الكرد وحلم الاستقلال

تبرز أهمية هذا الكتاب في مرحلة مفصلية يمرّ بها العراق (والمنطقة)، مع إعلان القيادة الكردية في إقليم كردستان عن قرارها بإجراء استفتاء شعبي على الانفصال النهائي عن العراق. ومن المتوقع أن تكون لهذا الاستفتاء، المعروفة نتيجته، تداعيات خطيرة على الأوضاع السياسية والأمنية في العراق الذي يخوض حرب وجود ضدّ تنظيم داعش الإرهابي وبقايا النظام العراقي السابق.

كتاب "الكرد: شعب بدون دولة.. تاريخ وامل"

لقد شغلت قضية الأكراد الذين يعيشون في تركيا والعراق وسوريا وإيران، المنطقة منذ عشرات السنين. والمعروف أن أكراد هذه البلاد اجتمعوا (أو معظمهم) على المطالبة بـ«الوطن التاريخي» لهم، والذي يقولون إن الدول والحكومات التي يعيشون فيها قد انتزعته منهم، بالتواطؤ مع قوى إقليمية ودولية فاعلة، من خلال اتفاقيات أو تفاهمات حصلت خصوصاً بعد الحرب العالمية الأولى والثانية. وهذا «الوطن التاريخي» كان اسمه كردستان، بحسب قولهم. وقد تمّ إحياء «القضية الكردية» مجدّداً بعد الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، واندلاع الحرب السورية في عام 2011، حيث انتعشت آمال الأكراد بإمكانية تحقيق حلمهم الذي دفعوا من أجله الكثير، في ظلّ انهيار خطير ضرب البنى المؤسساتية والمجتمعية في المنطقة، مع تصاعد في التدخلات الغربية المؤيدة لما يسمّى «استقلال الدولة الكردية» في العراق، والتي ستمتد لاحقاً نحو تركيا فسوريا وإيران، ولتأخذ «كردستان التاريخية» شكلها الجيوسياسي المرسوم.

وبغضّ النظر عن حقيقة الأهداف الغربية (والصهيونية) من وراء دعم «التطلعات الكردية المشروعة» في المنطقة، فإننا سنعرض لأهم مضامين هذا الكتاب، الذي يتبنّى مؤلّفه «القضية الكردية» بشكل مسبق، ويدافع عنها حتى النهاية.

"شعب بدون دولة: المسألة الكردية على مسرح السياسة الدولية" هو العنوان الأول الذي يبدأ به الكاتب كلامه حول المسألة الكردية.

من الثابت – في رأي المؤلّف - أن الكرد يُعتبرون بعد العرب والترك والفرس الشعب الرابع من حيث التعداد في منطقة الشرق الأدنى، برغم الاختلاف في عددهم الحقيقي (30 - 40 مليون نسمة) بحسب تقديراته.

ويضيف الباحث أن الكرد يتمتعون "منذ آلاف السنين بتاريخ خاص بهم. ومنذ ظهورهم التاريخي الأول يعيش الكرد في الأرض نفسها التي يعيشون عليها إلى اليوم. وهم يتكلمون لغة خاصة بهم؛ وهي لغة هندوجرمانية تنتمي إلى اللغات الإيرانية الغربية، وهي قريبة جداً من اللغة الفارسية القديمة".

تمتدّ مناطق سكن الكرد المقفلة من جبل آرارات التوراتي في الشمال وصولاً إلى الخليج الفارسي، ومن أرمينيا وصولاً إلى سواحل البحر المتوسط، ومن شواطئ دجلة وصولاً إلى المرتفعات في إيران. هذا هو موطنهم المقسّم: كردستان، كما يقولون.

لكن ثمّة كردستان أخرى: إنها السهوب الواسعة الخصبة باقتصادها الريفي الغني بالمحاصيل، وحقول النفط ومضخات نقله، والمدن الكبرى مثل كركوك وأربيل، والتي تضمّ اليوم ربما مليون نسمة، وفيها أيضاً مبنى لمجلس النواب، وثلاثة مستشفيات، ومحطة تلفزيون، أي إقليم كردستان في العراق ذي الحكم الذاتي والذي يسعى إلى الاستقلال والانفصال عن العراق.

إن كردستان بلد واسع بأوجه كثيرة. كما أنها بلد غني من حيث المبدأ. فهي تمتلك بوفرة أكبر كنوز الشرق الأوسط - الماء والنفط؛ حيث يوجد نصف نفط العراق تقريباً على أرض كردية. وأكبر أنهار الشرق، الفرات ودجلة، اللذان تتغذى كلٌ من تركيا وسوريا والعراق من مياههما، ينبعان من كردستان..

ومع ذلك، فلا وجود لكردستان على أيّ خريطة. يقول الكاتب إن الكرد هم آخر شعب كبير لا دولة خاصة بهم، فأرضهم تقسمت وضُمّت إلى الدول التي قامت حديثاً، في العراق وتركيا وإيران وسوريا.. وهكذا يشكّل الكرد أقليّات عدة من أغلبية واحدة.

يقول المؤلّف إن ثمة ثلاثة عوامل حدّدت إلى الآن قدر الكرد: الانقسام، والانتشار، والسياسة الجغرافية. والجغرافيا هي القدر بالنسبة للأكراد؛ فعلى مدى مئات السنين كانت المناطق التي يعيشون عليها مسرحاً لسجالات وحروب الآخرين من إمبراطوريات عظمى وشعوب..

كما أن الحدود التي تتقاسمها كردستان ليست حدوداً طبيعية ولا اقتصادية ولا ثقافية أيضاً؛ بل هي حدود مصطنعة، حدّدت رغماً عن إرادة الشعب الكردي، وتبعاً لمصالح قوى التقسيم، وللقوى الغربية تحديداً التي وجدت في ذلك «حفظاً للتوازن»، بحسب اتفاقية سايكس - بيكو 1916.

وبعدما يعرض المؤلّف، وبإيجاز شديد، لتطور أوضاع كرد العراق خلال القرن الماضي، يستنتج بأنه منذ قيام منطقة الحكم الذاتي في كردستان العراق، أي منذ عام 1991، ومنذ القضاء على سلطة صدام حسين (في عام 2003)، أصبحت مسؤولية التاريخ الكردي في أيدي الأحزاب الكردية الحاكمة وفي أيدي رؤسائها.

 

"من يقول إذاً إننا نثق ثقة عمياء بالولايات المتحدة؟ التحالف الكردي1 مع أميركا".

هذا هو العنوان الثاني في الكتاب، وفيه قراءة لما شهدته (كردستان) منطقة الاستقلال الذاتي التي تشكّلت بعيد الغزو الأميركي للعراق، في آذار مارس 2003، من أحداث مأساوية وخيانات. لكن، قبل ذلك، يعود المؤلّف بالذاكرة إلى يوم 16 آذار/ مارس 1988، حين قصفت طائرات عراقية منطقة حلبجة الكردية بالطابون، وهو غاز أعصاب قاتل شديد الفعالية، وغاز الخردل الذي يشلّ الجسد، ما أدّى إلى سقوط 5000 من المواطنين الكرد، وجرح أو تشوّه الآلاف؛ فيما اختارت الولايات المتحدة «مداراة» هذه الجريمة، لأسباب مجهولة بالنسبة للأكراد. وكما تجلّى بسرعة، لم تكن حلبجة إلّا أول الغيث لحملة منسّقة لتدمير البنية التحتية للمناطق الكردية، وكذلك التنظيمات التي أقاموها. وقد كلّفت الكتائب العراقية (بقيادة ابن عم صدام حسين، علي حسن المجيد، المعروف بولعه بالسلاح الكيميائي والملقب بـ"علي الكيمياوي") بالقضاء على إرادة الشعب الكردي بالاستقلال إلى الأبد.

وبالفعل، فقد قدّر مراقبون دوليون عدد الذين قضوا جرّاء العملية العراقية بنحو مئة ألف كردي، فيما أسرت الفرق العسكرية المرسلة من بغداد 30 ألف شاب كردي، لا يزال مصيرهم مجهولاً حتى الآن.

وعليه، يتساءل الكاتب: هل سيقع الكرد مجدّداً في الحماقة نفسها؟ ويقصد تصديقهم للوعود الأميركية المتحدة لهم، عشيّة حرب مارس آذار 2003 لإسقاط نظام صدام. فالأميركيون حثّوا الكرد على الثورة على بغداد أقلّه مرّتين (المرّة الأولى عام 1973 - 1975، ثم مرّة ثانية عام 1991، بعد الحرب الأميركية الأولى في الخليج).

يقول مسعود برزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني: «من قال إننا نثق بالولايات المتحدة ثقة عمياء؟ على الكلّ أن يهتم بمصالحه الأساسية. والآن فإن مصالحنا - وفيما يحدث في بغداد - تتلاقى بقوّة مع مصالح الأميركيين»؛ ويقصد إزاحة صدام حسين عن الحكم في حينه؛ وفي نهاية الأمر، فإن القوّة العسكرية الذاتية لدى الكرد لا تتيح لهم الفرصة لتحدّي الحماية العسكرية الأميركية أو لردّها.

العنوان الثالث في الكتاب (الرجل الذي تحوّل إلى أسطورة .. الملاّ مصطفى برزاني)، وفيه يوجز الباحث بعض مراحل «نضال» الزعيم الأسطوري للأكراد، بمناسبة حضوره دفنه في قرية شنوه، المعروفة باللغة الإيرانية باسم أشنويه، بالقرب من الحدود العراقية - الإيرانية.

وكان برزاني قد توفّي في الولايات المتحدة (في آذار مارس 1979)، حيث كان يعيش فيها كلاجئ سياسي منذ عام 1976، بعد فشل الانتفاضة الكردية التي حصلت بين عامي 1974 و1975 بتدبير من وزير الخارجية الأميركية هنري كيسنجر آنذاك، وبمساعدة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وبالاشتراك مع شاه إيران محمد رضا بهلوي.

لقد بدأ تاريخ أسرة برزاني بالتحديد مع بداية القرن التاسع عشر، حين استطاع زعيم الطريقة الصوفية النقشبندية، والتي كانت تحاول إحداث صحوة إسلامية في أرجاء الدولة العثمانية، كسب جماعة مؤثرة له في قرية بارزان، وكان اسمه تاج الدين؛ وهو أصبح أول شيخ في بارزان وشيخ العائلات الـ750 التي تسكن بارزان وأوديتها. كما أصبح شيخ قبائل الشرواني بأسرها البالغ عددها 1800 أسرة.

يقول الرحّالة البريطاني إلى المشرق، مارك سايكس إن «آل برزاني قد صاروا أسرة مشهورة بنزعتها العسكرية». وكان الملاّ مصطفى خير مجسّد لهذه النزعة القتالية، فضلاً عن وعيه السياسي وعناده في سبيل تحقيق أهداف شعبه. وهو حقّق إنجازات مهمة على طريق «استقلال» هذا الشعب برغم فشله في إنجاز الهدف الأسمى له، في ظلّ المتغيرات السياسية والأمنية التي شهدها العراق في تلك المرحلة؛ فضلاً عن الصراعات الكردية التي حصلت حول مبيعات النفط من المناطق الكردية في الشمال ومن خانقين في الجنوب. ويختم المؤلّف هذا العنوان باستعادة بعض وقائع ذكرى لقائه «المميّز» بالملاّ مصطفى برزاني، الرجل الأسطورة.

 

"أفضل الناس الذين التقيتهم في الشرق - ماذا يروي أشهر الرحّالة عن أصل الكرد وعن تاريخهم؟"، هو العنوان الرابع في الكتاب، وفيه يورد المؤلّف نصوصاً مقتبسة لرحّالة أجانب أوروبيين قاموا برحلات استكشاف علمية إلى الجزيرة العربية، وبلاد فارس والبلدان المجاورة، ومن ضمنها المناطق الكردية التي تعجّ بالحياة، في قلب الوديان والصخور والجبال، حيث الثلوج التي تغذّي الجداول والأنهار، لتسقي البساتين والمروج وحقول الأرز.

ويتوقف المؤلّف عند الأوصاف التي نقلها المستشار العسكري البروسي مولتكيه، حول كردستان، كونها لم تتغيّر حتى اليوم. فعلى سبيل المثال، نجده يصف نوع بناء البيوت في المناطق الجبلية المأهولة، والتي يدخل في بنائها الطوب والحجر وشجر الحور. يقول المؤلف إن التقارير التي أوردها مولتكيه، والتي تناولت الحملات العقابية التي مارسها الباشوات الأتراك ضدّ القبائل الكردية وضدّ الزعماء الكرد الذين يعارضون النظام ويرفضون دفع الضرائب أو التجنيد، هي نفسها التي يمكن أن تُكتب اليوم في تركيا الحديثة التي ورثت الدولة العثمانية؛ وكذلك في العراق حيث لا تزال الممارسات القاسية تتوالى فصولاً.

وبعد تعريجه على مسألة الأصل الفعلي للأكراد، والتي تزال حتى بداية القرن الواحد والعشرين من دون حل، يختم الباحث هذا القسم بالإشارة إلى ما تمّ في عام 1639، حين قام الباب العالي (العثماني) بإبرام معاهدة مع الدولة الفارسية، حدّدت بموجبها حدود كلّ دولة، ليمرّ الخط الفاصل بين الدولتين وسط كردستان. ومنذ ثلاثة قرون لا يزال هذا الخط السياسي الفاصل هو ما يقسم الشعب الكردي إلى الآن.

"نحن لسنا أتراكاً، إننا كرد - 15 مليون كردي في تركيا"؛ هذا هو عنوان القسم الخامس في الكتاب، وفيه يتحدث المؤلّف عن مساعي الكرد التاريخية، والمريرة، لتحقيق «استقلالهم» عن الدولة التركية، أو إجبارها على الاعتراف بهم كأقلية قومية لديها هويتها الخاصة. ومن ثمّ يعرض لتطوّر العلاقة بين الأتراك (في زمن كمال أتاتورك ومن خلفه) والكرد، وتحديداً بعد الحرب العالمية الأولى، حيث تواصلت القوى الكردية مع «الحلفاء» المنتصرين في الحرب، والذين لم يكن هدفهم تحقيق حقّ تقرير مصير الشعوب، بل القضاء على الإمبراطورية العثمانية.

وقد لاحظ الكرد أنهم خدعوا أيضاً من جانب أبي تركيا الحديثة، أتاتورك، الذي وعدهم بالحقوق نفسها التي يحظى بها الأتراك. بعد ذلك حصلت سلسلة من المعارك والحروب بين الطرفين، والتي اعتبرها الكرد محاولات تركية لإدماجهم بالقوّة داخل النسيج التركي، أو استئصال المقاومة الكردية من جذورها (التمرد بلغة الأتراك).

وقد ظلّ هذا الواقع الصدامي سائداً طيلة العهود التركية التي تلت عهد مصطفى كمال أتاتورك، وصولاً إلى توركوت أوزال، الذي كان قد توصل إلى توسيط زعيم حزب الاتحاد الكردي، جلال طالباني، للقيام بمباحثات مع عبدالله أوجلان، زعيم حزب العمّال الكردستاني؛ لكن المحاولة فشلت مع موت أوزال غير المتوقع في عام 1993، لتجهض بذلك فرصة الحل السياسي الوحيد للصراع.

وبعد خمس سنوات، أي في عام 1998، وبعد إنذار تركي لسوريا بسبب مساندتها لحزب العمّال، تمّ إبعاد أوجلان وإغلاق منشآت حزبه في سوريا. وفي وقت لاحق وقع أوجلان في قبضة الأتراك، في نيروبي، ضمن عمل مشترك تولّته الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية في ما اعتُبر لحظة حيوية في المسألة الكردية التي لم تجد حلاً لها بعد.

 

"نجتاز الحدود ولكننا نظلّ في كردستان - الكرد في إيران"؛ هكذا يعنون المؤلّف القسم السادس من كتابه، وفيه يتحدث عن الحلم نفسه الذي يراود كرد إيران وكرد العراق وكرد تركيا، بالكيان أو الدولة الكردية المستقلة: كردستان.

وتماماً مثل اسم مصطفى برزاني، تشكّل كلمة «مهاباد» أيضاً أسطورة تدور في رأس وقلب كلّ كردي. فمهاباد، المدينة الصغيرة، هي بالنسبة إلى الكرد أرض مقدّسة؛ إذ هنا استطاع هؤلاء، وللمرّة الأولى في التاريخ، تحقيق أمنيتهم: تأسيس دولة خاصة بالكرد. تمّ ذلك في مطلع عام 1946؛ لكن (جمهورية مهاباد) لم تستطع أن تعيش حتى لتكمل عامها الأول.

وقد سعى الكرد للاستفادة من الظروف السياسية والأمنية التي شهدتها إيران، خاصة خلال الحرب العالمية الأولى والثانية، حيث خلق اندفاع الجيش السوفياتي في آب/ أغسطس 1941 إلى المناطق التي يوجد فيها جيش الاحتلال الإنكليزي في إيران، فرصاً مناسبة لبدء جولة جديدة من أجل تحقيق الطموحات الوطنية الكردية، لكن السلطة الإيرانية قمعت هذه الطموحات الكردية في مناطق عدة، بمساعدة بريطانية أحياناً، بينما لم يتضح تماماً الموقف السوفياتي من المسألة الكردية في ذلك الوقت، مع الإشارة إلى أن النظام السوفياتي ربما كان يحبّذ خلق دولة كردية مستقلة، تضمّ كرد إيران والعراق وتركيا، وتكون حليفاً لروسيا، أو تقيم صداقة معها. وبهذه الطريقة تصبح الدول المناوئة للشيوعية وللنظام السوفياتي في كلٍ من تركيا وإيران والعراق، الخاضعة للتأثير الغربي، ضعيفة إلى حدٍ ما، بحيث يصبح الطريق أمام التغلغل السوفياتي لاحقاً إلى الشرق الأوسط مفتوحاً.

 

"ميثاق الحدود الثلاثة - مرحلة الدولة الكردية القصيرة"، هو عنوان القسم السابع في الكتاب، وفيه يتابع المؤلّف حديثه عن دور «مهاباد» الإيرانية التاريخي في سياق محاولات تحقيق استقلال «الأمّة الكردية»، وتحديداً في مرحلة الحرب العالمية الثانية.

في حينه، تحوّلت (لجنة إحياء كردستان) المكوّنة من زعماء ووجهاء كرد «وطنيين»، (من العراق وسوريا وإيران) إلى ما سمّي (ميثاق الحدود الثلاثة)، والذي تمّ التوقيع عليه في آب / أغسطس 1944، من على قمة أعلى جبل يقع عند حدود العراق وإيران وتركيا (يبلغ ارتفاعه 3600 متر).

وقد تضمّن هذا الميثاق بنوداً تقضي بالاستخدام المشترك لكلّ الموارد البشرية والمادية المتاحة من أجل خلق كردستان كبرى. وتوافق الموقّعون عليه على إنشاء دولة تمتدّ حدودها من جبل آرارات (الوارد ذكره في التوراة) امتداداً إلى السهول حول دجلة والفرات جنوباً، مع كلّ ما تتضمّن المنطقة من مناطق يسكنها الكرد. حتى أن النقاش تطرّق إلى ضمّ مدينة كركوك مع حقولها النفطية.

ويتوقف المؤلّف عند فشل التجربة الكردية بالاعتماد الكامل على الدعم الروسي (السياسي والعسكري)، لاعتبارات تتخطّى الإعجاب الروسي بهذه التجربة ومستقبل «الدولة الكردية». لكن ذلك لم يحل دون تطوّر مدينة مهاباد لتصبح واسطة عقد النهوض الكردي عموماً.

وفي حزيران/ يونيو1947، أُسدِل الستار على تلك التجربة الكردية، مع فرار الملاّ مصطفى برزاني من الفرق العسكرية الإيرانية، ومعه بضعة رجال، إلى المنفى، على الضفة الأخرى لنهر آراس، والذي يشكّل مجراه الحدّ الفاصل بين تركيا وإيران والاتحاد السوفياتي.

 

"سلام برزاني: عودة الابن الضال"؛ هو القسم الثامن من الكتاب، وفيه حديث عن تحوّلات في المنطقة، في بداية الخمسينات من القرن الماضي، أتاحت للملاّ برزاني العودة بقوّة إلى ساحة «النضال السياسي» في العراق، بعدما أدرك السوفيات ما للكرد من قوّة سياسية آنذاك، بمواجهة حكومتي تركيا والعراق (الأولى باتت عضواً في الحلف الأطلسي والثانية في حلف بغداد).

وقد شمل العمل السياسي الجديد للالبارزاني التواصل مع أنصاره وأتباعه في العراق، وصولاً إلى تزعمه (الحزب الديمقراطي الكردي)، الذي كان يؤمن بالعمل الكردي - العربي المشترك داخل العراق، وطناً واحداً ومشتركاً للجميع. لكن، وبعد تأمينه لقاعدة تدريب وانطلاق قرب الحدود مع إيران، سرعان ما اصطدم الملاّ برزاني بالقوات العراقية النظامية التي سعت لوأد التحرك الكردي الاستقلالي الجديد بالقوّة. وكان ذلك في عهدي عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف الذي نفّذ انقلاباً دموياً على سلفه.

وقد استمرت الحملات العسكرية ومحاولات الكرد صدّها إلى زمن أحمد حسن البكر، الذي تحالف مع الاتحاد السوفياتي في ذلك الوقت (يوليو - تموز 1968)، والذي أراد إنهاء المسار العسكري الدامي مع الكرد، وتوسيع رقعة الإنجازات السياسية التي كانت قد تمّت معهم في المراحل السابقة.

وفي 12 آذار/ مارس 1970، تلا البكر بياناً تاريخياً، كان من أهم نقاطه تعديل الدستور، حيث ستكون الأمّة العراقية بعد الآن مكوّنة من شعبين، العرب والكرد.

تبقى محطة لافتة في هذا القسم، توقف عندها المؤلّف، وتتعلّق ببدء روابط أو اتصالات كردية - إسرائيلية، في عام 1963، من خلال الأمير الكردي بدرخان الذي كان يعيش في باريس. وقد تضمّن اتفاق لاحق بين الطرفين تزويد الكرد بالسلاح والذخيرة والتدريب، وصولاً إلى التعاون المشترك بين الاستخبارات السريّة الإسرائيلية والاستخبارات الكردية بقيادة مسعود برزاني (ابن مصطفى برزاني، وهو اليوم زعيم المنطقة ذات الاستقلال الذاتي في كردستان العراق".

وفي هذا الإطار زار البارزاني إسرائيل سراً عام 1976، حيث تولّى هناك القيام بمحادثات سريّة مع هيئة الأركان الإسرائيلية.

 

"وحدة في كردستان العراق - مساعدة إيرانية وأميركية للكرد"، هو عنوان القسم التاسع في الكتاب، وفيه يقرأ المؤلّف مرحلة ما بعد إعلان بيان 11 آذار/ مارس الذي أنهى حرباً أهلية استمرت عشرين سنة بين العامين 1961 و1970. فقد نعمت المنطقة الكردية بالسلام، وتمّ إطلاق حملة ثقافية سياسية وصلت حتى إلى الأقاليم البعيدة، وفي طليعتها أطلِقت حملة محو أميّة منظّمة؛ كما تمّ بناء نظام صحّي، وإن بشكل أوّلي.

لكن أيضاً، سعى الكرد في تلك المرحلة إلى متابعة بناء قواهم العسكرية، بشق الطرق الحيوية للإمدادات وإنشاء معسكرات التدريب، وتكديس السلاح والذخائر، استعداداً لجولة جديدة من المواجهات العنيفة مع سلطة بغداد (البعثية)، والتي لم تلتزم ببنود اتفاق آذار/ مارس، لجهة الاعتراف الكامل بخصوصية الكرد القومية والثقافية، بحسب ادعاء مسعود البارزاني وأتباعه.

ويورد المؤلّف أمثلة عديدة على حرمان الكرد من المناصب الوزارية والإدارية المهمة في الدولة، فضلاً عن منعهم من الاستفادة من موارد مناطقهم الغنية بالنفط (كركوك).

وبعد فشل محاولة كردية جديدة لاستغلال دخول قوات عراقية في حرب عام 1973، التي اندلعت بين الكيان الإسرائيلي ومصر، بهدف تحقيق نصر على بغداد، عاود قادة الكرد التقرّب من السلطة العراقية مجدّداً لتنفيذ ما جاء في اتفاق آذار/ مارس، لكنها كانت محاولة متأخرة عملياً، لينعكس فشلها انسحاباً كردياً سياسياً وإدارياً من هيكلية سلطة أحمد حسن البكر.

 

"كان خطئي الأكبر الثقة بالولايات المتحدة - طعنة خنجر من إيران، وخيانة من جانب أميركا". هكذا عنون المؤلّف القسم العاشر من كتابه، وفيه توقف عند مواجهة كبرى حصلت في خريف عام 1974 بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة، والتي تكبّد فيها العراقيون خسائر فادحة، بحسب المؤلّف، لتنطلق بعدها حملة انتقام من سلطة بغداد، من خلال غارات جوية عنيفة (معركة إبادة) ضدّ بعض المدن الكردية، أدت إلى تعذيب وقتل أسرى كرد سبق أسرهم منذ عام 1972.

ولم تؤدِّ المناشدات الكردية للدول الغربية بالتدخل لنجدة الأكراد إلى نتيجة، ما عدا بعض المواقف والتحركات ذات الطابع الإنساني أو الدعائي فقط.

ويسجّل المؤلّف أنه بين عامي 1974 و1975 توجّب على نصف مليون كردي، أي سدس السكان في المناطق التي وقع فيها قتال، النزوح من مكان إلى آخر. وكانت إيران وجهة هؤلاء النازحين الأولى (غرب أذربيجان وكردستان وكرمانشاه)؛ وبعد أن كان الشاه قد اعتبر أن مساعدة الكرد العراقيين واجب على الشعب الإيراني لأنهم من صلب العرق الإيراني الآري، بدأ، في شباط/ فبراير 1975 تغيير موقفه المعلن تجاه الكرد.

وحتى هنري كيسنجر، المسؤول الأميركي «الشهير»، الذي وضع مغامرته مع الكرد منذ وقت طويل خلف ظهره، جعل لسياسته في تحريك أحجار الدومينو نموذجاً آخر يستطيع بواسطته التقليل من تأثير الاتحاد السوفياتي في الشرق الأوسط. فما جرى بعد وقف تصدير النفط العربي خلال حرب 1973، وأزمة الطاقة التي شهدتها الدول الغربية، دلّ على أن كيسنجر، ومعه شاه إيران، توصلا إلى قرار يوصي بتحسين علاقة إيران مع العالم العربي. وقد كتب القائد مسعود البارزاني إلى كيسنجر، بعد إعلان مصالحة «تاريخية» في الجزائر (في آذار/ مارس 1975) بين شاه إيران وصدّام حسين، نائب الرئيس العراقي أنذاك، أن "إيران والعراق قد اتفقا على حساب الشعب الكردي".

وبغضب شديد، وبسخط لا مجال لردّه، قرأ رجال البيشمركة أمر القائد البارزاني، الذي يطلب فيه إليهم وقف المعارك على الفور؛ وفي الأيام الأخيرة من شهر أيار/ مايو 1975 حلّت المقاومة الكردية نفسها في ظلّ ظروف مأساوية جداً.

"سوريا - موطننا المشترك - الحزام العربي يترك بصمته على هواء الكرد"، هو عنوان القسم الحادي عشر والأخير في الكتاب، وفيه يدّعي المؤلّف أن كرد سوريا عانوا أيضاً من نكران هويتهم المستقلة، برغم حصولهم على بعض الحقوق والامتيازات التي لم يحصل عليها أقرانهم، كرد العراق وتركيا؛ وخاصة في ظلّ حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد.

وفي السياق الذي أراده المؤلّف، تحدّث عن برنامج أقرّه حزب البعث السوري، من ضمنه إقامة «حزام عربي» بعرض 10 إلى 15 كيلومتراً وبطول 350 كيلومتراً على طول الحدود مع تركيا والعراق، مع العلم بأن عدد الكرد المحدود في سوريا، وتوزّعهم الجغرافي، لا يسبّب أي مشكلة أساسية تطاول النظام، بحسب وصف أحد المؤرّخين الأكراد السوريين في المنفى الألماني.

❋ في آخر الكتاب (جدول زمني بالأحداث)، أعدّه المؤلّف حول أصل «الشعب الكردي»، بدءاً من العام 3000 ق.م، إلى أيار/ مايو 2003م، حين تحقّق «الحلم الكردي» في مدينة كركوك الواقعة وسط حقول النفط، باستعادة غالبية سكانية كردية فيها، على خلفية سقوط نظام صدّام حسين بفعل الغزو الأميركي للعراق.

لا شك أن المؤلف منحاز إلى الكرد ود ألف الكتاب بتعاون كامل معهم، وهو لا يخفي ذلك في كتابه، مما جعله غير موضوعي، متبنياً الرؤية الكردية للتاريخ والواقع الحاليين، برغم اختلاف الأطراف الأخرى المعنية على صحة هذه الرؤية. 

 حسن صعب كاتب لبناني.