عن الكذب المؤسس للتاريخ

لن يكون بإمكان أي أحد البرهنة بالمعنى الدقيق للكلمة على وجود تاريخ خاص بالكذب وضرورة وجود هذا التاريخ.

كتاب "تاريخ الكذب" للفيلسوف الفرنسي جاك دريدا
كتاب "تاريخ الكذب" للفيلسوف الفرنسي جاك دريدا

 

 الكتاب: تاريخ الكذب

الكاتب: جاك دريدا، ترجمة: رشيد بازي

الناشر: بيروت: المركز الثقافي العربي، 2016، ص 120.

قراءة: عقيل سعيد محفوض

 

للكذب أوجه كثيرة، فيما للصدق وجه واحد، أما لماذا هو كذلك، فهذا يفتح الباب على تقديرات كثيرة، لا نهاية لها، إذ أن الأمور متعلقة بمعنى الكذب ودوافعه، ومتى يكون القول كاذباً، وهل يتعلق الأمر بأذية أو ضرر يقع على الآخر أو حتى على الأنا. أم أن الكذب كذب لمجرد أن يكون القول غير صحيح أو ربما لمجرد السكوت عن قول الصدق، وهل يمكن التوصل إلى تاريخ للكذب، وما علاقة الكذب بالسياسة والحقيقة؟

يحاول الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا طرح سؤال الكذب من منظور البحث عن تاريخ له، أو بالأحرى جنيالوجيا له، ليس بما هو سلوك وسرديات ووقائع فحسب، وإنما بمفهومه وبالتفكير حوله أو فيه. ولذا تجده ينطلق من اللحظة اليونانية، مستنداً إلى أفلاطون وأرسطو، ويركز بعد ذلك على أوغسطين، ونيتشه، وكانت، وروسو، ومونتاني وفرويد وهايدغر. ولو أن جل الكتاب يناقش أفكار الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت أو أحد نصوصها وهو "الحقيقة والسياسة"، مفتتحاً نقاشاً أخذ يتسع حول العلاقة بين الحقيقة والسياسة، وبين الأخلاق والسياسة، ودور الإعلام والتقنية في عالم الأفكار والصور والمدارك في عالم اليوم.

 يعود دريدا إلى تمييز أوغسطين بين الاعتقاد والاقتناع، فإذا اعتقدنا أن ما نقوله صحيح وكنا نؤمن به، فلا يمكن أن نكون كاذبين حتى لو كان ما نقوله خطأ، ص 17.

ويقترح روسو في أحد نصوصه، تصنيفاً لمختلف أنواع الكذب، هناك الخديعة والتدليس والافتراء، ويعد أن الكذب البريء ليس "كذباً"، وإنما "تخيلات". ص 18. ومثل ذلك أن نخفي ما لسنا ملزمين بالتصريح به. وماذا عن المجاملة مثلاً، أو الادعاء.  

ويتخذ الكذب - في رأي دريدا - "طابعاً إنجازياً"، ذلك أنه "يتضمن في الوقت نفسه وعداً بقول الحقيقة وخيانة لذلك الوعد". ص31. وهنا "يجب التمييز بين تاريخ الكذب كمفهوم، وتاريخه في حد ذاته" كممارسات وأساليب ودوافع وتقنيات وطرق ونتائج. ويتساءل دريدا إن كان بالإمكان التمييز بين ثلاثة أشياء، أولاً تاريخ خاص بمفهوم الكذب، وثانياً تاريخ خاص بالوقائع، وقائعه هو والوقائع التي نتجت عنه، وثالثاً تاريخ يروي كل الأكاذيب أو الكذب بصفة عامة. ص 33-34.

 

الحقيقة والسياسة

ينقل دريدا عن حنة أرندت قولها ان اللجوء إلى الكذب هو إحدى الوسائل الضرورية والمشروعة لممارسة السياسة والحكم، وركزت في دراستها "الحقيقة والسياسة" التي صدرت في نيويورك عام 1967 على دور الإعلام والتصريحات الكاذبة وحتى خداع الذات في عالم السياسة.

ويتساءل دريدا كيف يمكن أن يكون للكذب تاريخ مستقل في حين أن التاريخ السياسي منه على وجه خاص، مليء بالكذب؟ ص38، وكيف يكون له تاريخ جوهري فيما يعاش من خلال تجارب مشتركة، والظروف المهيأة لنشوئه لا ترتبط بزمان ولا مكان محددين؟

مع ذلك شهد تاريخ الكذب تحولاً يبدو جلّياً، ولو أنه لم يبلغ حدوده المطلقة ليصبح "كاملاً ونهائياً"، ص 38. مع أن التلاعب بالوقائع والأفكار أصبح ظاهرة قوية الانتشار وخاصة في عالم السياسة والدبلوماسية باستخدام تقنيات الإعلام، وحيث لم تعد الصورة تحيل إلى واقع فعلي بل واقع بديل، أخذ يحل محل الواقع الفعلي. ص42.

 

جرائم الحرب

يتناول دريدا ما قال إنه اعتراف جاك شيراك بممارسات ضد يهود فرنسا، ص54، فيما رفض بيل كلنتون التراجع عن رؤية واشنطن للقرار الذي قضى بإلقاء القنبلة النووية على هيروشيما وناغازاكي، ص55. فيما أقر رئيس الحكومة اليابانية بـ"أخطاء تاريخية" وعبّر عن "التأسف الصادق والعميق" جراء ممارسات اليابان في الحرب. ص 56-57. في حين لم تفكر فرنسا مثلاً بالاعتراف بالجرائم التي ارتكبتها خلال الحرب. ويتساءل دريدا هل إن قيام الرئيس الفلاني بالاعتراف أو الاعتذار يعني كذب الذين لم يعترفوا، وهل يمكن لهؤلاء أن يتهموه هو بالكذب؟

 

الكذب على الذات

يعرض دريدا مطولاً لنص الكسندر كواري بعنوان "تأملات في الكذب" الذي صدر  في نيويورك عام 1943، حيث يركز كواري فيه على ما يدعوه كذب السياسة، وخاصةً النظم الشمولية التي تُغرِق الإنسان بالكذب، (ص89)، وتدّعي مقياساً واحداً وموحداً ومطلقاً للحقيقة، مركزاً على شخصية هتلر وكتابه "كفاحي". يقول كواري: "لا يهتم ممثلو الأنظمة الشمولية إلا في النادر بالحقيقة الموضوعية، وهذا يظهر من خلال أدبياتهم (بما فيها تلك التي يزعمون أنها علمية) وخطاباتهم في دعاياتهم. فهم يعملون على تغيير الحاضر وفق أهوائهم". ص 94.

 

تشكيل تاريخ للكذب

يشكك دريدا بإمكان التوصل إلى تاريخ خاص بالكذب، وحتى إذا اعتبرنا أن ذلك ممكن، فلا بد من أن تؤخذ بالاعتبار  نقاط عدة، تعقبها مطالب أو اشتراطات عدة لتشكيل تاريخ للكذب:

-          أن يكون تاريخ الكذب بعيداً عن "الوعظ الاخلاقي"، بتعبير أرندت، أي "خارج الأخلاق"، بتعبير نيتشه.

-          البنية الإعلامية الجيدة، ودور الإعلام في الخبر والمعلومة والصورة والفضاء العمومي، وتقنيات العرض والمونتاج والسرد التي تمثل هندسة وتدخلاً على الموضوع والمتلقي.

-          تحديد المجال السياسي، بحدود  نظرية وعملية واجتماعية الخ ما أمكن، وحيث تتخذ تحليلات أرندت منحيين رئيسين هما: الأول هو فردية الإنسان، وكونه "بطبيعته غير سياسي"، والثاني هو  مسؤولية المجالين القانوني والجامعي بتحديد الكذب السياسي.

-          الكذاب هو "رجل الفعل" بامتياز، إذ بين الكذب والفعل والفعل السياسي "مجانسة جوهرية"، ذلك أن الجذر المشترك لـ"القدرة على الكذب" و"القدرة على الفعل" هو القدرة على التخيّل وإنتاج الصورة. ويستند دريدا على ذلك للقول بأن الكذب هو "مرادف للمستقبل"، ص 106.

 

أما المطالب والاشتراطات التي لعبت دوراً معاكساً أو معرقلاً حال دون الاعتقاد بجدية فكرة تاريخ الكذب فهي:

-          غياب إشكالية حقيقة للشهود والشهادة.

-          إشكالية وغموض مفهوم الكذب على الذات.

-          التفاؤل، ترى أرندت أن عمليات الختل لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، ما يعني أن تاريخ الكذب حادث وعارض لمجيء الحقيقة.

-          يمكن قبول فكرة أرندت أو يقينها بالانتصار النهائي للحقيقة على أنها غائية و"مجرد فكرة يجب الاستناد إليها" في تنظيم السياسة. وهذا لا يعني أن الكذب "متأصل" في الإنسان.
 

الكذب يؤسس التاريخ!

يختم دريدا بالقول إنه لن يكون بإمكان أي أحد أن البرهنة بالمعنى الدقيق للكلمة على "وجود وضرورة وجود تاريخ خاص بالكذب ... ولا يمكن لهذا التاريخ أن يتحول إلى موضوع نظري، بإمكان المعرفة الإلمام به"، ص 117.

و"من المؤكد أن مفهوم الكذب له خصوصيه قارة، ومن ثمة يجب العمل على تمييزه عن الخطأ والجهل، والأحكام المسبقة، والاستدلال المغلوط، بل وحتى عن النواقص التي قد تعتري المعرفة"، ص 78، وحتى تمييزه عن الهفوات الناتجة عن العمل أو الفعل أو عن التقنيات المعتمدة، ص 79.

كلما تقدمت التكنولوجيا والوسائط، كلما كانت مهمة جاك دريدا أكثر صعوبة، وكلما تمعنا في عالم اليوم وسياساته ورهاناته، وتخليق مقولات وسرديات (قل أكاذيب) جديدة، ووقائع افتراضية تقوم مقام الوقائع الحقيقية، كلما زاد اليقين بصعوبة إنجاز تاريخ للكذب. ويبدو أن ما يحدث فعلاً هو أن الكذب هو الذي يؤسس التاريخ.