فتاة تروي قصة الحرب الأهلية في يوغوسلافيا

تنقل الرواية الكرواتية بامتياز حقيقة ما حدث في يوغسلافيا السابقة من انهيار مجتمع "الأخوّة والاتحاد" إلى مجتمع "شيطنة الآخر" لتبرير كل ما يمكن تخيله في الآخر.

رواية "فتاة في حالة حرب"

 

 "هل تريدين سجائر صربية أم سجائر كرواتية"، فتجيب آنا "هل لك أن تعطيني النوع الذي آخذه بشكل دائم من فضلك؟"، فيعيد البائع على الطفلة التي لم تتجاوز العشر سنوات كلامه قائلاً "سجائر صربية أم كرواتية". هكذا بدأت الكاتبة روايتها ولم تكن تعلم الطفلة الصغيرة أن بتلك الكلمات ستكون هناك دول كثيرة ستفتت وستدمر وأنها بداية الانفصالات والحروب الطائفية واشتعال فتيل الحرب حيث أن مظاهر ومصطلحات الحرب والغارات الجوية وتحليق الطائرات كانت بمثابة مفردات جديدة امتزجت بالواقع الذي تعيشه تلك الطفلة التي لم تتخطَ العشر سنوات.

تجري أحداث الرواية في العاصمة الكرواتية زغرب في تسعينات القرن الماضي والتي شهدت حينها حرباً أهلية طاحنة خلال عام 1991، وكانت “آنا” - شخصية الرواية الأساسية -  تبلغ من العمر 10 سنوات، وكانت تعيش مع أسرتها في تلك القرية  وتذهب الى مدرستها مع صديق طفولتها "لوقا"، ثم تقع الحرب الأهلية بين الصرب والكروات والتي تبدل معها حال آنا، والتي حوّلتها من طفلة لا تعرف سوى اللعب الى طفلة مساعدة في إعداد العتاد الحربي. فقالت الفتاة إنه "القتال من أجل البقاء، مجرد البقاء حية".

وتعتبر رواية "فتاة في حالة الحرب" للكاتبة الأميركية من أصل كرواتي سارة نوفيتش من بين الروايات المهمة في الآدب الجديد الذي برز مع انهيار يوغسلافيا، وصدرت الرواية في كانون الأول ديسمبر 2016 عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب  في الكويت. الكاتبة هي سارة نوفيتش ولدت عام 1987 وعاشت بين الولايات المتحدة الأميركية وكرواتيا وتخرجت من برنامج ماجستير الفنون الجميلة في جامعة كولومبيا ودرست الرواية والترجمة.

وتنقسم الرواية الى ثلاثة أجزاء تمثل وتصف مراحل مختلفة تجسّد فيها الكاتبة الواقع المحيط بها. ففي الجزء الأول من الرواية، والذي جاء تحت عنوان "سقطتا كلتاهما"، تتناول الكاتبة الوضع قبيل بدء واشتعال وتيرة الحرب حيث كانت تعيش في سلام وأمان مع والديها وشقيقتها الصغرى في مدينة زغرب العاصمة الكرواتية. وكانت مثلها مثل جميع الأطفال تحب اللعب وتهوى ركوب الدراجات الهوائية برفقة صديقتها ووصفت حالتها بالآمنة والمستقرة ولا تشعر بخوف أو قلق.

وفي هذا القسم كان تطرق الكاتبة لحياتها الطفولية ووصف واقعها المحيط به والطبيعة الجميلة وأصدقائها والمدرسة. وفي نهاية هذا القسم نجد أن هناك اكتشافات للغة الحرب على ألسنة الأطفال، ومن بينهم “آنا” شخصية الرواية، حيث بُدء استخدام كلمات مثل غارة جوية وتطهير ومجازر وسقوط المدن حيث كانت تقول في روايتها أثناء التحاور الدائر في فصلها الدراسي بين زملائها الطلاب حول زميلهم "زلاتكو"، حين سألت المعلمة عن أخباره، فأجاب أحد الطلاب قائلاً: "لقد غادر المدينة مع أسرته الى صربيا تخوفاً من الغارات الجوية فبدأت “آنا” وأصدقاؤها في توجيه الأسئلة الى المعلمة: "ما معنى الغارة الجوية ومن سيكون حارس مرمانا الآن"، ص 25.

