريق إلى الجمهورية الثانية؟
الجزائر.. في الطريق إلى الجمهورية الثانية؟

إنها المصالحة المُكتسبة تاريخياً بين قوّتين كل منهما يكدس الآخر بمنظور حضاري وفي الظروف الحرجة.. أكيد، الكثير منا لا يعرف بعد لماذا ظلت فرنسا تُصرّ عبر أحصنتها في الداخل على استمرار الأزمة من خلال الدعوة إلى العهدة الخامسة لبوتفليقة رغم كونه عاجزاً عن أداء مهمته عجزاً مُطلقاً ..دعوة لها خلفياتها الاقتصادية والسياسية لفرنسا معاً.. والبعض من أتباعهما كان يشارك حتى في جلسات استجواب للبرلمان الفرنسي ، جلسات يناقش فيها أموراً جزائرية بحتة ..وكأن الجزائر ليست سوى ولاية من الولايات الفرنسية !!

مع كل هذا يشدّ هذا الرهط الحنين إلى تلك الواجهة الإعلامية الفرنسية ربما بحثاً عن رسمٍ كاريكاتوري لما بعد الأزمة وقد أنهاها الحراك أو ربما للاستفادة منه قبل فوات الأوان...الأزمة باختصار وراءها فرنسا والمُهيكَلون إيديولوجياً في سياستها، وثقافتها، ولغتها ،فالجزائر إن ظل تواجدهم كقوى فاعلة وضاغطة ستظل تعيش أزمة مُتعدّدة الجوانب وبإمكان هذه الأزمة إن طالت أن تحفر بدقة جدار المستقبل ، ما يعني الوقوع المباشر في التدويل السياسي لها داخلياً وفرنسياً وهو ما يمكن أن يؤدّي إلى طرح حالاتٍ أخرى عير منظورة على الأقل ..حالات يمكن قبل شيء التمعّن في سلبياتها والنظر إليها بمنظار الأخطار التي يمكن أن تمسّ الأسُس التي تكوّن المجتمع و- بالتالي - وقتها تكون ومن دون حساسية أخلاقية كل الاحتمالات مُمكنة وعلى قدرٍ كبيرٍ من التعقيد، هكذا ظلوا لسنواتٍ ينظرون من داخل أجهزة السلطة لبقاء مصالهم ومصالح فرنسا كإرث مُقدَّس، والجميع هنا يمثل الوجه الجميل للشيطان لا أقل ولا أكثر..

إذن، هل نحن الآن و- بالتأكيد السياسي والاجتماعي - أمام لحظة انتقال من حال سياسية - عجينها الاستقرار المُبرمَج إلى حال الدولة التي تقودها الأغلبية وليس الأقلية الاستئصالية – والخروج تدريجاً من الحال الرمادية التي ظلت ترسم معالمها بعض المواقف الانشطارية إن من وجوهٍ جزائرية على صلة بأجهزة المخابرات الفرنسية أو من بعض الزُمَر لأحزابٍ ترتبط أيديولوجيا بمواقف فرنسية ،أم أننا أمام ظاهرة انفراجية لقوى داخلية تأخذ قِيَمها السياسية من صُلب الواقع ، وترسم بخلفياته معالم المستقبل وقِيَمه في إطارٍ مضبوطٍ حاصله القِيَم الحضارية الموروثة، وبالتالي الخروج بمعيارٍ سياسي جديد يكون قد تم رسمه بواسطة الحراك الشعبي مُسبقاً ، وفي إطار مصطلحات سياسية صيغت هي أيضاً بمنظورٍ تاريخي مُتجدِّد أسسه وقواه التاريخ الوطني؟
