ثلاثة خيارات لدور أميركا في العالم

يرى المؤلف، وهو المحلّل الاستراتيجي إيان بريمير، في كتابه "القوّة العظمى"، أنّ السياسة الخارجية الأميركية العديمة الوجهة باتت باهظة الثمن وخطيرة. فمنذ نهاية الحرب الباردة، تخبّطت هذه السياسة بأزمات متتالية لعدم اعتمادها لاستراتيجيا واضحة. ويطرح بريمير ثلاثة بدائل قد تناسب الوجهة المرومة للسياسة الخارجية الأميركية. فإما أن تنكفئ الولايات المتحدة عن التدخل في الأزمات الدولية، فتكتفي بتقديم النموذج الحضاريّ ليُحتـذى فحسب، وإما أن تتدخّل دوليًّا في بعض المواضع المناسبة بغية حماية مصالحها العامة، أو أن تبرز وحيدةً، دوليًّا، فتـديرَ دفّة حماية قيم النظام العالميّ.

نعم.. الولايات المتحدة في الصدارة!

كتاب "القوة العظمى"
كتاب "القوة العظمى"

 

يعتبر الكاتب إيان بريمر أنّه مع كون السياسة الخارجية للولايات المتحدة، هي في حالة انحدار؛ فإنّ قيمومة الدولة الأميركية بذاتها ليست كذلك. فمن حيث الاقتصاد المحلّي للولايات المتحدة، فإنّ معدّل دخل الفرد الأميركي هو سبعة أضعاف نظيره في الصين. كذلك؛ فإنّ الولايات المتحدة هي أكبر مصدّري السلع والخدمات في العالم.

ويضيف الكاتب أن الولايات المتحدة تـنعم بكونها ذات ثقافة اقتصادية استثمارية ترنو دومًا إلى ابتكار الأفضل للمستقبل. كذلك؛ إن للولايات المتحدة أسواقًا رأسمالية فعّالة، تضفي دينامية فريدة على اقتصادها، وإنها تتصدّر كل دول العالم من حيث قدرتُها على الابتكار التكنولوجيّ.

وينقل الكاتب عن مستشار الأمن القومي الأسبق، ثوماس دونيلون، قولَه في خطاب ألقاه في عام 2014، إنّ "أكبر ثماني مؤسسات تُعنى بالتكنولوجيا، في العالم، تتمركز في الولايات المتحدة؛ وفي ما يخصّ ما يُستشرَف على صعيد التكنولوجيا الريادية، مثـل الصناعة الثلاثية الأبعاد والذكاء الاصطناعيّ وتكنولوجيا النانو والحوسـبة الشبكية وما يخص صناعة الروبوتات والعلوم المادية المتطوّرة... فإنّ المستثمرين الأميركيين والمؤسسات الأميركية، هما في المقدّمة أمام نظرائهما في دول العالم".

ويكمل الكاتب بأنّ أكثر من ثلاثين في المئة من مجمل المال المخصّص للبحوث والتطوير في عام 2014، وهو ما يعادل 465 مليار دولار، قد تمّ صرفُه في الولايات المتحدة الأميركية؛ وهذا مصدر جوهريّ للقوّة في المستقبل.

ويقول الكاتب إنّ الشركات الأميركية أعادت اختراع كيفية إنتاج الطاقة الهايدروكاربونية، من خلال الشروع في ثورة في مجال الطاقة، ذات مفاعيل عالمية مستدامة؛ فاستغنت بذلك عن الاعتماد على دول أخرى لتحصيل حاجة الولايات المتحدة من الطاقة. وفي عام 2014؛ أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتجي النفط في العالم، ومع حلول عام 2019، قد تصبح الدولة الأميركية ذات اكتفاء ذاتي كامل تقريبًا، في ما يخصّ حاجتها من الطاقة.

بفعل ذلك؛ يقول الكاتب إنّ الولايات المتحدة ستستطيع الاستغناء، تـدريجياً، عن اعتماد واردات الطاقة من المناطق غير المستقرة في العالم، ولا سيّما في الشرق الأوسط، لتقوية اقتصادها. إلى ذلك، قـد تستفيد الولايات المتحدة من تصدير احتياطاتها الجديدة من الطاقة إلى دول حليفة مهمّة، بغية تعزيز العلاقات بينها وبين هذه الدول.

ويشير الكاتب إلى أفضلية الولايات المتحدة على غيرها من دول العالم، من حيث كونها ذات ديموغرافيا شابّة قادرة على الإنتاج والتطوير، فيما أنّ أوروبا واليابان والصين تشهد تكاثرًا للفئة العُمرية المسنّة (غير الشابّة). كما يشير الكاتب إلى دراسة أجرتها الأمم المتحدة، تفيد بأنّه مع حلول عام 2050، ستكون الولايات المتحدة أصغـر عُمرًا، ديموغرافيًّا، من الصين وألمانيا واليابان، بفارق بارز؛ ما سينعكس إيجابًا على الولايات المتحدة التي ستحظى، حُكمًا، بنسبة أعلى من اليد العاملة (الفئة العُمرية القادرة على الإنتاج). كما سـتنخفض نسب التعويضات المالية الممنوحة لكبار السنّ، ما سيخّفف الأعباء المالية على الدولة الفيدريالية. وهذا كلّه، بحسب الكاتب، سيجعل الولايات المتحدة متصدرة على نظيراتها المتنافسة اقتصادياً.

ويذكر الكاتب أنّ 17 جامعة أكاديمية، من بين أفخر 20 جامعة تُعنى بالبحوث والدراسات في العالم، تتمركز في الولايات المتحدة. ولذلك يستمرّ كثير من السياسيين والقادة الاقتصاديين في إرسال أولادهم إلى الولايات المتحدة لنيل الشهادات الجامعية التخصصية. كما أن المهاجرين من باقي دول العالم يلجأون إلى الولايات المتحدة لمعرفتهم بأن لا دولة أخرى تؤمّن لهم فرصًا أفضل للعيش الذي يرومونه. وإنّ مجرّد مجيئهم إلى الولايات المتحدة يعزّز عنصر الشباب والقوّة في الداخل الأميركي.

 


لكن للولايات المتحدة هفواتها...

 

في ما يخص السياسة الخارجية للولايات المتحدة، أعطى الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الإبن معادلة على نحو: "إذا كنّا دولة مستكبرة، فسيبغضنا العالم؛ لكن إذا كنا دولة متواضعة، لكن قويّة، فسيرحّب بنا العالَم". لقد أوضح بوش في عام 2000 أن "بلدنا اليوم هو في صدارة دول العالم من حيث القوة، لذا ينبغي أن نكون متواضعين، لكن علينا أن نظهر القوّة بنمط يعزّز الحريات في العالم". وأكمل بوش وقتها قائلاً: "لا أعتقد بأنه على قواتنا العسكرية أن تساهم في بناء قوام الدول، بل أعتقد بأنه عليها القتال والانتصار في الحروب".

وفي 11 أيلول/سبتمبر 2001؛ وجد جورج بوش الإبن نفسه في عين عاصفة هبّت على الولايات المتحدة من الخارج؛ فصار لسان حاله – بحسب الكاتب – عين ما قاله، مرة، ليون تروتسكي: "قد لا تكون مهتمًّا بالحرب، إلا أنّ الحرب مهتمّة بك"!... وهذا بالضبط ما اعتقد به جورج بوش في عام 2001.

يقول الكاتب إنّ بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001؛ ألزم الرئيس بوش نفسه والولاياتِ المتحدةَ بـ"حرب على الإرهاب"، لا هدفَ واقعيًّا لها ولا غاية سويّة منها. فقد كانت حربًا لإخضاع عدوّ لا ملامح له. اعتقد بوش بأنّ الامتعاض الذي ساد أميركا إثر هجمات أيلول/سبتمبر؛ يبرّر أيّة تكلفة، ومن أي نوع، تتكبّدها الولايات المتحدة في سبيل العدالة والأمن العالميَّينِ.

يقول الكاتب إنّ أحداث 11 أيلول/سبتمبر غيّرت مفهوم الأميركيين تجاه دور بلادهم في العالم، لا سيّما حيال كونها عرضة للمخاطر التي قد تطالها من أية منطقة غير مرصودة ومراقبة في الكرة الأرضية. واقتنع يومها بعض أفراد إدارة بوش بأنّه قد حان الوقت لتسخير قوة الولايات المتحدة لتوجيه بوصلة التاريخ نحو الديمقراطية. وكانت النتيجة تنفيذ خطة ترمي إلى تخليص الشرق الأوسط من أمثال الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين الذي وقف في وجه الهيمنة الأميركية؛ وإلى إقامة انتخابات في العراق، قد تُـلهم شعوب بلدان أخرى في المنطقة للمطالبة بالديمقراطية من قادتها.

وفي هذا الخضمّ كله؛ أهدر الرئيس بوش مليارات الدولارات على سياسته الخارجية التي ارتآها حربًا عالمية ستفضي إلى إعادة بناء اثنين من أكثر دول العالم اهتزازًا وعدمَ استقرار (العراق وأفغانستان).

يقول الكاتب إنّ ضبابيّة سياسة بوش الخارجية ألحقت اضرارًا كبيرة بالمواقف الشعبيّة عالميًّا تجاه الولايات المتحدة. فبين عامي 2000 و2008، استطلع مركز بيو "Pew" للدراسات آراءَ 175 ألف نسمة في 54 دولة، حيالَ مواضيعَ متنوّعة. وقد ذكر التقرير النهائي للمركز، الذي نشِر في كانون الأول/ديسمبر 2008؛ أنّ "هذه السنين تزامنت تمامًا مع فترة ولاية الرئيس جورج بوش، ما أتاح تقييمَ تأثير بوش على قضايا مهمّة لا للولايات المتحدة فحسب، بل للعالم أجمع". وكانت نتيجة الاستطلاع، الفجوةَ المهولة التي شهدتها صورة الولايات المتحدة في تلك السنين التي شرع فيها بوش في تنفيذ مخططه تجاه العالم.

وكان في نصّ التقرير الذي نشره مركز بيو "Pew": "تعاني صورة الولايات المتحدة في كل مكان من العالم تقريبًا. فالمعارضة واسعة الانتشار في غرب أوروبا، تجاه العناصر الأساسية التي قامت عليها السياسة الخارجية الأميركية؛ ولقد انحدرت النظرة الإيجابية تجاه الولايات المتحدة، لدى الكثير من حلفائها الأوروبيين. أما في الدول الإسلامية؛ فقد مال الرأي العام إلى السلبية المطْـلَقة تجاه الحرب الأميركية على أفغانستان والعراق".

 


أميركا المنكـفئة... النموذج

 

يقول الكاتب إنه من الصعب اليوم، على مواطن أميركي واعٍ ومطّلع، أن يتأكّد مما إذا كان الأميركيون يفهمون ويتبنَّون الأفعال التي ترتـئيها حكومة بلادهم، بالنيابة عنهم، ومستخدِمةً أموالَهم.

ففي ستينيات القرن العشرين؛ شابت الداخل الأميركي الاشتباكات التي اندلعت بين الشبّان الأميركيين الغاضبين ورجال الشرطة، في الشوارع وساحات الجامعات، على إثر تخوّف هؤلاء الشبّان من أن يتمّ استدعاؤهم للقتال في فيتنام.

يقول الكاتب إنّ الرئيس الأميركي الأسبق، ريتشارد نيكسون، بذل جهدًا كبيرًا في سبيل إخفاء التكلفة الحقيقية المفجعة للحروب التي تخوضها الولايات المتحدة في الخارج، عن الأميركيين العاديين. ويضيف بأنّ العملية "التجميلية" إياها لا تزال قائمة اليوم، إذ تنفق الولاياتُ المتحدة مئاتِ مليارات الدولارات، سنويًّا، لتفخيم صورة الأفضلية التكنولوجية للمؤسسة العسكرية الأميركية، إزاءَ أعداء محتمَلينَ؛ ولإظهار الحروب على نحو أقلّ دمويّة، وأقرب شَبَهًا إلى سهولة ألعاب الفيديو.

ويذكر الكاتب أنّ اعتماد الدولة الأميركية لـ"طائرات بدون طيّار"، يخفي عن الأميركيين حقيقة تأثير واقع الحرابة الأميركية ضدّ شعوب العالم. فهذه الطائرات تقتل الأعداد الكبيرة من الأبرياء خارج الولايات المتحدة، بتكلفة عسكرية أقلّ من تلك التي يستلزمها إنزال جنود مسلحين إلى الميدان. ويؤكّد الكاتب أنه، لسوء الحظ، كثير من الذين يُـقتلون بنيران هذه الطائرات، ذنبُهم الوحيد أنهم وُجدوا في المكان الخطأ في الوقت غير المناسب.. فباتوا ضحايا. وهذه الماساة تشمل بلدانًا مثل باكستان واليمن، اللتينِ ليست الولايات المتحدة على حرابة معهما. ويسأل الكاتب: "هل يفهم الأميركيون ذلك؟ وهل يعون ماذا يظنّ شعوب العالم حيالَ هذه الممارسة العسكرية الأميركية القاتلة؟ وهل يكترثون أصلًا لذلك؟".

ويؤكّد الكاتب أنّ استهدافات الطائرات الأميركية، التي بدون طيّار، في باكستان واليمن، لن تجعل الأميركيين ذوي مناعة ضدّ الهجمات الإرهابية في الداخل الأميركيّ. بالتالي، فإن شبح أفعال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا سيطاردها في الداخل؛ إذ يصبح جيل جديد من الباكستانيين واليمنيين وغيرهم، مقتنعًا بأنّه من الأفضل استهداف أميركيين مدنيين كما يتمّ استهداف أهالي هذا الجيل المستضعَف في بلاده.

إنّ استخدام الطائرات بدون طيار يسهّل على الرؤساء الأميركيين اعتبار أنّه في إمكان شعوبهم نيل ما يريدون من دون أيّة مفاعيل مضادّة، بفعل إبقاء أكبر عدد ممكن من الجنود الأميركيين بعيدينَ عن احتمالات الموت في الحروب. وهذا يزيل المسؤولية المباشرة الملقاة على عاتق الرؤساء، أمام الشعب الذي يصوّت لهم في الانتخابات؛ في أكثر القرارات حساسية—القرارات الحربية.

ويلفت الكاتب إلى أنه كما قد يريد البعض اعتمادَ التكنولوجيا (الطائرات بدون طيار) للقيام بالأعباء الحربية، وتجنّب مقتل أعداد الجنود الأميركيين؛ فإنّ آخرينَ يعتبرون أن من المجدي الاعتماد بنمط أكبر على أصدقاء الولايات المتحدة وحلفائها. وهذا الأمر نجح في ليبيا حيث ساعد الدعم الماليّ واللوجستي الأميركي، الحلفاء الفرنسيين والبريطانيين، على الإطاحة بحُكم الرئيس الليبي السابق معمّر القذّافي. فيسأل الكاتب: "أليس هذا النموذج جديرًا بأن يسمح للولايات المتحدة بأن تحقق أهداف سياستها الخارجية بتكلفة – بشرية – أقلّ؟ أليس في إمكان الولايات المتحدة أن تديرَ القيادة من الخلف وتترك الواجهة للتكنولوجيا أو لحلفائها؟".

وكذلك الأمر، في سوريا، فإن فيها، بحسب الكاتب، حاكمًا تستدعي الإطاحة به إرادةً خارجية بإرسال جنود على الأرض؛ وليست الولايات المتحدة غبية كفاية أن تلتزم بإرسال جنود لها لخوض غمار حرب جديدة في الشرق الأوسط.

ويشير الكاتب، في معرض وصفه حيثيات الانكفاء الأميركي المحتمَل، إلى أنّ الولايات المتحدة لا تجيد إعادة بناء الدول البعيدة التي تتدخّل في شؤونها بذريعة محاربة الإرهاب. فالولايات المتحدة تفلح في تدمير تلك الدول، أكثر منها في إرساء الديمقراطية التي تنشدها لها. والتجربة أثبتت أنّ الولايات المتحدة تخلّف وراءها فراغًا سياسيًّا في البلدان البعيدة تلك، مهما بذلت من موارد لخلق وهْم التغيير. وإنّ الإرهابيين، بحسب الكاتب، سينتظرون، في كل مرة، انصراف الولايات المتحدة إلى همّ عالميّ آخر، في بلد آخر؛ لينقضّوا على مشروع الديمقراطية المنشودة لتلك البلاد التي ينشطون فيها.

ويستغرب الكاتب كيف أن بعد ربع قرن على انتهاء الحرب الباردة، وسبعة عقود على انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ لا يزال ثمة 40 ألفَ جنديّ أميركي في ألمانيا، و50 ألفًا آخرين في اليابان. ويعلن أنه بات على أوروبا واليابان أن تتحملا مسؤولية أمنهما، وأن تنفقا المزيدَ من المال والأرواح للدفاع عن سيادتهما.

... وهكذا، تستطيع الولايات المتحدة أن تنكفئ عن صراعات العالم، وتكتفي، بحسب الكاتب، بتقديم الأنموذج الحضاري ليُحتـذى.

 


أميركا للتدخّل لحفظ المصلحة فحسب

 

لقد نمّى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صورة مشرقة له على أنه الرجل القويّ؛ وجعل هجومُه العدائيّ ضدّ كيانات سوفياتية سابقة – مثل جورجيا في عام 2008 وأوكرانيا في عام 2014 – بعضَ الأميركيينَ محبطينَ، عندما انكفأ الجنود الأميركيون عن التدخل ببسالة لمعاقبة بوتين على محاولته الهيمنة على كيان غير روسي.

ويقول الكاتب إن بعض مَن انتقد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لعدم اتخاذه قرار المواجهة ضدّ الروس، قد بنى انتقاده على مستلزمات الانتخابات التي كان يدنو موعدها؛ لكنّ آخرين انتقدوا أوباما لكونهم فعلًا يحملون الاعتقادَ الخاطئ بأنه ينبغي إظهار القوة الأميركية، وأن تتم ممارستها حيث لا تدعو الحاجة إلى ذلك البتة.

ويشدّد الكاتب على أنّ التحيّز دومًا لممارسة القوة، هو خيار غبيّ في السياسة الخارجية. ويذكّر بأنّ الرئيس الأميركي الأسبق جون كينيدي، قد واجه في عام 1962، ضغوطًا من بعض مستشاريه العسكريين للردّ على وجود صواريخ سوفياتية في كوبا، من خلال اجتياح أميركيّ لتلك الجزيرة. ولحسن الحظ، بحسب الكاتب، أنّ الأميركيين تجنّبوا وقتها اندلاعَ حرب نووية كانت لتحصد حياة أعداد كبيرة من الأميركيين، في خضمّ إثبات "قوّة" و"حضور". ويكمل الكاتب بأنّ كينيدي وقتها اكتفى بحصار بحريّ دفاعيّ، ضد كوبا، لمنع الإمداد السوفياتي لتلك الجزيرة؛ وبإبرام اتفاقية ديبلوماسية حيالَ أسلحة أميركية في تركيا، منهيًا بذلك أكثـرَ المواجهات المباشرة للحرب الباردة، بخلاصة سلمية لا حربية. يؤكّد الكاتب، بذلك، أنّ ممارسة الديبلوماسية الصارمة، مدعومة بشيء من التهديد العسكريّ البسيط، جنّب العالم حربًا نووية شعواء.

ويشير الكاتب إلى أن الذين ينتقدون رئيسًا أميركيًّا لعدم اتخاذه موفق حرب عسكرية؛ عادة ما يكونون هادفين إلى تشويه صورته في الانتخابات، وجعلِه موسومًا بالضعف الذي ينعكس على بلاده ضعفًا. إلّا أنّ الرئيس القوي هو ذلك الذي يهتمّ بالتصرّف وفق ما يفيد مصالحَ بلاده، فحسب.

ويذكّر الكاتب كذلك بالرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغن الذي اتخذ قرارًا من أكثر القرارات حكمة وشجاعة، في سياسته الخارجية؛ وهو قرار يوسَم على إثـره معظمُ الرؤساء بالجُبن. ففي عام 1982، اجتاحت إسرائيل لبنان، فتم جلب قوة متعدّدة الجنسيات لحفظ السلام؛ قوامها 800 جندي أميركي، و800 جندي إيطاليّ، و400 جندي فرنسيّ، أتَـوا إلى بيروت للإشراف على عملية إخلاء المقاتلين الفلسطينيين من لبنان، والحؤول دون تجدد الاشتباك بين الأطراف المتنازعة. وفي عام 1983؛ قام مسلحون إسلاميون بأضخم وأنجح هجوم في التاريخ؛ فقد فجّر أحدُهم شاحنة كان يقودها، محمَّلة بعشرة أطنان من المواد المتفجرة، في المبنى الذي يضمّ القوى المتعددة الجنسيات. فقُتِل 241 جندياً أميركياً، وهي الخسارة الأفدح للأميركيين منذ عام 1945.

اعتبر بعض أفراد إدارة الرئيس ريغن أنّ هذا الحدث يبرّر هجومًا أميركيًا ضدّ الحرس الثوري الإيراني الذي اعتبرته الإدارة الأميركية الداعمَ والمسهّل لعملية التفجير. لكنّ ريغن اعتبر أن الدليل على ضلوع إيران بالتفجير ظرفيّ، وأنّ أي هجوم عسكريّ ضدّ إيران لن يخدم أي هدف مجدي. كذلك، قرّر ريغن أنه يجب أن يظلّ جنود أميركيون في لبنان إلى حين أن يستقرّ الوضع. فحسب اعتقاد ريغن، ثمة مصالح مهمة للولايات المتحدة في لبنان، وإنّ عمل الولايات المتحدة في لبنان يخدم الأمن والاستقرار العالميين.

ويستدرك الكاتب أنّ القوات الأميركية لم تكن قادرة على حفظ السلام، وأنّ الولايات المتحدة لم يكن لديها مصالح حساسة في لبنان، وأنّ الوجود العسكري الأميركي لم يكن يصبّ في مصلحة السلام العالمي. لذا؛ سرعان ما غيّر ريغن قراره، فأمر بالانسحاب من لبنان.

يشدّد المؤلف على أهمية أن يتحلى الرئيس الأميركي بالشجاعة الكافية للاعتراف بالخطأ، وأن يصوّبَه، وأن يتمسّك بالصواب عندما يشكك المنتقدون، المحليون والخارجيون، بمدى صلابة هذا الرئيس وقوة أميركا. ويستنتج الكاتب أنه لا ينبغي أن تشن الحروب على إثر فورة غضب لدى الرئيس أو الشعب، ولا لإثبات الحزم والحضور، ولا للدفاع عن مبدأ. إنّ بناء سياسة خارجية رابحة ليس مسألة إرادة فحسب، بل هو اختبار للرؤية والمزاج.

فبمثل نموذج أوباما في أوكرانيا، وريغن في لبنان؛ يرى الكاتب أن تكون سياسة خارجية للولايات المتحدة تعتمد رصد أوجه المصلحة من أي تدخّل عسكري (أميركي) في أرض غريبة؛ فلا يكون التدخل الخارجي (الأميركي) في بلدان أخرى إلا وفق ما تقتضيه المصالح الذاتية المحدّدة.

 


حتمية الحضور الأميركي عالميًّا

 

يقول الكاتب إن خيار السياسة الخارجية لأميركا، القائمة على ضرورة الحضور الأميركي عالميًّا، يستلزم الانتباه إلى أن الحضور العسكري ضرورة. نعم، لكن كذلك ينبغي تسخير التجارة والاستثمار والعقوبات والإمكانيات الحاسوبية والجاسوسية وصادرات الطاقة... كلها من أجل تمتين الحضور الأميركي في العالم تحت مظلة سياسة خارجية تسعى للسيطرة على تطورات أحداث العالم، وفق ما تـراه الولايات المتحدة مناسبًا للإنسانية (مِن قيم تسود النظام العالمي في الأرض).

ويتطرق الكاتب إلى كوريا الشمالية، المعادي نظامُها الحاكم للإدارة الأميركية؛ فيعتبرها مشكلة أمنية آخذة في التعقيد والخطورة أكثر مع الوقت. ويقول إن العقوبات التي قد تفرَض ضدّ كوريا الشمالية، قد تؤدّي عكس ما هو مروم منها. ويبرّر الكاتب رأيه بأنّ حكومة مثل الحكومة الكورية الشمالية لا تريد أصلًا الانفتاح على الولايات المتحدة؛ بل تريد عزلة تساعدها على تنظيم تدفّق الأفكار والمعلومات في بلدها، ما يمهّد لها السيطرة بالكامل على الثروة الوطنية والسلطة الداخلية.

ثم يتناول الكاتب أوكرانيا؛ حيث يسعى موالو النظام الحاكم ذي الاقتصاد المنغلق، إلى حماية مصالحهم المالية من المنافسة الخارجية التي قد تتأتى من خلال انفتاح بلدهم على باقي دول العالم.

ويعود الكاتب ليدرس وضع الولايات المتحدة، لا سيما في خصوص الطاقة. ويثمّن قدرة الشركات الأميركية المصدّرة للطاقة إلى الخارج لدول تريد وتستطيع دفع أعلى قدر من المال في مقابل حصتها من الطاقة. ويشدّد على ضرورة ملازمة القوة العسكرية لجميع موارد الهيمنة الأميركية (غير العسكرية) على العالم.

ويجزم الكاتب بأنّ الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم، التي تستطيع فرض قوتها العسكرية وغير العسكرية في جميع أنحاء العالم. ويختم بأنّ سياسة خارجية قائمة على السيادة المطلقة على دول العالم ينبغي لها أن تشتمل على الاستثمار الدائم في التكنولوجيا الفريدة، الضرورية لضمان استمرار الولايات المتحدة في كونها ذات أكبر وأقوى مؤسسة عسكرية في العالم، بل كذلك أن تكون الأذكى والأكثر مقدرة على التكيّف مع مستجدات الميدان.