عن أزمة الشرعية في باكستان

يعتبر طارق علي بأن تفسخ باكستان عام 1971/ 1972 وانفصال بنغلادش عنها، لم يكونا نتيجة لمؤامرة اجنبية أو لمخطط هندي. بل كان الحكم العادل للتاريخ على تجربة قدر لها الفشل.

عن أزمة الشرعية في باكستان

يعتبر كتاب "باكستان :الدولة والمجتمع والإسلام"، وهو مجموعة دراسات جمعها وأعدها الكاتب المصري المتخصص بالعلاقات الدولية نوبار هوفسبيان، الصادر عن مؤسسة الأبحاث العربية في بيروت، من المراجع العربية الأساسية التي تتحدث عن دولة باكستان وجغرافيتها السياسية.
يبدأ معد الكتاب بعرض نص للمفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد يشرح فيه كيف تضفي بعض الأنظمة الشرعية على نفسها من خلال إستغلال الإسلام، يقول فيه سعيد: "الحقيقة هي أنه في الكثير من المجتمعات الإسلامية، يُمارس القمع وتُلغى الحريات الشخصية وتُقام أنظمة غير ممثلة للشعب، بل غالباً ما تقوم على حكم الأقلية، بإضفاء شرعية زائفة عليها... بالرجوع إلى الإسلام". 

وكمنوذج على ذلك، يشير مؤلف الكتاب نوبار هوفسبيان إلى الرئيس الباكستاني السابق الجنرال ضياء الحق ونظامه. فضياء الحق الذي كان تولى بنفسه قيادة المفرزة الباكستانية ضد منظمة التحرير الفلسطينية خلال الحرب الأهلية في الأردن عام 1970، والذي نفذ في تموز/يوليو 1977، بدعم من الاستخبارات الأميركية، إنقلاباً ضد رئيس الوزراء الباكستاني المنتخب ذو الفقار علي بوتو، قام بحظر النشاط السياسي، وأجّل الإنتخابات، ورفع شعار "الإحياء الإسلامي" من أجل الإحتفاظ بالسلطة، وجرّد الثقافة السياسية الباكستانية من إنسانيتها بعمليات الإعدام العلنية، وأصبح المتحدث باسم منظمة المؤتمر الإسلامي وألقى خطاباً باسمها في الأمم المتحدة في تشرين الأول/ أكتوبر عام 1980.

ويعلق هوفسبيان على ذلك بقوله: "فرصة تمثيل معارضة الشعوب الإسلامية لضم إسرائيل غير المشروع للقدس كانت هدية من السماء لذلك الدكتاتور المعزول والفاقد للمصداقية وللشرعية الشعبية في بلده".

على الصعيد الخارجي، كان ضياء الحق يسعى إلى الاستمرار في التحالف التاريخي لباكستان مع الولايات المتحدة. فالقادة الباكستانيون يعتقدون أن المصالح الأميركية – الباكستانية تتلاقى في منطقة الخليج. فمثل هذه المصالح يمكن توطيدها وتعزيزها بواسطة الأموال السعودية والأسلحة الأميركية، واستعداد باكستان لوضع قواتها المسلحة في خدمة الإستراتيجية الأميركية في المحيط الهندي.

وبعد التدخل السوفياتي في أفغانستان في كانون الأول - ديسمبر 1978، كانت باكستان بفضل حدودها المشتركة مع أفغانستان، هي الطريق المتاح الوحيد لإمداد المقاتلين المناهضين للسوفيات بالأسلحة.

وقد أبلغ القائد القوات الأميركية الأسبق في المحيط الهادي الأدميرال لونغ، لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي أن "الموقع الاستراتيجي لباكستان إنما يتطلب منا أن نحسن علاقتنا الأمنية بها".

إن باكستان دولة حديثة النشأة نسبياً، وفصول الكتاب التسعة تقدم صورة حية وصحيحة عن متاعب وتحديات باكستان اليوم.

الفصل الأول يشير إلى أن رسم الحدود بين باكستان والهند جرى من دون اعتبار للتركيب القومي. ويشير إلى مشكلة القوميات والأصول العرقية مثل شكاوى القوميات في إقليمي السند وبالوشستان.

ويبحث الفصل الثاني عن الدولة في فترة ما بعد الإستعمار، واعتبار الجيش الباكستاني نفسه الضمانة الوحيدة لإستمرار الدولة.

ويشرح الفصل الثالث بنية الطبقة والدولة في باكستان. ويتناول تأثير الحكم الإستعماري على كل من الهند وباكستان، وتأثيره على البنية الإجتماعية.

ويقدم الفصل الرابع عرضاً لأوضاع الإقتصاد السياس الباكستاني، ويشير إلى حالته الراكدة والتابعة.

ويتابع الفصل الخامس الأسباب المزمنة للتخلف، ويشير إلى القوة النسبية الوحيدة التي يتمتع بها الإقتصاد الباكستاني وهي تحويلات العمال في الخارج.

ويقدم لنا الفصل السادس عرضاً موجزاً لإستغلال الدين في باكستان. ويقدم لنا دراسة إنثربولوجية بالغة الفائدة عن نظام المعتقدات لدى فلاحي باكستان.

الفصل السابع يسلّط الضوء على سياسات الحكومة الباكستانية تجاه المناطق القبلية، ويعطينا صورة حية عن مدى خطورة الحوار في الحياة السياسية الباكستانية.

ويتسم الفصل الثامن بعرض مقابلة مع المفكر الباكستاني إقبال أحمد يشرح فيها الأزمات التي تواجه باكستان.

ويقدم الكاتب والمخرج البريطاني من أصب باكستاني طارق علي دراسة مهمة في الفصل التاسع عن "أزمة الشرعية" في باكستان. ويوضح علي مشاكل القوميات الرئيسية وهي أربعة: البنجابيون والسنديون والبالوش والباتان.  

ويؤكد علي بأن الصدمة التي أعقبت إعدام الرئيس ذو الفقار علي بوتو أحدثت نفوراً من الحياة السياسية. وكان من الشائع أن تسمع أحد البنجاميين يقول: "إذا كانوا يستطيعون قتل رجل قوي مثل بوتو فمن نحن؟".

ويرى علي أن مجرد توزيع المسؤولية بين الساسة والقادة العسكريين هو أمر غير كافٍ. كما أن التاكيد على أن مؤسس دولة باكستان، محمد علي جناح قد وافته المنية قبل الأوان، وأنه لم يترك سوى حفنة من الشخصيات التي تفتقر للكفاءة، لهو قول يتسم بالسطحية الشديدة.

فكل ذلك صحيح في حد ذاته، ولكنه يتجنب القضية الحقيقية، والمشكلة الجوهرية التي يتعين إدراكها وتحليلها والتصرف على أساسها. ودائماً ما كان الإفصاح عن هذه القضية بشكل سافر لا يحظى بالشعبية في باكستان، ولكن إلتزام الصمت اليوم يعد جريمة.

إن الحقيقة هي أنه لم يكن هناك أي أساس حقيقي لاقتطاع دولة "مسلمة" مستقلة من شبه القارة الهندية. فبالنسبة للأغلبية الساحقة من الكادحين المسلمين، لم يكن لهذه الدولة أي مبرر إقتصادي أو سياسي. لقد حلّت الغوغائية والنزعة الإنفعالية المشؤومة محل التقويم الواقعي المتعقل لأوضاع المسلمين في الهند ومصالحهم الموضوعية.

ويعتبر طارق علي أن الدولة في باكستان قد قهرت المجتمع المدني، وبصورة تتسم بالانتقام. لقد كانت باكستان كياناً غير عقلاني. وكان تكوينها السياسي والإجتماعي السريع الإنشاء يوضح أن باطنها مريض منذ مولدها.

ويؤكد علي بأن تفسخ باكستان عام 1971/ 1972  وانفصال بنغلادش عنها، لم يتم نتيجة لمؤامرة اجنبية أو لمخطط هندي، بل كان الحكم العادل للتاريخ على تجربة قدر لها الفشل.

ويضيف علي بأن مسار الدولة الباكستاني لا يعتمد على تعادل القوى الاجتماعية والسياسية فحسب، بل إن مستقبل باكستان مرتبط بصورة لا فكاك منها بتطور الأحداث في أفغانستان وإيران وبالخيارات التي تستقر عليها الطبقة الحاكمة في الهند.  

ويختم علي فصله بقوله: "إن بقاء باكستان الدولة لا يعتمد اليوم على المصالح الثابتة للقوات المسلحة. ولا يمكن أن يكون هناك مستقبل لباكستان، إلا بالتحول الاجتماعي الشامل وتأسيس الديمقراطية".