أمين بن مسعود

باحث وأكاديمي تونسي

في خسارة "العثمانيين" الجدد لعاصمة الخلافة

هزيمة اسطنبول مؤشر واضح بأنّ الحزب الذي تملّك الدولة وشخصن مؤسساتها و"عثمن" سردياتها وخطابها, يعيش حالة وهن سياسيّ أفقدته جزءاً معتبراً من عمقه ومن خزانه الانتخابيّ.

من الاحتفالات بفوز المعارضة التركية في اعادة الانتخابات البلدية في اسطنبول / رويترز
من الاحتفالات بفوز المعارضة التركية في اعادة الانتخابات البلدية في اسطنبول / رويترز

أبانت الانتخابات البلدية التركية عن نتائجها النهائية، ومنحت حزب الشعب الجمهوري الولاية على البلدية التي تعُتبر بيضة القبان لحزب رجب طيب أردوغان.

توجد حالة واضحة من "استنكار الواقع" بعد طول إنكاره, تتلبّس بقياديي حزب العدالة والتنمية وعلى رأسهم أردوغان والذين يتوجسون من مآلات خسارة اسطنبول ويتخوفون من النهايات شبه الحتمية لخروج عاصمة الخلافة العثمانية من جلباب العدالة والتنمية.

تحمل اسطنبول من الرمزية السياسية والثقافية لدى إسلاميي تركيا ما لا تحمله باقي المدن والمحافظات, فهي تتجاوز "قونية" مهد الحركات الصوفية ومرقد الإمام جلال الدين الرومي، وتفوق "أنقرة" معقل الحركة العلمانية الأتاتوركية, وتتقدّم على مدن "إزمير" و"أنطاليا" عُمق السياحة التركية.

فبمعيّة الاعتبار التاريخي في المخيال الإسلاموي لاسطنبول بكونها "عاصمة الخلافة الماضية والقادمة", فإنّ جزءاً من سرديّة الاستنهاض لإسلاميي تركيا مرتبط بمحافظة اسطنبول, ذلك أنّ مسلسل السيطرة على منظومة الحُكم ومقاليد الحكومة في تركيا انطلقت بوصول رجب طيب أردوغان كرئيس لبلدية اسطنبول في 1994.

صحيح أنّ بداية التأريخ لحركات الإسلام السياسيّ في تركيا تبدأ في أكثر القراءات تأصيلا وتحصيلاً، مع حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان، وصحيح أيضاً أنّ رجب طيب أردوغان هو استكمال تراكميّ لما بدأه أربكان, ولكنّ الصحيح انّ بداية التمكين لإسلاميي تركيا ومقدمّات قلب الطاولة على الجيش وعلى المنظومة العلمانية الأتاتوركية انطلقت مع استحواذهم على بلدية اسطنبول.

كافة معارك إسلاميي تركيا مع المنظومة القضائيّة في مرحلة أولى، ومع المنظومة العسكرية والأمنية في مرحلة ثانية، ورحلة إعادة الروح لمشروع "العثمنة" بما يعنيه من قوّة ناعمة ظاهرها "الدين العابر للقوميات" وباطنها خلق معاقل نفوذ للدولة التركيّة القوميّة, استأنفت من محطّة اسطنبول خلال منتصف التسعينات من القرن المنصرم.

لا جدال بأنّ إسلاميي تركيا أحسنوا إدارة الصراع مع المنظومة القضائية والعسكريّة, واستغلوا الهوامش المتروكة ضمن العملية الدمقراطية للانخراط تدريجياً في المشهد السياسي أولا وفي مفاصل الدولة ثانيا, ولا جدال أيضا بانّ حاكميّة الجيش على علمانية الدولة لا معنى له في دولة مدنيّة, ولكنّ الأصحّ عن كل ما سبق أنّ إسلاميي تركيا وظّفوا "تناقضات الديمقراطية في تركيا", لـ"إحلال استبداد الفرد", فانقلبوا على الديمقراطية وعمّقوا التناقضات في المشهدية السياسيّة.

يخشى إسلاميو تركيا أن تكون الهزيمة في اسطنبول بمثابة استدارة الزمان السياسيّ ضدّ مشروع الأردغنة, سيما عقب المراجعات السياسية التي قامت وتقوم بها الأحزاب المعارضة عقب الخسارات والانكسارات المتتالية في كافة الاستحقاقات الانتخابية في البلاد.

وفي الوقت الذي تعكف فيه الأحزاب والحركات السياسية – بما فيها الحركة الكردية- على مراجعة عميقة لأدائها وسياساتها وخطابها, انطلاقاً من المصالحة مع الهوية الدينية والثقافية, ومروراً بدمقرطة الهياكل الحزبية, وليس انتهاء بتقديم التحالفات والتفاهمات على منطق التقارب الإيديولوجي, يعيش حزب العدالة والتنمية أزمة هيكلية وبنيوية عميقة جزء منها مرتبط بشخصنة الحركة, والجزء الآخر متعلّق بشبكات العلاقات الزبونية التي صنعها أردوغان على ضفاف وهامش السلطة, والجزء الثالث في تماس بالإشكاليات الإقليمية والتي حالت دون وضعية مريحة للحزب سواء داخل البلاد أو خارجها.

هزيمة اسطنبول مؤشر واضح بأنّ الحزب الذي تملّك الدولة وشخصن مؤسساتها و"عثمن" سردياتها وخطابها, يعيش حالة وهن سياسيّ أفقدته جزءاً معتبراً من عمقه ومن خزانه الانتخابيّ, فيما الأحزاب التي كثيراً ما اُتهمت بتوظيف الجيش ضدّ خصومها, بدأت تتعافى من متلازمة تدخّل العسكر ومن التنائي غير المبرر عن هوية البلاد والعباد.

المُفارقة أنّ الحزب الذي جيّر الدستور ومؤسسات الدولة وفق هويّته السياسية وهوى رئيسه, فحوّل النظام البرلماني الذي كان السبب في دخول الإسلاميين إلى السلطة- إلى نظام رئاسيّ صرف, وصيّر المؤسسات الديمقراطية إلى مؤسسات في يد السلطان أردوغان, يجني اليوم ثمار ما صنعت يداه.

ذلك أنّه من الطبيعيّ أن يعجز الحزب الذي بنى مشاريعه السياسية على شخص الرئيس, وحملاته الانتخابية من البلدية إلى الرئاسية على كاريزما أردوغان, عن إقناع الرأي العام بأنّ هناك شخصيات اعتبارية أخرى قادرة على تحمّل المسؤولية وإنقاذ الاقتصاد التركي المتهالك وانتشال الوضع الاجتماعي المترديّ, حتّى وإن كان هذا الشخص "رئيس الوزراء الأسبق بن علي يلديريم".

ومن الطبيعي أيضاً أن الحزب الذي يفقد منظومة "الديمقراطية الداخلية", بعد أن أحال عبد الله غول وعلي بابا جان وأحمد داوود أوغلو على الهامش, أن يعجز عن تقديم صورة الحزب التشاركي والديمقراطي سواء للناخب التركي أو لحلفائه السياسيين.

وما لم يستوعب الحزب أنّ الديمقراطية ليست بابا يوارب ويُغلّق بمجرّد الدخول, وانّ ما يضمن الديمومة والاستقرار ليست الكاريزما القيادية, ولا تطويع الدولة من أجل شخص, وإنما المراجعة العميقة ودمقرطة الدولة والحزب سويّة, فإنّ "العدالة والتنمية" مقبل لا فقط على أنصاف هزائم كما حصلت في الانتخابات المحلية الحالية وإنما على نكسات ونكبات جديدة....  


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً