"كان ياما كان".. منذ البداية كان هناك خياران

مشروع "إسرائيل" لضم الضفة الغربية والأغوار يطرح تساؤلات عن جدوى معاهدات السلام التي وقعتها دول عربية معها، ويضيء من جانب آخر على صواب المقاومة كخيارٍ وحيد متبقٍ، لكن هل يكون هذا الدرس مفهوماً لكل العرب؟

  • راهنت الدول التي سارت في خيار السلام مع العدو على الوعود الأميركية والغربية
    راهنت الدول التي سارت في خيار السلام مع العدو على الوعود الأميركية والغربية

عندما قرّر الرئيس المصري الأسبق أنور السادات ترك المواجهة مع العدو الإسرائيلي في أوج النصر العربي المتوج بعبور بطولي لخط بارليف، بسواعد أبطال الجيش المصري، وبتلازمٍ في مسارات العمل القومي، بين جبهة سورية صامدة ومتحفزة، وجبهة مصرية منتصرة ومفعمة بآمال الأمة الجريحة بعد هزيمة العام 1967، ومدٍ شعبيٍ من المحيط إلى الخليج، كانت رهانات الرئيس المصري يومها على مرحلة جديدة، مبنية على وعود أميركية ضامنة للوصول إلى سلام عادلٍ وشاملٍ يفتح الباب أمام العرب، وفي طليعتهم الفلسطينيون، لاستعادة الكثير مما سلب منهم.

ذهبت مصر مع السادات إلى "كامب ديفيد"، ووقعت اتفاقاً كسر معنويات العرب، وكاد يقضي على كل أملٍ بنهوض مشروع مقاومة قادر على استعادة الحقوق، وبنيت نظرية السلام على أساس حساباتٍ حالمة غير واقعية، رأى فيها جزء كبير من العرب خيانةً لوحدة الصف العربي، في خضم معركةٍ كانت لتكون حاسمة في مسار الصراع.

لكن هذه الحسابات سرعان ما تبدَّدت مع إيغال "إسرائيل" في اعتداءاتها على الجبهات المختلفة، فقد اجتاحت لبنان، وقتلت البشر، ودمرت الحجر في العام 1978، ثم كررت فعلتها بعنف أكبر في العام 1982، لتصفية المقاومة الفلسطينية، ولتحصيل اتفاق سلام ثنائي مع نظام لبنان أتى على ظهر دباباتها، قبل أن تعود القوى اللبنانية المقاومة وتهدّ هيكل المشروع الإسرائيلي على رأس بناته، بدايةً من بيروت، ووصولاً إلى الشريط الحدودي الذي تحصّن الجيش الإسرائيلي وعملاؤه خلفه بعد العام 1985.

موت خيار السَّلام 

بعد "كامب ديفيد"، ومع استمرار تصاعد وتيرة الجرائم الإسرائيلية، واتساعها في مساحة الاعتداءات اليومية، وصولاً إلى استخدام أقصى وجوه العنف العنصري لقمع الانتفاضة الفلسطينية الأولى مع انتهاء عقد الثمانينيات من القرن العشرين، انقسم العرب بين خيارين في مطلع التسعينيات.

تمسَّك أصحاب الخيار الأوّل بالموقف المقاوم، وكانت سوريا في طليعة رافعي لواء هذا الخيار، ومعها قوى المقاومة في لبنان وفلسطين، إضافة إلى أحزاب وقوى في الدول العربية الأخرى. واستفاد أصحاب هذا الخيار من انتصار الثورة الإسلامية في إيران في شباط/فبراير 1979، واتخاذ إيران الثورة خيار مواجهة "إسرائيل" والنفوذ الأميركي في المنطقة، لتقوية أنفسهم، والشروع بضرب الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان وفلسطين ضربات موجعة، أعادت رايات المقاومة إلى معظم العواصم العربية، ورفعت من شأن رموزها عند الشعوب العربية المختلفة، وخصوصاً عند شعوب الدول التي سارت في مسار التطبيع وما سمي بـ"الخيار السلميّ".

حدث ذلك بينما كان أصحاب الخيار الثاني، كالأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، يراهنون على نجاح النموذج المصري للسلام مع العدو، وذهبوا تباعاً إلى "وادي عربة" و"أوسلو"، ليوقّعوا صكوك السلام الموعود الذي كان فشله مكتوباً على جبين الأيام الأولى لهذا المسار المدمر، ليذاع صيته كاستسلامٍ لا كسلام، كما كان يراد تسويقه.

ووقفت الدول العربية الأخرى بين الخيارين؛ قلب شعوبها مع خيار المقاومة، بينما تقف أنظمتها بترددٍ أمام كل موقفٍ، ممتنعةً عن مد هذا الخيار بلوازم حياته الضرورية، الأمر الذي أضعف كثيراً قدرة المقاومين على المواجهة، وصعّب من حركتهم، ولم يجدوا خلفهم سوى إيران كقوةٍ إقليمية صاعدة تمدهم بما يحتاجونه في سبيل المواجهة وتحرير الأرض واستعادة الحقوق المسلوبة.

لقد راهنت الدول التي سارت في خيار السلام مع العدو على الوعود الأميركية والغربية بأن هذا الخيار سيعود عليها بالنمو الاقتصادي والازدهار والرفاه الاجتماعي، جنباً إلى جنب مع السلام. وساهمت المؤسَّسات المالية الدولية التي تهندس سياساتها على هوى مصلحة الدول الكبرى الممولة لها، وخصوصاً الولايات المتحدة، في إغراء مصر والأردن بالقروض والهبات التي حوَّلت اقتصاديات هاتين الدولتين إلى اقتصادين قائمين على الاستدانة، وترزحان تحت أعباء خدمة الديون بصورةٍ دائمة.

لقد ساد الفقر والعوز في دول التطبيع، وعانت مصر تحديداً من أزماتٍ معيشية شبه مستدامة طوال العقود التي تلت توقيعها معاهدة "كامب ديفيد". لقد كان محرماً عليها أن تنهض، ذلك أنّ نهوضها يعني بالضرورة نهوض مشروع أمن قومي عربي يشكّل بالتأكيد تهديداً هائلاً لـ"إسرائيل" ومصالحها وأطماعها في المنطقة. لقد كشف اقتصاد الدول المطبعة زيف ادعاءات المطبعين بأن السلام سيجلب الرفاه والازدهار لهذه الدول.

أما منظَّمة التحرير الفلسطينيّة، وتالياً السلطة الفلسطينية التي تم الاعتراف بها كممثل للشَّعب الفلسطينيّ، فقد عاشت أيضاً طوال السنوات اللاحقة لاعترافها بـ"إسرائيل" وتوقيعها اتفاق "أوسلو"، رهينة المساعدات الأجنبية والعربية، ولم تتمكن في يومٍ من الأيام من أن تتصرّف كدولة فلسطينية. لم يسمح لها ذلك، بل أريد لها أن تمارس دور الشرطي الذي يلاحق حركة المقاومة من قرية إلى قرية، وينسّق مع العدو الإسرائيلي على أساس أنه يخدم بذلك مشروع السلام، ويحمي حقوق الشعب الفلسطيني من جنون المقاومين الذين استمروا بالتمسك بحقوق بلادهم التاريخية التي لا شك في أحقيتها.

هذا ليس تشكيكاً في انتماء السّلطة، إنما رهان أثبتت الأيام فشه، ولا سيما على ضوء التطورات الأخيرة ومشروع الضم. ذلك الخيار الانتحاري هدر طاقات الشعب الفلسطيني، وأحرق الوقت، وأفاد طرفاً واحداً من أطراف المعادلة، وهو العدو الإسرائيليّ.

في المحصّلة، لم يجلب خيار السلام لمصر والأردن والسلطة الفلسطينية إلا المزيد من الخسائر للحقوق والأمن والموارد. وفي هذا السياق، لا يمكن نسيان استمرار النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي بوتيرة عالية ومؤذية بعد توقيع اتفاقيات السلام، فضلاً عن استخدام "إسرائيل" مسألة التطبيع لحشر الدول العربية الأخرى غير المطبّعة، وقوى المقاومة أيضاً، ضمن خانة القوى غير المحبة للسلام، ومقارنتها أمام المجتمع الدولي بأخواتها اللواتي سرن في مشروع السلام هذا.

ومنذ منتصف التسعينيات، مع اغتيال إسرائيليّ لإسحاق رابين الذي اعتبر الوجه الإسرائيلي الذي يعبر عن خيار الذهاب إلى السّلام مع العرب (بحسب وجهة النظر الإسرائيلية)، بدا جلياً أنّ "إسرائيل"، بيمينها ويسارها وما بينهما، لا تريد سوى إلهاء الدول والقوى العربية الواحدة تلو الأخرى وتحييدها من مسار المواجهة، ليس من أجل السلام، بل من أجل تقسيم الجهود العربية، والانقضاض عليها بعد ذلك الواحدة تلو الأخرى، وهو ما حدث فعلاً.

مشروع ضمّ الضفة والوطن البديل

اليوم، وبعد مجيء دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة الأميركية وشروعه في خطة "صفقة القرن"، وجدت "إسرائيل" فرصتها الذهبية لتستولي على كامل القدس، متجاوزةً التزاماتها السابقة مع الذين صدّقوا كلامها عن السلام وحلّ الدولتين، وعن تقسيم القدس إلى قدسين: شرقية عربية، وغربية تحت السيطرة الإسرائيلية. لقد وجدت "إسرائيل" في هذه المناسبة ضالتها، فسعت أبعد من ذلك إلى الاستفادة من الظرف بأن نشطت ديبلوماسيتها لتدفع دولاً غربية إلى نقل سفاراتها إلى القدس واعتبارها عاصمة "إسرائيل" وحدها.