وفى الجزء الثاني من الرواية والذي حمل عنوان "المُسرنِمة" والتي تسعى الكاتبة من خلاله الى توصيف حالة الحرب وما آلت اليه من دمار وحرق للمنازل وتهجير للمواطنين وتشتيت وتمزيق الأفراد. وعلى الرغم من مرارة الحرب إلا أنها في البداية كانت تمثّل شيئاً مثيراً في نظرها حيث اكتشفت من خلال الملاجئ والغارات الجوية منفذاً جديداً للعب واللهو. ومع تدهور الوضع السياسي وقلة الموارد الأساسية للحياة كمورد المياة والغذاء بدأ سكان المدينة يعانون من آثار الحرب، وما تلا تلك الفترة من تدخل لقوات حفظ السلام للحفاظ على الأمن والسلام.

 وتناولت الكاتبة التوجه العام للأمم المتحدة في العمل على الحفاظ على حقوق الإنسان. فقد أتت “آنا” الى الأمم المتحدة وفقاً لدعوة وجهتها لها إحدى ضباط قوات حفظ السلام في يوغوسلافيا والتي عادت الى نيويورك وتعمل منصب ضابط ارتباط في إطار الأمم المتحدة. وطلبت من “آنا” العمل معها على مشروع جديد وهو تشكيل لجنة للتركيز خصيصاً على حقوق الإنسان، وحينما كانت تنقل التجربة الواقعة في بلدتها الى الولايات المتحدة نجدها تقول في هذا التحول مخاطبة مندوبي الأمم المتحدة في نيويورك: "لم يكن القتال خيارًا، كان مجرد شيء قمنا به لنعيش، القوة النارية هي الشيء الوحيد الذي يحدد من يأكل."

وفى الجزء الثالث تحدثت الكاتبة عن المنزل الآمن والتي كانت تعتقد “آنا” بأنه الملجأ الخاص الذي كان يختبئ فيه المواطنون من القصف. وهنا تصف الكاتبة ما وصلت اليه الحرب عن طريق استخدام سلاح الجو في الجيش اليوغوسلافي الذي سحق القرية التي تقطنها آنا في بداية الحرب ومدى سيطرة الصربيين على القرية والاضطهاد الذي تعرض له المواطنون. كما تصف المستوطنات والملاجئ التي كانت تستخدم. وفي وصفها للمنزل الآمن نجد أنها تقصد به وحدة جيش بسيطة التكوين لكنها تفي بالغرض وهو حماية المدينة، وكانت “آنا” في ذلك المنزل تساعد هؤلاء العسكريين بتعبئة الذخيرة لهم، ثم انتقلت من قريتها مخلفة وراءها القرية مدمرة مع سقوط مئات القتلى فيها.

وفى الجزء الرابع أو القسم الرابع تعود “آنا” مع صديقها "لوقا" ليقوما بجولة في كرواتيا التي بدأ التغير عليها وقارنتها من حين لآخر بوضع الولايات المتحدة الأميركية بما في ذلك من الإيجابيات والسلبيات، فتقرر الذهاب الى مكان المجزرة الجماعية التي بدأت منها حياتها الجديدة المضطربة.

وفى المراحل المختلفة تنتقل الكاتبة إلى بداية عام 1991 واندلاع الحرب وسنة 2001 التي تنتقل فيها الى شقيقتها في ولاية بنسلفانيا وتدرس في جامعة نيويورك حيث تحاول أن تتناسى ما حدث ولكنها لا تستطيع، فتناقش الآخرين في ما حدث في بلدتها وتصحيح مفاهيمهم الخاطئة عن تلك الحرب الأهلية التي دمرت كل شيء. وفي هذا الوضع تشح الأدوية وتمتلئ المستفشيات بمصابي وموتى الحرب الطاحنة ولا تجد علاجاً أو مكان يعالج أختها الأصغر "راهيلا"، مما اضطرهم الى بيع ممتلكاتهم ويذهبون لمعالجتها ما بين كرواتيا وسلوفينا والبوسنة. ولكن عندما باءت المحاولات بالفشل تذهب آنا وأختها المريضة عبر جمعية من الولايات المتحدة لعلاجها في أميركا، تاركين والديهما في البلدة لأنهم لم يحصلوا على تأشيرة الهجرة. وفى طريقة عودتها من رحلة علاج أختها الصغرى نجدها تصف الحواجز الأمنية التي وضعتها القوات الصربية في الطرقات فتصف ذلك قائلة: "كانت هناك أرتال من البشر المنبطحين على الأرض ووجوههم متجهة إلى الأسفل، حيث كانت أنوفهم محشورة في التراب وأيديهم خلف رؤوسهم، وجنود صرب ملتحون يرفعون رايات الجماجم، ويحملون رشاشات ويطلقون النار بين الأرتال، وهم يقولون سوف نذبح جميع الكروات".

وتجد إبداع الكاتبة داخل الرواية في توصيف "آنا" للحرب توصيفاً موضوعياً واقعياً وتجسيدها لطبيعة النزعة الطائفية بين المواطنين في قريتها الى جانب الكيفية التي عبّرت عنها في تحوّل الطفلة البريئة آنا من طفلة عادية الى طفلة مجنٌدة في مشهد أكثر من رائع، وذلك عندما قامت القوات الصربية بقطع الطريق والسيطرة على القرية وتدميرها واعتقال والديها حيث يتمت تصفية والدي آنا الى جانب مواطنين معتقلين آخرين ونجاة الطفلة الصغيرة ومن ثم تحولها الى مجنٌدة.  

وفى توصيفها الدقيق لما يحدث داخل الملاجئ وطبيعة الهاربين من ويلات الحرب للإختباء بها، تقول الكاتبة: "كانت رائحة العفن والأجساد التي تفتقر الى الاستحمام تملأ الملجأ". ومن بين المفارقات الرائعة للكاتبة نعلم أن آنا التي تدور أحداث الرواية حولها هي كرواتية وصديقها "لوقا" بوسني فتقول آنا لصديقها "عندما نتزوج هل ستبيّن شهادات الميلاد ما إذا كان أطفالنا كرواتاً أم بوسنيين؟".

هذا الوصف من جانب فتاة لم تتجاوز العاشرة من عمرها في حديثها مع صديق طفولتها الذي يحمل جنسية البوسنة هو توصيف جدير بالوقوف أمامه فكيف لطفلة أن تدرك تداعيات الحرب على فكرة التلاقي بين الأحبة مرة أخرى.

ومن المفارقة في شخصيتي آنا وأختها راهيلا التي انتقلت الى أميركا بسبب ظروفها الصحية وتبّنتها عائلة أميركية تمتاز تلك الأخت بثقافتها الأميركية نظراً لعدم تداركها للحرب الأهلية بين الكروات والبوسنة خلال نهاية تسعينات القرن الماضي. ولذلك لم تدرك الطائفية ولكنها تتمتع بروح التعددية التي تؤمن بحرية مطلقة للفرد وهو ما يتعارض والتحديد العرقي وصراع الهويات الذى اتسمت به أختها آنا التي عانت من الحرب في بلدتها.

تكتسب الرواية خصوصيتها من الأجواء التي تقع فيها الأحداث في زغرب عاصمة كرواتيا والتي استطاعت الكاتبة أن تجسّد الواقع بصورة تجعل القارئ وكأنه يعيش أحداث الحرب الطائفية بكل تفاصيلها. وتعتبر الرواية مفيدة في التطرق الى تجربة مماثلة ينتقل فيها مجتمع متسامح يعيش في سلام واستقرار الى مجتمع متصارع على الهوية والعرق والدين يتم فيه القتل على تلك الأسس.

وفى سردها للوضع فى كرواتيا وطبيعة الحرب الممنهجة، قالت الكاتبة: "كان سلاح الجو في الجيش اليوغوسلافي قد سحق القرية في بداية الحرب كجزء من مهمته الرامية الى تكوين ممر لصربيا الى البحر. بعد ذلك قامت مجموعة صغيرة من المتمردين التشيتنيك – بعضهم من القرويين أنفسهم- بالسيطرة وتولي زمام الأمور فى العديد من القرى". وتتابع الكاتبة وصفها قائلة: "قامت الجماعات المسلحة باعتراض المساعدات الإنسانية والإمدادات العسكرية الكرواتية والسيطرة على المستوطنات وتحويلها الى محطات استراحة للقوافل الخاصة بهم. لقد قرورا عدم قتلنا أو على الأقل عدم قتلنا جميعاً أو تأجيل الأمر، وذلك لكي لا تتوقف الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي عن إرسال المساعدات الغذائية". وهنا نجد قراءة الكاتبة لما تنتهجه الدول المختلفة في السيطرة الكاملة على موارد الدول وعلى الحرب الممنهجة التى تكون لها خطط مسبقة ويتم تحقيقها على الأرض منذ اللحظة الأولى من إنطلاق شرارة الحرب.

وتميزت كتابة الرواية بالسهولة والسلاسة علاوة على استخدام سارة نوفيسي فى روايتها ضمير المتكلمة فكثيراً ما نجد داخل ورقات الرواية أفعال مثل "لعبنا وذهبنا وصعدنا وعدت" وهو ما يقرّب المسافة ويجسّد واقع ما حدث في بلدتها للقارئ فيشعر القارئ بأنه يعيش واقعها.

تعتبر الرواية من بين أهم الروايات التي صدرت مؤخراً والتي تجسد الواقع بنظرة شاملة على ما يعكسه على حياة الأفراد وعلى الآثار السلبية التي ترتبها الحروب الأهلية او الحروب العسكرية بين الدول على المواطنين، حيث شكّلت نبوءة حول حروب القرن الحادي والعشرين والتي تصبغ بالصبغة العرقية أو الطائفية،  واستطاعت أن تنجح في تصحيح المفهوم الخاطئ للحروب الأهلية. ولقد أثر السياق الاجتماعي للكاتبة على حياتها فحينما انتقلت الى الولايات المتحدة خاضت حرباً فكرية تعمل من خلالها على تثقيف المواطن الأميركي عن حرب الاستقلال الكرواتية.

فى متن الرواية ذاتها استطاعت الكاتبة أن تبرز الجانب العاطفي الذى يجمع بينها وبين أهلها سواء على مستوى والدها أو والدتها اللذين كانا مصدراً لتعليمها مستجدات الحياة التي تعيشها واللذين مثٌلا لها رمزاً كبيراً في التضحية من أجل الإبقاء عليها قيد الحياة.

واستطاعت الكاتبة أن تحقق إنجازاً في تصويرها المتنقل لعلاقة الصداقة بينها وبين صديقها "لوقا" فما بين اللهو واللعب والمرح ولغة الأطفال الصغار الى مرحلة متقدمة من التفكير والنضج حتى صارا شابين بالغين وقد تركت الحرب بصمتها على تكوين شخصيتيهما.

تميزت الرواية بسهولة الألفاظ وتسلسها وترتيب المواقف وتجسيدها بالصورة التي تضع القارئ داخل المشه. كما تميزت بالعمق والترابط. وقد برز تمكن الكاتبة من عملها من خلال استخدامها الضمير المتكلم في حالة من التحجيم السردي أي تجريد اللغة النثرية من الصفات والظروف بشكل جعل من الأسلوب الواقعي الوسيلة نحو بلورة الأحداث وشخصية آنا. فالرواية تمكنت من إيصال رسالة أن حالة الحروب الأهلية والعنف الطائفي وما يؤول اليه من أحداث تدميرية تتخطى الحدود الوطنية للدول، فتلك الحروب لا تعرف الأقارب ولا الأهل ولا الجيران ولا الحدود الجغرافية. فكما يحدث فى الوطن العربي من أحداث مذهبية وطائفية تؤدي الى تفتيت الدول يحدث هذا في أوروبا. فقد استطاعت الرواية أن تأخذنا الى قلب العالم المظلم بشكل موضوعي وتبتعد عن الإسفاف والتقليل مما يحدث وما ينعكس عنه، متوخية المصداقية من دون أن يؤدي ذلك الى ترويض الجانب المؤلم.

كل ذلك جعل النقاد يعتبرون تلك الرواية من أفضل الأعمال الروائية التي قُدمت خلال الفترة الماضية. فالمؤلفة رغم صغر سنها، استطاعت أن تنقل القارئ الى طبيعة الأحداث التي وقعت وعاش معها التجربة. كما استطاعت أن تنجز تلك الرواية بالصورة السليمة التي تشد القارئ لها إذ تعلمت الكاتبة أصول الكتابة الإبداعية في معهد فاشن للتكنولوجيا في جامعة كولمبيا وهو ما انعكس في كتابة الرواية.

حظيت الرواية بالإشادة والتقدير في العديد من الصحف العالمية من بينها "نيويورك تايمز" و"فاينانشيال تايمز" وحصلت الروائية الصغيرة على جائزة المرأة للرواية كأحسن رواية تم كتابتها خلال عام 2016.

تمثّل الرواية الكرواتية بامتياز عما حدث في يوغسلافيا السابقة من انهيار مجتمع "الأخوّة والاتحاد" إلى مجتمع "شيطنة الآخر" لتبرير كل ما يمكن تخيله في الآخر.

في هذا السياق لدينا "شيطنة" للجانب الآخر (الصرب)، مع أن بطلة الرواية تُفاجأ أو تُصدم بأن الرجل الذي ساعدها على الخروج من كرواتيا إلى الولايات المتحدة (سرديان) كان صربياً من معارف والدها في يوغسلافيا التيتوية، عندما كان لا يزال في الإمكان وجود علاقات إنسانية بغض النظر عن القومية والديانة.