مستقبل الغرب في سياق حربي أوكرانيا وغزة

لا تقتصر العدمية الأميركية على رغبة جارفة في التدمير، بل ثمة رغبة في إنكار الواقع أيضاً. ولم يعد من أثر للدين في حياتها وسلوكها ورؤيتها. تحفز هذه العقلية تصعيد الحروب الخارجية، وحرب الإبادة الراهنة في غزة أحدث مثال على ذلك.

  • عدمية أميركية وحروب بلا نهاية.
    عدمية أميركية وحروب بلا نهاية.

إيمانويل تود، مؤرخ وديموغرافي وأنثروبولوجي وعالم اجتماع ومحلل سياسي فرنسي، يهودي الديانة، غزير الإنتاج. عُرف بحس استراتيجي ثاقب. وكان قد توقع انهيار النظام السوفياتي في كتابه الشهير "السقوط النهائي"، الذي أصدره عام 1976، وهو ابن 25 عاماً.

تكمن أهمية طروحات تود في استخدامه الثقافة والدين والأنثروبولوجيا والتاريخ في رصد معطيات ومؤشرات جيوسياسية، بدلاً من نموذج صراع القوة المهيمن على الدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية.

وقد أصدر تود عام 2001 كتاباً بعنوان "ما بعد الإمبراطورية"، قدم فيه حججه على أفول أميركا كقوة عالمية وحيدة مهيمنة، رغم مزاعم انتصارها الكبير بانهيار الاتحاد السوفياتي. يعرّف تود حلف شمال الأطلسي بأنه يغوص في "اللاوعي": "نلاحظ أن آلياته العسكرية والأيديولوجية والنفسية ليست موجودة لحماية أوروبا الغربية، بل للسيطرة عليها"، ويرى أن روسيا في طور الانتصار على حلف شمال الأطلسي الذي هو في حقيقته حلف في طور جديد يتمحور حول مثلث "لندن-وارسو-كييف"، ولا يمكن لأميركا أن تكسب حرب أوكرانيا لأسباب جوهرية.

يُذكر تود كيف كانت أوروبا في البداية عبارة عن زوجين: فرنسا وألمانيا، ثم بعد أزمة 2008 المالية العالمية، تحول ذلك إلى "زواج بطريركي أبوي، إذ لم يعد الزوج المسيطر (ألمانيا) يستمع إلى رفيقته".

 لقد تخلى الاتحاد الأوروبي عن أي ادعاء بالدفاع عن مصالح أوروبا، وقطع نفسه عن الطاقة والتجارة مع شريكته روسيا وفرض عقوبات على نفسه!

الغرب.. إلى أين؟

أثار كتاب تود الجديد: "هزيمة الغرب"، الصادر في كانون الثاني 2024، جدلا واسعاً متشعباً، وهو خلاصة قراءته لمستقبل الغرب والنظام الدولي الجديد وتحولات النفوذ وموازين القوى في ضوء حرب أوكرانيا الممتدة منذ سنتين.

شغل مستقبل الغرب ومكانته العالمية وهيمنته الإمبريالية على العالم ورؤيته الكونية وعالميته الثقافية والفكرية المفكرين والفلاسفة والسياسيين في الغرب والشرق منذ صدور كتاب الفيلسوف الألماني، أوزوالد شبنغلر، بعنوان: "أفول الغرب" في صيف 1918، عشية نهاية الحرب العالمية الأولى بأهوالها وبشاعتها وتداعياتها. والمفارقة أن الترجمة الحرفية لعنوان كتاب شبنغلر الذي صدر أصلاً بالألمانية: سقوط الغرب!

تحدث شبنغلر عن الانهيار المجتمعي، ورفض الرؤية الأوروبية المركزية للتاريخ وتقسيمه خطياً إلى "عصور قديمة ووسطى وحديثة"، ورأى أن وحدات التاريخ ذات المعنى ليست العصور، بل الثقافات الكاملة التي تتطور ككائنات حية، وأعطى مصطلحي "الثقافة" و"الحضارة" تعريفات غير قياسية، وأن عمر الثقافة ألف عام من الازدهار، وألف عام من التراجع.

وفي 1988، أصدر المؤرخ البريطاني بول كينيدي عمله الأهم: "قيام وسقوط القوى العظمى"، وخلص فيه إلى معادلة اقتصادية سياسية تحكم مسار ومصير القوى العظمى تاريخياً: تبدأ القوى العظمى ومشروعاتها الإمبراطورية في الانهيار عندما تتجاوز أكلافها العوائد المتحققة منها. وأذكر أن مجلة "تايم" نشرت في عددها الصادر بعد صدور كتاب كينيدي بأيام خبراً موجزاً حول أطروحته بعنوان بالغ الدلالة: "تحذير! أخبار سيئة للقوى العظمى".

وفي فيلم وثائقي من إنتاج التلفزيون البريطاني عام 2011، يحكي كيف تحولت الحضارة الغربية في خمسة قرون إلى حضارة مهيمنة في العالم. يتساءل نيال فيرغسون، المؤرخ وأستاذ الاقتصاد والتاريخ الاقتصادي: هل أصبح الغرب وحضارته تاريخاً؟

وقد امتد النقاش في السياق نفسه إلى مآلات ومستقبل القوة الأميركية، الركيزة الرئيسة لقوة الغرب الآن، وآفاق أفولها أو استمرارها بناء على تحليل عوامل قوتها ومصادرها الأخلاقية والسياسية والاقتصادية والثقافية ومسارات تآكلها أو تعزيزها واستدامتها.

يقترح فيرغسون في كتابه "العملاق: صعود وسقوط الإمبراطورية الأميركية" (2005) أن الولايات المتحدة تتجنب التزامات مديدة تتعلق بالمال والقوى البشرية التي لا غنى عنها في القيام بدور أكثر نشاطاً في حل النزاعات الناشئة عن فشل الدول، فهي إمبراطورية عالمية في حالة إنكار لا تعترف بمسؤوليات الهيمنة.

وانخرط المفكر الأميركي جوزيف ناي في هذا النقاش حول مستقبل القوة الأميركية في كتابه: "حتمية القيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأميركية" (1990) عشية غزو العراق للكويت والرد الأميركي بتحالف عسكري دولي (درع الصحراء)،  ثم حملة عسكرية وحرب شاملة على العراق (عاصفة الصحراء).

يقترح ناي إطاراً نظرياً يميز بين نوعين من القوة: القوة الصلبة والقوة الناعمة، ويرى أن القوة الأميركية لا تتمظهر دائماً كقوة صلبة (رغم أنها خاضت أكبر عدد من الحروب والصراعات في تاريخ العالم)، بل يرى أن قوتها الناعمة كفيلة باستمرارها، وأنها لا تزال القوة العالمية المهيمنة مع غياب المنافس.

عوامل سقوط الغرب

بدوره، يحلل تود أوضاع روسيا وأوكرانيا وأوروبا الشرقية وألمانيا وبريطانيا والدول الاسكندنافية وأميركا، ويركز في كتابه على أسباب سقوط الغرب:

تراجع الدولة القومية في الغرب، ووصول المصفوفة الدينية الغربية، أي البروتستانتية، إلى "درجة الصفر" والإفلاس، وتراجع الإنتاج والتصنيع، ما يفسر عجز الناتو عن تزويد أوكرانيا بالأسلحة والذخائر الضرورية، والزيادة الحادة في معدلات الوفيات الأميركية لتتجاوز بكثير روسيا، وتفاقم حالات الانتحار وجرائم القتل، والعدمية الإمبراطورية والهوس بالحروب الأبدية.

يقترن هذا الانحدار الديني والثقافي بالهزيمة الاقتصادية الأنكلو-أميركية. يقول تود: "لم تجعل العولمة الغرب عاجزاً إجمالاً عن إنتاج الأسلحة اللازمة لأوكرانيا، بل غدت الولايات المتحدة كذلك بشكل خاص. لقد أرسل الأميركيون الأوكرانيين إلى كارثة خلال هجوم صيف 2023 بمعدات غير كافية".

تقهقر الإنتاج الصناعي

شكل العالَم البروتستانتي محورَ الرأسمالية الاقتصادية والليبرالية الفردية نتيجة عوامل ثقافية: انتشار الكتابة والتعلم، وأخلاقيات الالتزام بالعمل والإنتاج، والانضباط المهني، وضبط الاستهلاك وتكوين فوائض لإعادة استثمارها، بيد أن هذه القيم التي استمرت مدة طويلة في شكل قوالب ثقافية رغم تراجع الممارسة الدينية انحسرت اليوم جداً، بما يفسر تقهقرَ الإنتاج الصناعي في هذه البلدان وانهيار النظم التعليمية فيها ودمار الأسرة وتخلخل آليات الانضباط الاجتماعي المرتبطة بها.

وقد تجلت هذه الثغرات الناجمة عن تقهقر الإنتاج خلال جائحة كورونا، وبرزت في حرب أوكرانيا الراهنة عندما بدا جلياً للعيان أن الصناعة العسكرية الأميركية والأوروبية عاجزة عن توفير احتياجات الجيش الأوكراني من السلاح والذخائر الضرورية، بما يؤذن بنصر روسي قريب في النزاع القائم، رغم وعود الغرب ووعيده.

لقد أظهرت حرب أوكرانيا مفارقة عجيبة: في بداية العملية العسكرية الخاصة الروسية في شباط 2022، كان الناتج المحلي الإجمالي لروسيا وحليفتها بيلاروسيا معاً يعادل 3.3% فقط من الناتج المحلي الإجمالي في دول الغرب (دول الناتو واليابان وكوريا الجنوبية).

ويَعجب تود كيف أن روسيا بنسبة 3.3% قادرة على إنتاج أسلحة أكثر من العملاق الغربي بأكمله، وهي لا تحقق الانتصار في الحرب فقط، بل تختزل مفاهيم "الاقتصاد السياسي النيوليبرالي" السائدة (ومعدلات الناتج المحلي الإجمالي) إلى حالة من الفوضى.

التحول الجنسي والعدمية الغربية

كان أحد الأوهام الكبرى في الستينيات، والمشتركة بين الثورة الجنسية الأنكلو-أميركية وثورة الطلاب في أيّار 1968  في فرنسا، "الاعتقاد بأن الفرد سيكون أعظم إذا تحرر من الجماعة".

أدى ذلك إلى كارثة حتمية: "الآن بعد أن تحررنا بشكل جماعي من المعتقدات الميتافيزيقية، التأسيسية والمشتقة، ومن الشيوعية والاشتراكية والقومية، فإننا نعيش تجربة الفراغ". وهكذا أصبح أهل الغرب "عدداً كبيراً من الأقزام المقلدين الذين لا يجرؤون على التفكير بمفردهم، لكنهم يُظهرون أنهم قادرون على التعصب مثل "المؤمنين" في العصور القديمة".

يحطم تحليل تود الموجز أهم معنى للتحول الجنسي تلك الحملات الداعية لحرية التحول الجنسي، من نيويورك إلى الاتحاد الأوروبي، ويثير نوبات غضب متسلسلة، ويوضح كيف أن التحول الجنسي هو "إحدى رايات هذه العدمية المحددة للغرب الآن. هذا الدافع للتدمير ليس تدمير الأشياء والبشر فحسب، بل تدمير الواقع أيضاً". تقول أيديولوجيا التحول الجنسي إن الرجل قد يصبح امرأة، والمرأة قد تصبح رجلاً، وهذا تأكيد كاذب، وهو بهذا المعنى قريب من القلب النظري للعدمية الغربية، ويزداد الأمر سوءاً عندما يتعلق الأمر بالتداعيات الجيوسياسية.

عدمية أميركية وحروب بلا نهاية

أنتج نمط الوعي الناجم عن الردة الدينية وانهيار المنظومة الأخلاقية الغربية "عدمية أميركية"، أهم تعبيراتها: حروب بلا نهاية وعنف عدمي وتأليه العدم!

لا تقتصر العدمية الأميركية على رغبة جارفة في التدمير، بل ثمة رغبة في إنكار الواقع أيضاً. ولم يعد من أثر للدين في حياتها وسلوكها ورؤيتها. تحفز هذه العقلية تصعيد الحروب الخارجية، وحرب الإبادة الراهنة في غزة أحدث مثال على ذلك.

رصد تود مستويات العنف والعدمية الأميركية غير المسبوقة، وعنون الفصل الأخير في كتابه الأخير بـ"العدمية الأميركية: دليل غزة"، ورأى هذه العدمية في "دعم الولايات المتحدة غير المشروط لإسرائيل"، واعتبر أن ذلك "أعراض انتحارية لأميركا المندفعة نحو العنف".

يلفت تود إلى أن الهزيمة الأميركية التي تلوح في حرب أوكرانيا دفعت أميركا إلى "الهروب" إلى دعم "إسرائيل" في غزة، أملاً بكسب أي حرب، وأن موقف إدارة بايدن المتعطش إلى الحرب والممتد من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط أعطى روسيا، التي لا تزال في حالة حرب، إمكانية الظهور كقوة سلام

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.