هذه التساؤلات مع مشروعيّتها تبدو من أوانها بالنظر إلى الخطاب السياسي الرسمي للفريق الركن قائد الجيش الوطني الشعبي، خطاب أكثر واقعية وأكثر اقتراباً من مطالب الشعب، مطالب يساهم بدوره وبحدّة في بلورتها كواقعٍ ضاغطٍ من جهة ، وكواقعِ مشدود بتطوّرات أخرى، بعض رؤى دارسي التاريخ تتشابه الآن في كثير من الدول التي يهزّها طغيان العنف السياسي ، أو التي هزّها من قبل وإن ادّعت الديمقراطية ومن ضمنها أوروبا والولايات المتحدة الأميركية ، وهنا نطرح سؤالاً آخر يبدو فيه الكثير من الخفايا وهو هل أزمتنا مع بقايا فرنسا أزمة مزدوجة من حيث أسبابها والحلول المُفترَضة لها..؟ المُلاحَظ ومن خلال بعض المواقف الخارجية فإن الأزمة لم تأتِ من فراغٍ ، كما أنها لم تكن بعيدة عن الحسابات السياسة التي يقتضها النظام الكولونيالي الجديد وخاصة في جانبه المتعلق بتقسيم النفوذ والخارطة الممكنة لهذا التقسيم، ولهذا النفوذ.. ولعلّ التباكي السياسي لقطيعٍ هام من الساسة الفرنسيين على الجزائر الجميلة والساحِرة يوضّح بشيء من الدقّة الجانب الخفيّ من هذه الأزمة ، وقبل التوضيح دعني أتساءل مرة أخرى هل أن الغرب يحاول من جديد تمطيط معاهدة برلين لعام 1918 للوصول إلى الخارطة السياسية المقترحة آنذاك ، وبشيء من الاختزال السياسي والعسكري وتعويضها بالجانب الاقتصادي ، طالما أن المُتغيّرات الجديدة تنصّب في هذا الجانب، باعتبار أن العصر عصر الاقتصاد ..مرة أخرى دعني أستعين ببعض شواهِد الواقع ، ومن هذه الشواهِد إن الولايات المتحدة الأميركية وفي غمرة حرب الخليج قامت بصوغٍ جديدٍ لإنهاء أزمة الحرب الأهلية في لبنان وعلى حساب الموقف الفرنسي ولأسبابٍ سياسية ، وفي إطار خطة "جورج بوش" لتأسيس ما سمّاه "غورباتشوف" بالدولة الكونية ، وفجأة وكردّ فعلٍ سلبي منها قامت فرنسا بتعزيز وجودها في تشاد وافتعال المنطقة كمنطقةٍ ساخنةٍ على حدود ليبيا في مواجهة الاحتمالات الأميركية التي كانت مطروحة وقتها ضد ليبيا ، ولكن هذه المواجهة لم تكن لاحقاً إلا لضمان خارطة النفوذ السياسي ، وتؤكّد في هذا الصَدَد مصادر كثيرة أن فرنسا قد منحت فعلاً في إطار النظام الدولي الجديد الجزء - الذي أسّسته وقتها أميركا بعيداً عن روسيا والصين - المهم من أفريقيا هذه الأحداث وإن كانت مختصرة يمكن أن تعطينا نوعاً من التقارُب بين الصورة المرسومة مسبقاً لأزمتنا ، وبين الاحتلال السياسي الذي تمّت به المواجهة لهذه الصورة والتلاحق الدائم لها من خلال الدافع الفرنسي للأزمة ، ومن خلال التحريض المباشر لأطرافٍ شبه حزبية في الجزائر على رفض مقاربة الحوار والحلول المقترحة ، إن منطق المساومة الذي صيغت بخلفياته المواقف الفرنسية تجاه الجزائر ، لم يكن في الواقع وليد الظرف الحالي بل إنه من الأولويات في السياسة الفرنسية ، وقد عبّر عنها الجنرال" ''ديغول" بقوله "حق تقرير المصير سيكون فخّاً للمُغفّلين".
وببساطة يمكن اعتبار الذي حدث في الجزائر ويحدث الآن بأسبابٍ خارجية وبالتحديد بأسبابٍ فرنسية ، لأن فرنسا ظلّت وإلى الآن غير قادرة على هَضْمِ التاريخ وخاصة تاريخ الهزيمة في الجزائر، وهذه الحقيقة تجاوزت الإطار التقليدي لها تماشياً مع الظرف إلى حقيقة أخرى يشترك فيها الغرب ، هي الخوف من الإسلام ، فالإسلام في نظر الغرب يشكّل تحدياً كبيراً لسياسته لأنه الخصم العنيد للغرب مند سقوط الفكر الماركسي والذي كانت تمثله روسيا ومعها أوروبا الشرقية ، وهنا أيضاً يمكن فَهْم السخاء السياسي الذي قوبِلت به فرنسا من التيار العلماني ودعاة الاستئصال في الجزائر ، وتحاول باستمرار استحضاره كقوّة ضغطٍ ضد أيّ عمل تصالحي بين الأطراف المتشابكة ، والحقيقة أن هذا الموقف ليس وليد الأحداث الراهنة بل يرجع إلى أكثر من ثلاثين سنة ، لكنه كان من قبل غير مؤسّس على قاعدة سياسية في الداخل ، بل كان قائماً على مواقع فاعلة في الإدارة ومن أطراف يهمّها هذا الموقف لأسبابٍ عرقية(حزب التجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية) من جهة ، ولأسبابٍ لغويةِ إيديولوجيةٍ من جهةٍ أخرى.. (جريدة الوطن المُفرنَسة وأتباعها)، هذه الأطراف هي التي تشكّلت في ما بعد في إطارٍ سياسي مناوئ لثوابت الأمّة ومُتصارِع مع الواقع من أجل اتجاه مغاير شكلاً ومضموناً للثورة التحريرية وللموقف الإسلامي من الأحداث.. إن المساحة السياسة التي تحرّك داخلها التيار الإسلامي والنتائج التي تحصّل عليها في المجال القاعدي ، هزّت الكثير من الأفكار التي كانت تختفي وراءها فرنسا والتي كان الجنرال" ديغول" نفسه قد أشار إليها في كثيرٍ من إجاباته السياسة لصديقه المُبدِع "أندري مالرو..." كما يسمّيه ..هذه المساحة بقدر ما أقلقت فرنسا بقدر ما أقلقت أيضاً أعوانها في الداخل ، وهذا القلق تبرّره الواجهة الاقتصادية إلى جانب الواجهة الإيديولوجية... فالجزائر هي بوابة الأسواق الفرنسية سابقاً وهي بوابة امتدادها الأفريقية ، والقطيعة بينها وبين الجزائر تعني الانحسار الفرنسي في كل شيء ، وبالتالي التأثير السلبي عليها دولياً في ظل التصادُم المُذلّ لها من ألمانيا ..ويفسّر هذا الاتجاه ما قاله المدير السابق للمخابرات الفرنسية ، ففي بداية الثمانينات التقى على غير ميعاد ب "إلكسي كوسيغين" في سويسرا، وفي حوارٍ مطوّل معه أشار إلى ''أن انتصار الإسلام في شمال أفريقيا سيكون نهاية للحضارة الأوروبية في أفريقيا كلها ، وأن العالم سيواجه أزمة حقيقية " إن التعامل بين الغرب وهذه المنطقة سيكون وقتها تعاملاً مادياً ، وهذا طبعاً لا يُريح فرنسا التي بَنَت تاريخها على موازين الماضي الاستعماري لها ..فضلاً عن النظرة الصليبية التي ظلّت تحكم سياستها.
إذن الإشكالية الأولى للأزمة هي الإشكالية الفرنسية وحل هذه الإشكالية يتم بالأساس بمعرفة خطواتها في الداخل والأطراف التي تقوم برسم هذه الخطوط من مواقع صنع القرار السياسي ، وتعريتها أمام الرأي العام الوطني وهو ما يحدث الآن وبالجملة ، وتقتضى العودة إلى الانتخابات وعلى جميع المستويات لا إلى غيرها، فالشعب بالوعي الذاتي الذي يتمتّع به قادر على تغيير موازين القوى: تلك الموازين التي ظلت لصالح التيار الاستئصالي المرتبط بالنهج الفرنسي وتوجّهاته الاستعمارية والذي تحصّل على البعض منها بقراراتٍ فوقيةٍ في ظروفٍ اتّسمت بالابتعاد عن خط التاريخ الوطني ، وعن الامتداد الحضاري للأمّة (حكم بوتفليقة بالكامل) وبالتالي فإن الذين يرفضون الانتخابات هم الذين يحاولون أن يسلكوا جدار التاريخ من خلال فراشات حسب تعبير (ديغول). وهم باتجاه التقاط الحصى وليس الفراشات.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً