العولمة ما قبل التاريخ: مواطنون بلا حدود

لا يوجد أي تبادل أو شبكة، حتى في هذه الأيام، عالمية بحق. فغالباً ما نتجاهل شيئاً ما أو أحداً ما.

العولمة ما قبل التاريخ: مواطنون بلا حدود
العولمة ما قبل التاريخ: مواطنون بلا حدود

كتب أستاذ التاريخ في جامعة هارفرد دانييل سميل مراجعة لكتاب "العولمة في فترة ما قبل التاريخ" للباحث بول سيبرايت، والصادر عن  جامعة كامبريدج عام 2018 والذي يقع في 358 صفحة. والآتي ترجمة لنص المراجعة نقلها إلى العربية إبراهيم عبدالله العلو: 

يدعو الاقتصادي بول سيبرايت في كتابه "شركة الغرباء" القراء إلى التأمل في قميصه.  فكل ما يتعلق بذلك القميص من الأزرار إلى القماش إلى العمالة والإنتاج والتوزيع هو ناتج للثقة بين أفراد متباعدين لا تربطهم أية صلة ببعضهم البعض.

يشبه هذا القميص كل ما يحيط بنا في هذا العصر ويمثل منتوجاً "لمجتمع يزداد عولمة يوماً إثر يوم."

لا يوافق كثيرون ممن يعمل على دراسة التاريخ البشري القديم على أن مثل تلك التبادلات قد حدثت من ذي قبل. وتنبع المشاكل لدى استخدام نموذج العولمة لرسم خط فاصل بين الحداثة الديناميكية وماضي ساكن.

ويخلق ذلك بعض الإشكالية إذ يتوافق القول بأن العولمة لا ترتبط بالماضي العتيق مع تحيز الإستثنائية الحديثة.

ولكن تبنّي ذلك النموذج يعارض مسوؤلية عدم التنقيب عن الماضي بحثاً عن بذور الحاضر.

كيف يتخلص علماء الآثار من هذه المعضلة؟

يمكن العثور على إجابات في دراسات لحالات مجموعة في كتاب "العولمة في فترة ما قبل التاريخ" الذي يركز على علم الآثار في العالم القديم من مجتمعات الصيد وجمع الثمار المتأخرة إلى الحقبة الإستعمارية. وتتساءل المساهمات عن أهمية التحدث عن العولمة ما قبل التاريخ وتستجيب للدعوة لرد الإعتبار إلى "الشعوب المحرومة من التاريخ".

يعرّف اريك وولف في المجلد الآنف الذكر الأفراد المحرومين من التاريخ بالفلاحين والبدو الرحل وزعماء القوافل والبحارة وغيرهم ويعتبر أن مساهماتهم الممكنة في التغيير البشري تم تجاهلها من قبل الأجيال الأبكر، وتتحدى اعتبارهم فاعلين إفتراضاً أساسياً يقول بأن عمليات العولمة تحتاج إلى إمبراطوريات كي تزدهر. ولا يصعب العثور على مثل تلك العمليات العاملة في القديم- روما أو الأمبراطورية الآشورية على سبيل المثال. ولكن الإشارة إلى تلك الأمثلة فحسب تعني تضييق الملازم المفاهيمية التي تربط العولمة بالفاعلين على مستوى الدولة.

يحظى علم الآثار بمكانة ملائمة لإظهار تقديم الأفراد المهمشين إسهامات أساسية للعولمة المبكرة.

تحمل بقايا الماضي بما في ذلك الأشياء الملموسة مثل حجر السج وهو حجر بركاني لامع أو الرقاقة والأشياء غير الملموسة مثل تقنية ‘نتاج شيء ما، آثاراً من ماضيها السحيق. وتوفر أنواعاً أخرى من الأدلة دليلاً غير مباشر على أنظمة التبادل. ولم يكن لبعض التوابل أن تصل إلى الأسواق الساحلية على سبيل المثال من دون مشاركة سكان الغابات.

يعارض المساهمون بشكل مستمر إغواء تقديم مبادرة فاعلين مفردين. وبدلاً عن ذلك يتفهمون التغيير كناتج للأنظمة التي تعتمد على البدو وسائقي الإبل والبحارة من الأنظمة المعتمدة على الملوك والتجار والرأسماليين المغامرين.

يمكن فهم قلة من العمليات البشرية قبل التبادل الكولومبي بصفتها "العالمية".

ولكن كما يشير أحد المساهمين، لا يوجد أي تبادل أو شبكة، حتى في هذه الأيام، عالمية بحق. فغالباً ما نتجاهل شيئاً ما أو أحداً ما. يمكن اعتبار بعض العمليات الإقليمية حالات للعولمة طالما أنها تظهر بعض الخصائص مثل "مقارنة الزمان والمكان" "والمعيارية".

يناقش بعض المساهمين وبشكل مقنع أننا يجب أن لا نقتصر تفهمنا لعمليات العولمة على المجتمعات الزراعية. وهذا مثير للإهتمام عندما يختتم الكتاب من دون منح كبير اهتمام بحقبة العصر الحجري القديم. وإذا تسنى لمفهوم العولمة أن يحظى بأي استخدام يجب أن نتمكن من العثور على أي مجتمع بشري من دونها.

يرى معظم المساهمين أن العولمة تعمل في مجتمعاتهم ويمكن للمرء أن يتسامح مع النرجسية اللطيفة نظراً للإضاءات الكبيرة التي يقدمها هذا الكتاب.  

 

 المصدر:

https://www.historytoday.com/reviews/citizens-nowhere