محمد علوش

معد ومقدم برامج سياسية في قناة الميادين.

حقيقة الخلافات داخل محور الاعتدال العربي

بُعيْد اندلاع الاضطرابات، وتوسّع دائرة الحركات الشعبية نهاية العام 2010، لم يعد لمحور الاعتدال من ذِكرٍ إعلامي، خاصة بعد سقوط جزء من أنظمته كما هي حال مصر ، إلا أن الجهد المبذول خليجياً لدعم الثورات المُضادَّة تكلَّل بالنجاح وأعاد الزُخم من جديد للمحور الذي يستميت من أجل إعادة ترتيب أولويات المنطقة بضمّ مُتدرّجٍ لإسرائيل ضمن المنظومتين الأمنية والسياسية مع تمهيد الأرض لقبولها شعبياً، في مقابل توسيع دائرة الهواجِس والتنافُر من تركيا واستعداء تام لإيران.

حقيقة الخلافات داخل محور الاعتدال العربي
حقيقة الخلافات داخل محور الاعتدال العربي

ظلّ رائِجاً لعقدٍ كاملٍ تقريباً منذ مطلع الألفية الحالية مُصطلح" دول محور الاعتدال العربي" في إشارة إلى التحالف القائم بين مصر والسعودية والأردن والمغرب والإمارات والبحرين ، في مقابل ما يُعرَف بمحور المقاومة المُشكَّل من إيران وسوريا وقوى مثل حزب الله وحركة حماس وفصائل وجهات رافِضة لأية تسوية تُفضي إلى الاعتراف ومن ثم دمج إسرائيل في المنطقة.

وبُعيْد اندلاع الاضطرابات، وتوسّع دائرة الحركات الشعبية نهاية العام 2010، لم يعد لمحور الاعتدال من ذِكرٍ إعلامي، خاصة بعد سقوط جزء من أنظمته كما هي حال مصر ، إلا أن الجهد المبذول خليجياً لدعم الثورات المُضادَّة تكلَّل بالنجاح وأعاد الزُخم من جديد للمحور الذي يستميت من أجل إعادة ترتيب أولويات المنطقة بضمّ مُتدرّجٍ لإسرائيل ضمن المنظومتين الأمنية والسياسية مع تمهيد الأرض لقبولها شعبياً، في مقابل توسيع دائرة الهواجِس والتنافُر من تركيا واستعداء تام لإيران.

مؤتمر البحرين الاقتصادي برعاية جاريد كوشنر كان أشبه باحتفالية عودة الروح للحلف الجديد ولدوره المُستجدّ. ورغم تفسّخ العلاقات بين دول هذا المحور نتيجة خلافات بينية، لم تمتلك كلّ من المغرب والأردن إلاّ الحضور في المؤتمر وإن جاء تمثيلهما مُتدنياً.

حضور المغرب والأردن لورشة البحرين، دلّ على جملة أمور:

  • أولاً، مستوى الخلاف المغربي مع السعودية والإمارات والذي تمّ الحديث عنه طويلاً في الأشهر الماضية لا يعدو كونه خلافاً تكتيكياً لم يصل إلى مستوى الإضرار بالتحالف الاستراتيجي القائم بيهنم منذ عقود.ومن المفيد التذكّر أنه بُعيْد سقوط حسني مبارك في مصر، اقترحت السعودية توسيع مجلس التعاون الخليجي ليضمّ المملكتين المغربية والأردنية إلى نادي الممالك الخليجية.
  • ثانياً، رغم قيادة الحركة الإسلامية في المغرب للحكومة بشخص رئيسها سعد الدين العثماني الذي يُعتَبر من الشخصيات المُنفرِدة بأطروحاتٍ جريئةٍ تسعى إلى تطوير المشروع الإسلامي للحركات السياسية، يبقى البلد محكوماً بشكلٍ كاملٍ من قِبَل الملك. والحكومة بغضّ النظر عن الخلفيّة السياسية للحزب الذي يقودها، تبقى أسيرة التوجيهات الملكية التي لا تسمح بهامشٍ يسير من الحرية في التصرّف لأية حكومة قد تشذّ أو تخالِف تحالفات الملك الخارجية والإقليمية.
  • ثالثاً، بدت الحركة الإسلامية في المغرب، التي خرجت في تظاهُراتٍ شعبيةٍ ضد صفقة القرن قبل أيام من توجّه حكومتها للمشاركة في مؤتمر البحرين، مُجرّد مسحوق تجميل رائِج اليوم مغربياً، وما لجوء الملك لاستعماله إلا نزولاً عند تقدير هذه الحاجة التي تُقدّر بقدرها. وما أن تزول الحاجة أو الضرورة لهذا الاستعمال حتى يتمّ طرح الحركة كلها جانباً، وربما تصبح عُرضة للمُلاحقة القادمة.
  • رابعاً،رغم الخطوات الجريئة التي قام بها الأردن في سبيل التقارُب مع تركيا وقطر خلال الشهور القليلة الماضية، تبدو الخطوط الحمر المرسومة له أو التي وضعها لنفسه لا تسمح له بالذهاب بعيداً عن محور الاعتدال العربي. وهو في الحقيقية محور مُقارعة إيران وحركات الإسلام السياسي. فمنذ بدأ الحديث الأميركي عن صفقة القرن، ازداد القلق الأردني خشية أن تكون الصفقة على حساب مصالحه، وربما مملكته الهاشمية. وقد عاد الملك الأردني من زيارة البيت الأبيض أكثر قلقاً، واتّخذ خيار الانفتاح على كلٍ من تركيا وقطر اللتين بادلتاه هذا الحماس عبر صفقات وتخفيضات وتسهيلات تجارية ودعم سياسي مُعلَن تزامَن مع توجّه نحو الانفتاح على جماعة الإخوان المسلمين، بعد أن عملت الدولة العميقة في الأردن على تشجيع شقّ صف هذه الجماعة والتضييق عليها ومنعها من أي حراك اجتماعي وسياسي، بحجّة أنها جماعة غير مُرخَّص لها. فها هو الملك عبد الله يعود فيستقبل قياداتها ويبادلها المزاح والدعابة رغم الحرب المُعلنة على هذه الجماعة إقليمياً ودولياً من قِبَل حلفائه السعودية والإمارات. وقد فُهِم الأمر في حينه أنه تحوّل جذري في سياسات المملكة ضد النزوع السعودي الإماراتي القافِز على المصالح الأردنية وحقوقه في الأراضي المحتلة وخوفاً على مصير مملكته المُهدَّدة بصفقةٍ تأكل جزءاً من أرضه وسيادته لصالح تسوية مُذلّة الرابِح الأكبر فيها إسرائيل  ،إلاّ أنه في نهاية المطاف تبيّن أن الملك لا يستطيع أن يخرج من عباءة هذا التحالف القديم الذي دشّنه والده بعد هزيمة العراق على يد القوات الأميركية مطلع التسعينات.

ومهما قيل ويُقال عن خلافاتٍ داخل محور الاعتدال العربي، فإنها على ما يظهر جلياً، تبقى خلافات بينية وتكتيكية هامشية، ولا يمكن لها أن تصل إلى مستوى عميق أو مُهدِّد للتحالف، لأن الناظِم الحقيقي لهذه العلاقة هو الولايات المتحدة الأميركية التي لا تألو جهداً في جعل إسرائيل شريكاَ أساسياً في توسيع هذا المحور.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً