عصر المقاومة وصناعة النصر

سيرسّخ الانتصار السوري انتهاء زمن الهيمنة الأميركية الغربية على القرار الدولي، ليولد لاحقاً نظام دولي جديد، يضمّ روسيا والصين وحلفاءهما، وبما يعنيه ذلك من توازنات جديدة على الصعد العسكرية والاقتصادية والاجتماعية، قد تؤشّر إلى بداية حقيقية لانهيار الإمبراطورية الأميركية "المتصدّعة".

كتاب "عصر المقاومة .. صناعة النصر 1982 - 2017"

يتميّز هذا الكتاب بأنه «بكّر» في التأريخ للنصر القادم في سوريا، مع ربطه بالانتصارين الكبيرين اللذين حققتهما المقاومة في لبنان، في أيار مايو 2000، وفي تموز يوليو/ آب أغسطس 2006، على قاعدة أن خيار المقاومة في لبنان وسوريا، وعلى مستوى المنطقة، هو وحده الذي يصنع الانتصارات الحقيقية والناجزة على قوى الشرّ والعدوان، والمتمثلة في هذه المرحلة بالكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين، وبالجماعات التكفيرية المدعومة من قوى إقليمية ودولية.

بعد تقديمين من الرئيس اللبناني السابق إميل لحود ومن الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام لحزب الله، يكشف المؤلّف في مقدّمة كتابه الركائز الثلاث التي أتاحت للمقاومة اللبنانية تحقيق انتصارات واضحة وكاملة على كيان الاحتلال، وهي: القيادة والأسلوب والممارسة. فعلى صعيد القيادة، هي تميّزت بالصلابة الثورية وبالذهنية غير المساومة، وبأفق استراتيجي لتحرير الأرض، فيما تمكّنت المقاومة بأسلوب مواصلة ضرب قوات الاحتلال، وتجاوز الظروف والمعوقات، الداخلية والإقليمية، من مراكمة الإنجازات وزيادة الكلفة على جيش الاحتلال وتفجير التناقضات في صفوفه، وصولاً إلى تحقيق النصر عليه، وإجباره على الرحيل، في 25 أيار مايو من عام 2000، عن جنوب لبنان والبقاع الغربي، بلا قيد ولا شرط، أو اتفاق.

ولإجهاض هذا النصر التاريخي للمقاومة، شنّ الكيان الصهيوني عدوانه على لبنان في تموز يوليو 2006، والذي انتهى إلى الفشل الذريع له، مع تحقيق المقاومة لنصر تاريخي جديد عليه، وتكريسها لمعادلة توازن الردع والرعب معه على نحوٍ لم يسبق له مثيل في تاريخ الصراع العربي - الصهيوني.

وهنا يربط المؤلّف بين هذين الانتصارين والحرب الإرهابية التكفيرية التي شُنّت على سوريا قبل أعوام، بدفع وتمويل مباشر من أميركا وإسرائيل والدول الغربية والأنظمة العربية الدائرة في فلكهم، وذلك لإسقاط النظام السوري المقاوم وعزل المقاومة عن عمقها العربي والإسلامي الداعم لها.

لكن، وبفعل صمود سوريا وحلفائها في لبنان (المقاومة) وإيران وروسيا، حصدت أميركا الخيبة (ومعها «إسرائيل»)، لتظهر موازين قوى جديدة في المنطقة، ستؤسّس لولادة نظام دولي جديد، على أنقاض الهيمنة الأميركية الأحادية.

انتصار المقاومة في عام 2000

لإجهاض هذا النصر التاريخي للمقاومة، شنّ الكيان الصهيوني عدوانه على لبنان في تموز يوليو 2006

في الجزء الأول من الكتاب، وعنوانه (انتصار المقاومة في 25 أيار عام 2000)، وفيه فصول عدة، يقرأ المؤلّف في الفصل الأول (صناعة النصر - التحرير بين المقاومة والمساومة) في استراتيجية المقاومة باستنزاف قوات الاحتلال حتى إرغامها على الاندحار؛ وهي استراتيجية كلّ الثورات الشعبية المسلّحة في مواجهة جيوش الاحتلال والاستعمار. ويعرض للظروف والتطوّرات التي سبقت إقرار الكيان الإسرائيلي لخطة الانسحاب المذلّ من جنوب لبنان والبقاع الغربي، وسقوط البدائل أو الخيارات الأخرى لاستهداف المقاومة وضرب البيئة الحاضنة لها.

لقد قدّمت المقاومة أنموذجاً فريداً في مرحلة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي، حين رفضت الانسياق وراء الخطة الإسرائيلية لإشعال فتنة داخلية تمهّد لتدويل الصراع مع العدو ونشر قوات دولية تحمي ميليشيا العملاء في المناطق الحدودية، وبما يؤدّي إلى وقف المقاومة لتحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقرى السبع.

أما على المستوى اللبناني الرسمي، فقد أجهض موقف الدولة، وتحديداً موقف الرئيس إميل لحود، محاولات إسرائيل للتحايل على القرارات الدولية واقتطاع أجزاء من الأراضي اللبنانية على طول خط الحدود الدولية مع فلسطين المحتلة، بعد إتمام الانسحاب المقرّر.

كما فشلت محاولات وضع الجيش اللبناني في وجه المقاومة، بعدما أكّد لبنان الرسمي أن الحاجة للمقاومة لم تنتفِ بعد في ظلّ وجود أراضٍ لبنانية لا تزال محتلة من قِبل العدو الإسرائيلي، في موازاة إثبات هذه المقاومة لمصداقية وطنية وإنسانية وأخلاقية قلّ نظيرها.

في الفصل الثاني وعنوانه (انتصار منطق التحرير)، يميّز المؤلّف بين مفهومي التحرير والتسوية، باعتبار أن التحرير يتمّ بالقوّة وبالمقاومة العسكرية، ومن دون تقديم أية تنازلات للمحتل، فيما التسوية تفترض تقديم تنازلات للعدو، ولو على قاعدة تنفيذ القرار الدولي ذي الرقم 425، الذي يدعو إلى انسحاب إسرائيل الكامل من لبنان.

كما أظهر انتصار منطق التحرير الترابط الموضوعي بين استمرار الصراع مع العدو وحق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم؛ وهي القضية الرئيسية التي فجّرت الصراعات اللاحقة بين الكيان الإسرائيلي والدول المحيطة (لبنان، سوريا).

نتائج الانتصار

اضطرت الأمم المتحدة للإقرار بالمطالب اللبنانية في الأراضي الحدودية المتنازع عليها مع الاحتلال

في الفصل الثالث (نتائج الانتصار)، يشيد المؤلّف بموقف الرئيس إميل لحود الذي قاوم الضغوط الأميركية التي تلت الاندحار الإسرائيلي عن جنوب لبنان، ومحاولة الولايات المتحدة إغراء الدولة اللبنانية بالمساعدات المالية والاقتصادية بهدف تصفية المقاومة وإنهاء أي نزاع مع إسرائيل، التي انسحبت وفق القرار 425، بحسب المزاعم الأميركية.

ولاحقاً، اضطرت الأمم المتحدة للإقرار بالمطالب اللبنانية في الأراضي أو النقاط الحدودية المتنازع عليها مع الاحتلال؛ كما أقرّت بوجود خروقات إسرائيلية للخط الأزرق الذي رسمه تيري رود لارسن، ممثّل الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان.

وقد جاءت عملية أسر المقاومة لثلاثة جنود صهاينة لتقلب المعادلة لصالح المقاومة، والتي أكدت بذلك حقّها المشروع في مواصلة كفاحها المسلّح لتحرير ما تبقى من أراضٍ محتلة وتحرير الأسرى من سجون الاحتلال؛ وهذا ما حصل بتاريخ 29/1/2004، حين شهد لبنان حدثاً تاريخياً بالغ الدلالة، تمثل في تحرير الأسرى والمعتقلين بقوّة المقاومة المستمرة، التي حرّرت الإنسان كما حرّرت الأرض. وقد تمّ ذلك عبر اتفاق تبادل الأسرى الذي أطلقت إسرائيل بموجبه مئات الأسرى اللبنانيين والعرب من سجونها، وتسليم العدو 59 جثّمان شهيد وخرائط الألغام التي دسّها في جنوب لبنان، في مقابل إفراج المقاومة عن العقيد الإسرائيلي المتقاعد الحنان تننباوم، الذي كانت المقاومة قد أسرته بعد أن استدرجته إلى لبنان، بالإضافة إلى ثلاث جثث لجنود صهاينة. كما تمّ إطلاق عميد الأسرى اللبنانيين والعرب في سجون الاحتلال، سمير القنطار، في المرحلة الثانية من الاتفاق. هذا الإنجاز الكبير للمقاومة تبعه إنجاز تاريخي جديد حين أذعن العدو لقرار لبنان جرّ مياه نهر الوزاني لصالح القرى الجنوبية التي كانت محرومة من هذه المياه العذبة زمن الاحتلال.

وفي السياق، تمكنت قيادة المقاومة من تجاوز سلبيات الواقع الداخلي في لبنان حيال استمرار العمليات العسكرية في مزارع شبعا اللبنانية المحتلة، وهشاشة الطرح القائل بأن المقاومة هي التي تمنع تثبيت الاستقرار الضروري لنهوض لبنان من أزماته الاقتصادية والمالية.

وقد منعت حكمة قيادة المقاومة، وعنادها وتصميمها، العدو من تغيير قواعد اللعبة التي أُرسيت بعد الاندحار الإسرائيلي عن معظم الأراضي اللبنانية في عام 2000.

وهذا الهدف تمّ إنجازه بفعل الحضور المباشر والفاعل للمقاومة على الحدود للردّ على أيّ اعتداء إسرائيلي، كما من خلال وحدة الموقف اللبناني - السوري فيما يخصّ إثبات لبنانية مزارع شبعا والتصدّي المشترك لأيّ عدوان محتمل.

الحرب غير المباشرة لإجهاض انتصار المقاومة

يعرض الكاتب لمسار التحقيق الدولي حول اغتيال الحريري

في الفصل الرابع (الحرب غير المباشرة لإجهاض انتصار المقاومة عام 2000)، تحدّث المؤلّف عن استراتيجيات أو خطط الحلف الأميركي - الإسرائيلي لإجهاض انتصار المقاومة التاريخي على إسرائيل في العام 2000، والتي تجسّدت، وعلى مدى أعوام في التطوّرات التالية:

1-إصدار مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1559، بتاريخ 2/9/2004، تحت ذريعة دعم إجراء انتخابات رئاسية حرّة في لبنان، وفي سبيل تحقيق هدف مضمر هو تصفية المقاومة في لبنان ونزع سلاحها الذي أذلّ الجيش الإسرائيلي؛ فضلاً عن مطلب سحب القوات السورية من لبنان، ونزع سلاح المخيمات الفلسطينية.

وهذا القرار، الفرنسي - الأميركي، بصيغته واستهدافاته، كان يخدم حصراً الكيان الإسرائيلي والمصالح الأميركية في المنطقة، ولا يستهدف استعادة سيادة لبنان على أراضيه، كما أثبتت المواقف والأحداث الخطيرة التي تلت إصدار القرار؛ وكان أبرزها اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق، رفيق الحريري.

2- أتت عملية اغتيال الحريري في ظروف داخلية وإقليمية معقّدة، لتفجّر نزاعاً لبنانياً داخلياً خطيراً كاد يطيح بالسلم الأهلي فيه، والقائم منذ العام 1990، وبما يؤدّي إلى إسقاط البيئة الحاضنة للمقاومة؛ فضلاً عن ضرب العلاقة اللبنانية – السورية المميّزة.

ومن ثمّ يعرض الكاتب لمسار التحقيق الدولي حول اغتيال الحريري، والشبهات الكبيرة التي أثيرت بشأنه، وصولاً إلى تشكيل المحكمة الخاصة بلبنان، والمناورات المريبة التي تمّت لفرضها على اللبنانيين، في مقابل تجاهل متعمد لكلّ الدلائل والمؤشّرات ذات المصداقية حول تورّط إسرائيل في عملية اغتيال الحريري، واستمرار التصويب على المقاومة والنظام السوري في هذه الجريمة.

يرى الكاتب أنه في هذا السياق التآمري، وبعد «احتراق» ورقة المحكمة المذكورة، عمد الأميركيون، بهدف تشويه صورة المقاومة، إلى وضع استراتيجية إعلامية تمّ تمويلها بمبالغ طائلة، لشراء العديد من «النخب» اللبنانية والعربية، ووسائل الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع، لتحقيق هذا الهدف؛ وذلك حسب اعتراف صريح أدلى به السفير الأميركي السابق في لبنان جيفري فيلتمان، في العام 2010. وقد توسّع هذا المسار الأميركي التآمري ليشمل تفعيل النشاط التجسسي للسفارة الأميركية في بيروت، والمؤسسات الأميركية ذات الطابع الإنساني (مثل وكالة التنمية الدولية).

كما كشف موقع «ويكيليكس» الشهير لاحقاً عن تجنيد طواقم استخبارية في السفارة الأميركية لإعلاميين معروفين وغير معروفين، بغية شن حملات حرب إعلامية - نفسية ضدّ المقاومة وحزب الله وسوريا، وفق تعليمات أميركية محدّدة ومباشرة.

لكن إسقاط المقاومة للعديد من الشبكات الأميركية والإسرائيلية التجسسية في تلك المرحلة، كان كفيلاً بإفشال الأهداف المرسومة للعدو، مع اعتراف أميركي واضح (في حينه) بقدرات أجهزة المقاومة الأمنية وحرفية رجالها المكلّفين بمكافحة التجسس المعادي وإسقاط أدواته.

العوامل التي صنعت النصر اللبناني

المقاومة أنهت ما يُعرف بالزمن الإسرائيلي لحقبة طويلة

في (خلاصات الجزء الأول: العوامل التي صنعت النصر اللبناني التاريخي على إسرائيل)، في العام 2000، يُبرز الكاتب العوامل التالية:

المقاومة المسلّحة - القيادة الواعية والصلبة - قوّة العقيدة التي تشكّل ثقافة المقاومة - استنزاف العدو وإنهاك جيشه - الاحتضان الشعبي للمقاومة - البعد الاجتماعي للمقاومة (إعمار ما يدمّر من قِبل العدو) - تطوير أساليب المقاومة باستمرار - خوض قيادة المقاومة للحرب النفسية ضدّ العدو ببراعة كبيرة - دور إعلام المقاومة في رفع معنويات الجمهور اللبناني والعربي، والتأثير سلباً على معنويات الرأي العام الإسرائيلي.

ومن ثمّ يستعرض المؤلّف لانعكاسات نصر المقاومة على صعيد الكيان الصهيوني وعلى صعيد مسار الصراع معه، ليصل إلى حقائق كرّسها انتصار المقاومة، وأولها حقيقة إمكانية إلحاق الهزيمة بالجيش الإسرائيلي (الذي كان لا يُقهر)، وثانيها حقيقة استمرار المقاومة برغم الضغوط والمغريات الهائلة التي واجهتها؛ والحقيقة الثالثة أن المقاومة أكدت أن قوة لبنان في مقاومته وليست في ضعفه، وأنها الضمانة لحمايته من الأطماع والتهديدات الإسرائيلية.

أما الحقيقة الرابعة، فهي أن المقاومة أنهت ما يُعرف بالزمن الإسرائيلي لحقبة طويلة من الصراع في المنطقة، وبات الزمن اليوم هو زمن المقاومة التي أصبحت هي من يقرّر مجريات هذا الصراع، بحسب الكاتب حسن حردان.

انتصار المقاومة في 2006

كانت الانتكاسة الثانية للجيش الإسرائيلي حين قصفت المقاومة البارجة الحربية الإسرائيلية

"انتصار المقاومة على العدوان الصهيوني في عام 2006" هو عنوان الجزء الثاني من الكتاب، وفيه فصول:

في الفصل الأول (أهداف عدوان تموز)، يعرض المؤلّف للظروف أو الأسباب التي دفعت بالعدو الإسرائيلي لشنّ حرب تدميرية على لبنان في تموز يوليو 2006، بهدف توجيه ضربة قاسية وسريعة إلى حزب الله تؤدّي إلى إضعافه داخلياً، وتطبيق القرار 1559، ونشر قوات دولية على الحدود بين لبنان وسوريا لمنع تهريب السلاح إلى حزب الله، وصولاً إلى الإسهام الإسرائيلي في ولادة المشروع الأميركي للسيطرة على المنطقة، والذي سمّاه الأميركيون "الشرق الأوسط الجديد".

وكانت المقاومة قبل هذه الحرب، والتي انتصرت فيها أيضاً على إسرائيل، قد أمّنت، طيلة السنوات التي تلت اندحار العدو من العودة إلى احتلال الجنوب، توازن ردع منع الإسرائيليين من العودة إلى احتلال جنوب لبنان. كما أثبتت وقائع تنفيذ المقاومة لعملية عسكرية؛ في يوم 12 تموز يوليو 2006 المشهود، حين نجحت المقاومة (حزب الله) في أسر جنديين صهيونيين عبر عملية محكمة نفّذتها داخل المنطقة اللبنانية المحتلة من جنوب لبنان (عملية الوعد الصادق)، والتي تمّت في سياق خيار المقاومة المعلن لإطلاق سراح الأسرى من سجون الاحتلال.

(كيف أسقطت المقاومة أهداف العدوان)، هو عنوان الفصل الثاني، وفيه يؤكّد المؤلّف فشل عدوان تموز منذ الأسبوعين الأوّلين له، حيث أخفق جيش الاحتلال في الميدان لجهة تدمير بُنية المقاومة، بما تعنيه من منظومة قيادة وقدرات صاروخية، وشبكة اتصالات، ومخازن السلاح والذخيرة، ولا سيّما الصواريخ.

وكانت الانتكاسة الثانية للجيش الإسرائيلي حين قصفت المقاومة البارجة الحربية الإسرائيلية (ساعر) قبالة بيروت، لحظة قصفها للبنى التحتية ومطار بيروت الدولي.

أما الانتكاسة الثالثة، فتمثّلت في نجاح رجال المقاومة في تلقين وحدات من لواء غولاني والمظليين دروساً في القتال، اعتُبرت الأقسى والأصعب في تاريخ الجيش الإسرائيلي. وقد تقلّصت أهداف العدوان، بفعل صمود المقاومة، وبعد فشل العدوان الجوّي، إلى احتلال منطقة على طول الحدود حتى نهر الليطاني، من أجل تحقيق أيّ إنجاز ميداني، ولإعادة الثقة لدى الإسرائيليين بقدرة جيشهم، ولإعطاء الفريق اللبناني (والعربي) الموالي لواشنطن ورقة تمكّنه من استعادة حركته الرافضة لسلاح المقاومة والمتواطئة ضدّه.

إن استمرار المقاومة في قصف المستعمرات الإسرائيلية الشمالية وصولاً إلى حيفا، ونجاحها في استدراج جيش الاحتلال إلى الاشتباك المفتوح معها، واعتمادها لتكتيك جديد، يمزج بين حرب العصابات، التي تتفوّق فيها المقاومة، والحرب الدفاعية لمنع تقدّم الجيش الصهيوني (في بنت جبيل ومارون الراس)؛ كلّ ذلك أفشل الأهداف الإسرائيلية التي سعت حكومة إيهود أولمرت إلى تحقيقها. وكان واضحاً أنه كلّما طالت الحرب، وارتكبت إسرائيل مجازر جديدة ضدّ المدنيين، على غرار ما حصل في بلدات مروحين وقانا اثنين والنبطية، كان تأييد الرأي العام الغربي لها يتقلّص، في وقتٍ ازدادت تظاهرات التنديد والاستنكار ضدّها، وفقد الإسرائيليون القدرة على مزيد من الصبر والتحمّل.

وفي نهاية الحرب، ومع استمرار سقوط صواريخ المقاومة على مناطق حيوية في العمق الصهيوني، فإن الكلمة الأخيرة كانت للمقاومة، حيث لم يتمكّن القرار الدولي (1701)، والذي صدر لوقف العمليات العسكرية، من تحقيق ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه في ساحة القتال.

وقد شكّلت عملية تحرير جميع الأسرى اللبنانيين، وفي مقدّمتهم عميدهم سمير القنطار، إلى جانب استعادة رفات نحو 200 من جثامين الشهداء اللبنانيين والعرب، انتصاراً جديداً كتِب في سجلّ المقاومة الوطنية والإسلامية اللبنانية.

تقرير فينوغراد والإقرار بمأزق إسرائيل الاستراتيجي

يتوقّف المؤلّف عند دلالات تقرير فينوغراد الذي أقرّ بفشل الجيش والحكومة الإسرائيلية

في الفصل الثالث (تقرير فينوغراد والإقرار بالفشل وبمأزق «إسرائيل» الاستراتيجي)، يتوقّف المؤلّف عند دلالات هذا التقرير الذي أقرّ بفشل الجيش والحكومة، والكيان عموماً، في حرب تموز 2006. ومن أهم دلالات تقرير فينوغراد:

- أولاً: انتصار المقاومة على أقوى جيش في المنطقة، بسبب عدم استعداد هذا الجيش لهذه الحرب بشكل مناسب.

- ثانياً: انكشاف الجبهة الإسرائيلية الداخلية، ما أدّى إلى زيادة كلفة العدوان الصهيوني، ودفع عشرات الآلاف من المستوطنين للهجرة إلى خارج فلسطين المحتلة؛ فضلاً عن تصدّع حصل في جبهة العدو الداخلية، وعجز العدو عن وقف سقوط الصواريخ على الداخل الإسرائيلي حتى صدور قرار وقف إطلاق النار، ما أبقى زمام المبادرة بيد المقاومة.

- ثالثاً: كشف التقرير عن خشية الجيش الإسرائيلي من وقوع إصابات في صفوفه خلال الحرب. وتظهر هذه الحقيقة أن الجنود الصهاينة يخشون الموت؛ ولذلك، كان الخوف مسيطراً عليهم، على عكس رجال المقاومة الذين كانوا يقاتلون بروح الاستشهاد.

- رابعاً: أقرّ تقرير فينوغراد بفقدان إسرائيل قدرة الردع بشكل كامل. فقد اعترف سمعون بيريز بأن الحرب "انطوت على هزيمة نفسية كبيرة جداً. وهذه الهزيمة نشأت عن أن حزب الله تباهى بنطاقٍ لا تعوزه الكفاءة هو أمينه العام حسن نصرالله".

- خامساً: اعترف التقرير بأن الحرب على لبنان لم تكن لاسترجاع الأسيرين الإسرائيليين، وإنما كان هدفها «ضرب حزب الله بشكل نوعي، وتغيير قواعد اللعبة على الجبهة اللبنانية»، وبما يؤكّد سقوط منطق فريق 14 آذار في لبنان وبعض الأنظمة العربية، الذي حمّلوا المقاومة مسؤولية حصول الحرب.

- سادساً: كشف التقرير أيضاً أن إسرائيل باتت بعد حرب 2006 مكبّلة وعاجزة عن تحقيق النصر. واعترف قادة في المؤسّسة العسكرية الإسرائيلية، وكذلك خبراء ومحلّلون صهاينة، باستحالة التفوّق على استراتيجية المقاومة، وبأن قوّة الردع الإسرائيلية تتآكل، وبأن سلاح المقاومة قد منع حرباً إقليمية، حسبما أظهرت مجريات الأحداث طيلة أيام الحرب.

كيف صنعت المقاومة انتصار 2006

أسقطت المقاومة زيف ووهم القوّة الإسرائيلية

في الفصل الرابع (كيف صنعت المقاومة انتصار 2006)، يعدّد المؤلّف العوامل التي أدّت إلى انتصار المقاومة التاريخي، في 14 آب أغسطس 2006، وأهمها: القيادة المؤمنة بعدالة قضيتها والشجاعة والحكيمة والحازمة، في الميدان والسياسة والإعلام والحرب النفسية؛ نجاح معادلة الجيش والشعب والمقاومة، وخاصة في منع حصول فتنة بين اللبنانيين؛ الدور المتقدّم لرئيس الجمهورية العماد إميل لحود، داخل اجتماعات الحكومة اللبنانية وفي مؤتمر القمة العربية في الخرطوم، في الدفاع عن شرعية المقاومة وحقّها في الدفاع عن لبنان واللبنانيين في وجه العدوان الصهيوني.

كما أكّد انتصار تموز على حقائق عدة، أبرزها:

- الحقيقة الأولى: أسقطت المقاومة زيف ووهم القوّة الإسرائيلية.

- الحقيقة الثانية: إسقاط نظرية الأمن الإسرائيلية التي طالما كانت تشكّل عامل قوّة للكيان، الذي استطاع إبقاء الداخل الإسرائيلي بمنأىً عن الحرب التي كان الجيش يخوضها دائماً في «أرض العدو»، حيث حوّلت صواريخ المقاومة المستوطنات والمدن والبلدات في العمق الإسرائيلي إلى ساحة حرب، فبات النزف والتدمير بين لبنان وإسرائيل متبادلاً.

- الحقيقة الثالثة: تفوّق المقاومة في الحرب النفسية قابله فشل إسرائيلي مُدوٍ في هذه الحرب، والتي كان بارعاً فيها في السابق.

فقد أثبتت المقاومة قدرة كبيرة على خوض الحرب النفسية، حيث وصف خبير علم النفس الإسرائيلي، السياسي أدي ليبل، السيد حسن نصرالله بـ(أبو الحرب النفسية)، لأن الإسرائيليين كانوا يصدّقونه أكثر مما كانوا يصدّقون قياداتهم.

- الحقيقة الرابعة: الانتصار على العدو في الإعلام؛ والذي تجلّى في عجز إسرائيلعن إسكات تلفزيون المنار وإذاعة النور، اللذين استمرا في البثّ طوال أيام العدوان.

- الحقيقة الخامسة: ولّد انتصار المقاومة التاريخي والاستراتيجي زلزالاً كبيراً في إسرائيل والوطن العربي، حيث لأول مرّة تشعر إسرائيل بالهزيمة ومرارتها بهذا الحجم.

وأخيراً، فإن انتصار المقاومة في الميدان قد اكتمل في تصدّيها لمهمة إعادة الإعمار، وإسقاط محاولات إجهاض انتصارها على القوّة الصهيونية.

سقوط عناصر القوّة الإسرائيلية

ضربت الهزيمة معنويات الجيش الصهيوني

في (خلاصات الجزء الثاني: نتائج انتصار تموز.. سقوط عناصر القوّة الإسرائيلية)، يتحدّث المؤلّف عن أكبر أزمة تشهدها إسرائيل في تاريخها الحديث العهد، والتي تطال كلّ مقوّمات وجودها الأساسية؛ أزمة قيادة، أزمة وجود ومصير وخوف من المستقبل، أزمة الجيش الذي يشكّل أساس وجود الكيان، وأزمة عدم القدرة على التقدّم..

أما أسباب هذه الأزمة العميقة، والتي كشفتها حرب تموز 2006، فيعدّدها المؤلّف على الشكل الآتي:

- أولاً: إعطاب وتحطّم أسطورة القوّة الإسرائيلية، كما أبرزت عدّة محطات في المواجهات المباشرة معه (اجتياح 1982) للبنان، حروب غزّة والانتفاضات الشعبية ضدّ الاحتلال، حرب تموز 2006.

- ثانياً: سقوط الدور الوظيفي «لإسرائيل»، التي فشلت في تنفيذ الطلب الأميركي لها بتصفية المقاومة اللبنانية وتحويل لبنان إلى محطة في إطار فرض مشروع (الشرق الأوسط الجديد).

- ثالثاً: أدّى الفشل الإسرائيلي في حرب تموز إلى تداعيات مهمة داخل الكيان، كان أبرزها الانقلاب في بُنية التفكير الإسرائيلي العام (الشعور بالتفوّق المطلق على الأعداء)، وسقوط نظرية الأمن والاستقرار، التي كانت تشكّل الأساس الذي يوفّر للحركة الصهيونية القدرة الإقناعية لجعل «اليهود» يهاجرون إلى فلسطين والبقاء فيها.

كما ضربت الهزيمة معنويات الجيش الصهيوني، وزادت من حدّة الانقسامات السياسية والاجتماعية في الكيان.

الحرب الكونية على سوريا

سوريا تتميّز عن مصر وتونس وغيرهما باستقلالها الاقتصادي ورفض التبعية للخارج

(الحرب الإرهابية الكونية على سوريا)، هو عنوان الجزء الثالث من الكتاب، وفيه فصول عدة:

في الفصل الأول: أسباب وأهداف الحرب الإرهابية الكونية على سوريا، يبحث المؤلّف في الأهداف الأميركية الإسرائيلية من الحرب التي شُنّت على سوريا في العام 2011.

فقد كشفت نتائج التحقيق الإسرائيلي عن أسباب الإخفاق والهزيمة التي ألحقتها المقاومة بالجيش الإسرائيلي في حرب تموز 2006، أن لسوريا دوراً أساسياً في ذلك، وأن الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى التي استخدمتها المقاومة في قصف حيفا وما بعد حيفا، وصولاً إلى بلدة الخضيرة القريبة من تل أبيب، حيث العمق الإسرائيلي والمجمع الأساسي لمؤسّسات الكيان، أن تلك الصواريخ هي صناعة سورية؛ وكذلك الحال بالنسبة لصواريخ المقاومة في غزّة.

لهذا بدأت أميركا وإسرائيل والدول التابعة لهما، التحضير للحرب الإرهابية على سوريا، وتمّ استغلال (الربيع العربي) في سياق خطّة مدروسة لإسقاط النظام الوطني المقاوم برئاسة الرئيس بشار الأسد، تحت عناوين زائفة (الإصلاح والحرية والديمقراطية)، يقول الكاتب.

فبعد فشل الجماعات المسلّحة في تحويل احتجاجاتها المفبركة إلى تظاهرات جماهيرية بمئات الآلاف، على غرار ما حصل في ميادين القاهرة وتونس، لجأت إلى استخدام السلاح لتنفيذ مخطّطها المرسوم لها، والذي كان لرئيس جهاز الاستخبارات السعودية بندر بن سلطان دور بارز في تنفيذه.

وقد أكد الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، أثناء حملته الانتخابية، "أن الرئيس باراك أوباما والمرشّحة هيلاري كلينتون هم من صنعوا تنظيم داعش".

كما جاء الدخول الإسرائيلي المباشر على خطّ دعم الجماعات الإرهابية، عبر قصف مواقع الجيش السوري، للإخلال بموازين القوى لمصلحة هذه الجماعات، دليلاً ساطعاً على الأهداف الأميركية الإسرائيلية المذكورة آنفاً.

ويضيف المؤلّف إلى تلك الأهداف المعلنة، أهدافاً مضمرة من قِبل واشنطن، من خلال محاولة إسقاط سوريا، وتحويلها إلى بلد تابع لأميركا، وبما يصبّ في مخططها الاستراتيجي لمحاصرة كلٍ من روسيا والصين وإحباط جهودهما التي بدأت مع تأسيس منظمة شنغهاي للتعاون الاقتصادي، ومن ثمّ تكوين تحالف مجموعة دول «البريكس»، الذي يضم روسيا، الصين، الهند، البرازيل وجنوب أفريقيا، لوضع حدٍ لهيمنة الولايات المتحدة الأحادية القطب والعمل على إعادة صياغة النظام الدولي على قواعد التعدّدية واحترام ميثاق الأمم المتحدة.

في الفصل الثاني (ما حصل في سوريا غير ما حصل في مصر وتونس)، يؤكّد المؤلّف أن الظروف التي أنتجت الانتفاضات في تونس ومصر واليمن والبحرين لم تكن متوافرة في سوريا. ولذلك ما حصل فيها كان محاولة يائسة لإثارة الفتنة الطائفية وصولاً إلى إسقاط الدولة السورية.

ويلفت إلى أن نظام الحكم في سوريا يتّسم بسمات وطنية وقومية واجتماعية، ويحوز على قاعدة شعبية عريضة عكستها التظاهرات المليونية المؤيّدة له.

فسوريا تتميّز عن مصر وتونس وغيرهما باستقلالها الاقتصادي ورفض التبعية للخارج (إحصائيات رسمية ودولية أكدت قوّة الاقتصاد السوري والاكتفاء الذاتي الذي كان متحققاً).

وعلى الصعيد الاجتماعي، فإن الدولة السورية لم تتخلَّ عن دورها الاجتماعي تحت أيّ ظرف، ولم ترتهن في سياساتها لإملاءات أو وصفات الصندوق والبنك الدوليين، كما كانت الحال في مصر وتونس.

وهكذا الحال بالنسبة للقرار السوري الوطني والقومي، والذي لم يقيّد نفسه بالمحور الأميركي - الغربي، برغم كلّ الضغوط والمغريات، وظلّ على دعمه الثابت والفاعل للمقاومة المسلّحة ضدّ الاحتلال، في فلسطين ولبنان والعراق، رافضاً وصم المقاومة بالإرهاب.

وبعد مرحلة من الاضطرابات والفوضى والعمليات الإرهابية الدموية، التي نفّذتها الجماعات التكفيرية، حدثت يقظة وطنية لدى عامّة المواطنين السوريين لمواجهة ما يخطّط لهم ولسوريا. وشكّلت هذه اليقظة دعماً كبيراً للقيادة والجيش العربي السوري وتعزيز تماسكه في تصدّيه لقوى الإرهاب، وتحرير المناطق السورية.

العوامل التي مكّنت سوريا من الصمود

يؤكّد المؤلّف أن الحسم العسكري مع قوى الإرهاب في سوريا أصبح أمراً واقعاً

(العوامل التي مكّنت سوريا من الصمود وإسقاط أهداف الحرب، ومنع واشنطن من شنّ الحرب المباشرة)، هو عنوان الفصل الثالث، وفيه يتحدّث المؤلّف عن خسارة أميركا الحرب على سوريا، وإن لم تُقدِم عليها. فهي تراجعت في المرّة الأولى، بعد أن أخذت جائزة ترضية وفّرتها لها المبادرة الروسية (بخصوص تدمير المخزون الكيميائي السوري)؛ لكنها لم تحقّق أهدافها الميدانية والسياسية التي وقفت وراء تصعيدها وتهديدها بشنّ العدوان على سوريا.

كما تراجعت أميركا في المرّة الثانية بعدما أدركت استعداد روسيا في الذهاب إلى الحرب إذا ما فُرضت عليها. وفي المرّة الثالثة، تراجعت واشنطن، في عهد إدارة ترامب، عن الدخول في صدام مع الجيش السوري (وحلفائه) عندما وجدت أن محاولاتها تعطيل تقدّم الجيش السوري في البادية ونحو الحدود مع العراق ودير الزور، قد باءت بالفشل، وأن الوضع الميداني قد تبدّل جذرياً لمصلحة محور المقاومة والحليف الروسي.

في الفصل الرابع (الحضور العسكري النوعي الروسي.. الأسباب والتداعيات)، يعدّد الكاتب الأسباب المباشرة وغير المباشرة التي أدّت إلى تفعيل وتثبيت الحضور العسكري والسياسي الروسي في سوريا، والتداعيات التي أدّى إليها، وخاصة تجاه الدورين التركي والأميركي فيما يخصّ الصراع السوري تحديداً.

أما في الأسباب غير المباشرة، التي دفعت بروسيا لتعزيز وترسيخ حضورها في سوريا، فأوّلها حاجة روسيا لاستعادة مكانتها الدولية، اقتصادياً وسياسياً. وفي إطار الأسباب المباشرة، كان إدراك روسيا بأن وحدتها واستقرارها وأمنها القومي ترتبط بالمؤامرة التي تتعرّض لها سوريا. ومصدر هذا التهديد هم المسلحون الذين استقدِموا من جمهوريات سوفياتية سابقة ومقاطعات روسية في القوقاز (مثل الشيشان). وقد كان لهذا الحضور الروسي النوعي تداعيات إيجابية كثيرة على المشهدين العسكري والسياسي في سوريا، لصالح الدولة وحلفائها، وبما عرقل الخطط الأميركية - الإسرائيلية التي رُسِمت لإسقاط الدولة الوطنية السورية وفكّ تحالفها مع محور المقاومة.

وبرز في تجلّيات هذا الدور الروسي الجديد في المنطقة، استراتيجية القصف الجوّي للمسلّحين ومخازن أسلحتهم ومراكز قياداتهم.

كما برز أيضاً الردّ الروسي الحازم على الاعتداء التركي بإسقاط طائرة «سوخوي» روسية فوق ريف اللاذقية، حين نشر الروس منظومات صواريخ أس 300 وأس 400، فيما انكفأت تركيا والدول المشاركة في العدوان على سوريا(مثل السعودية وقطر) عن التمادي في انتهاك سيادة سوريا ودعم جماعات الإرهاب. وهذا التحوّل طال بحجم أكبر الدور الأميركي، السياسي والعسكري في الحرب السورية، خصوصاً بعد توقيع سوريا لاتفاقات عسكرية وأمنية مهمة مع الاتحاد الروسي، بما يضمن حضوراً روسياً حيوياً ودائماً في سوريا، براً وبحراً وجواً.

وفي خلاصة هذا الفصل، يؤكّد المؤلّف أن الحسم العسكري مع قوى الإرهاب في سوريا أصبح أمراً واقعاً، بغضّ النظر عن المدّة الزمنية المرتبطة بظروف الميدان، وبتوقف الدعم الخارجي للجماعات الإرهابية. كما أن أيّ تسوية لم تعد ممكنة إن لم تُسلّم بحق الشعب السوري في تقرير مصيره، بعيداً عن أيّ تدخلات خارجية.

أما خارجياً، فإن للانتصار السوري على الإرهاب تأثيراً مباشراً في ولادة محور دولي إقليمي، نواته التحالف الرباعي (روسيا، إيران، سوريا، والعراق)، ودائرته الأوسع دول «البريكس»، ومنظمة شنغهاي، ودول أميركا اللاتينية؛ فضلاً عن تبدّل واضح في موازين القوى الرسمية على الصعيد العربي لمصلحة الدولة السورية.

في الفصل الخامس، وعنوانه (النتائج الناجمة عن صمود وانتصار سوريا وحلفائها.. تغيير المعادلات الدولية والإقليمية وتعزيز قوة حلف المقاومة)، يؤكد المؤلّف أن تحرير كلّ سوريا من الإرهاب بات محسوماً، بنظر الأعداء الأصدقاء، وأن إعلان الانتصار هو مسألة وقت لا أكثر.

وستكون للانتصار السوري تداعيات أو نتائج عديدة، على الصعيد الداخلي والإقليمي والدولي، وبما يرسّخ وحدة سوريا، دولة وأرضاً وشعباً، وتعزيز شعبية الرئيس بشار الأسد، وسقوط الخط السوري الليبرالي الذي نظّر لسياسة الانفتاح الاقتصادي، فأسهم في إضعاف الصناعة السورية الوطنية، وفي إحداث اختراقات من قِبل القوى المعادية والإرهابية. كما ستنشأ عن هذا الانتصار بيئة استراتيجية جديدة في المنطقة في مصلحة محور المقاومة وخط الاستقلال الوطني، تحاصر المشروع الصهيوني وتُضعف نهج الأنظمة العربية الدائرة في فلك التبعية لقوى الاستعمار.

في المقابل، سيزداد قلق الكيان الإسرائيلي من تنامي قدرات وخبرات المقاومة اللبنانية، التي باتت جزءاً رئيسياً وفاعلاً في محور المقاومة الذي توسع ليضم، إلى جانب سوريا وإيران والمقاومة في لبنان وفلسطين، كلاً من العراق واليمن؛ وهذا يعني أن الحرب القادمة مع إسرائيل قد تشمل مشاركة عربية وإسلامية واسعة، كما ألمح إلى ذلك الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصرالله، مؤخراً.

ودولياً، سيرسّخ الانتصار السوري انتهاء زمن الهيمنة الأميركية الغربية على القرار الدولي، ليولد لاحقاً نظام دولي جديد، يضمّ روسيا والصين وحلفاءهما، وبما يعنيه ذلك من توازنات جديدة على الصعد العسكرية والاقتصادية والاجتماعية، قد تؤشّر إلى بداية حقيقية لانهيار الإمبراطورية الأميركية "المتصدّعة".

وهذا ما يتحدّث عنه المؤلّف بشيء من التفصيل في (خلاصات الجزء الثالث من الكتاب، بعنوان (أفول عصر الهيمنة الأميركية وتسريع ظهور عالم متعدّد الأقطاب والمراكز - وعودة الحرب الباردة بسماتٍ جديدة).