إن مشروع "صفقة القرن"، وما حمله معه من انقضاض إسرائيلي بالغ الجشع والوقاحة، ظهر بأبشع وجه له من خلال التعامل مع الدول التي سارت في خيار السلام، وليس مع تلك الدول التي صمدت وحافظت على خيارها المقاوم، فدول المقاومة وقواها استمرت طوال السنوات الماضية في تسجيل الانتصارات، وأرغمت "إسرائيل" على الانسحاب من جنوب لبنان، ثم عادت وهزمتها أيضاً في لبنان في العام 2006، وفرضت توازناً في الردع تقف "إسرائيل" معه "على رجل ونصف"، بحسب تعبير أمين عام حزب الله اللبناني السيد حسن نصرالله، بينما لا يكفّ المطبعون عن التذمر من الإهانات الإسرائيلية والأميركية المتكررة لهم ولأفكارهم وخياراتهم.

واليوم، تسير "إسرائيل" في مشروعها إلى آخره، فهي تريد ضم الضفة الغربية والأغوار، متجاوزةً أدنى معايير حقوق الدول والشعوب الأخرى، وخصوصاً تلك التي وقعت معها اتفاقيات سلام. لقد بات واضحاً لكل أردني كان موافقاً في السابق على خيار السلام، أن بلاده يراد لها أن تكون الوطن البديل للفلسطينيين، وأن "إسرائيل شريكة السلام الموعود" ليست شريكاً في شيء، إلا بما يمكّنها من افتراس كل من تستطيع افتراسه من حولها. وبذلك، إذا أردنا أن نلخّص كل خطابات المسؤولين الأردنيين والفلسطينيين الذين حملوا راية السلام مع "إسرائيل" بكلمةٍ واحدة اليوم، فستكون "الندم"، ولا شيء آخر.

في المقلب الآخر، يدخل الإسرائيليون إلى الملاجئ في كل ليلةٍ يخرج فيها قائد من محور المقاومة ملوحاً بإمكانية توتر الحدود مع الكيان الإسرائيلي. ليس المستوطنون فحسب من يدخلون إلى الملاجئ، بل "إسرائيل" بكيانها ومسؤوليها وجيشها. عند الحدود مع لبنان، يختبئ الجنود الإسرائيليون كمن يعيش في وادٍ للأسود، ولا يجرؤ قادة "إسرائيل" على اتخاذ خطوة عملية واحدة تخترق قواعد الاشتباك في جنوب لبنان.

إذاً، هي قوة الردع، وليست نيات السلام الساذج، ما يحمي البلاد والعباد. هذا درسٌ نعيشه اليوم بكل تفاصيله أمام المشهدين المتناقضين عند كلّ واحد من أصحاب الخيارين المذكورين سابقاً. ومع هذا الواقع، ليس أمام السلطة الفلسطينية والأردن ومصر أيضاً، بل كلّ من سار في خيار السلام مع العدو، سوى العودة عن ذلك، والانخراط مجدداً في خيار المقاومة، إن لم يكن بصورةٍ مباشرة الآن، فليكن من خلال فتح المسارات مع قوى المقاومة، وإراحة ظروف عملها، وتحفيز الشعوب على رفض المشروع الإسرائيلي الجديد، والعودة إلى تعبئة الشعوب العربية في هذه الدول بمعنويات المواجهة مع "إسرائيل"، لنسترد حقوقنا بقوتنا، وليس من خلال البكاء عند الأميركيين بعد كلّ خيبة من الممارسات الإسرائيلية الإجرامية التي لن تتوقف يوماً، لكن هل هذه هي الوجهة التي يذهب العرب باتجاهها اليوم؟

في الخليج.. ذهاب نحو الخيبة

هذا الدرس الذي تعطيه "إسرائيل" للدول التي وقّعت معها معاهدات السلام قبل عقود من الزمن، لا يبدو أنه مسموع أو مفهوم في دول الخليج. هذه الدّول تتّجه بدرجاتٍ متفاوتة إلى خيار التطبيع مع "إسرائيل"، أي إلى الاتجاه نفسه الذي يعود منه الأردنيون وفلسطينيو السلطة خائبين اليوم. هو ذهابٌ نحو الخيبة؛ ذهاب غير مفهومٍ وغير مبرر، ولا يستوي مع أدنى معايير الأمن القومي. 

تذهب هذه الدول الخليجية في الطريق الذي يعود منه الآخرون خاسرين مهزومين، وهي في الوقت نفسه، تواجه إخوتها (عرباً أو مسلمين) من أصحاب خيار المقاومة، كأنهم أصبحوا هم العدو، حتى وإن كانوا منتصرين!

هذه المفارقة تسجّل في تاريخ العلوم السياسية والعلاقات الدولية. ربما سيكون صعباً شرحها لمن يشرع في فهم أساسيات هذا العلم؛ أن تصرّ دول على التطبيع مع عدو شعوبها الوجودي، وأن تستعدي في الوقت نفسه القوى المنتصرة التي تمثل كل ما تملكه الأمة من قوة هذه الأيام، وتركض خلف خيارٍ خاسرٍ بالدليل القاطع على ألسنة من سبقوها إليه، وتستهدف ضرب الخيار الذي ما زال حتى اللحظة رابحاً ورادعاً ومنطلقاً.

يقول البعض إنها سيرةٌ عربية قديمة، لكنَّ آخرين يقولون إن لكل امرئ ما سعى. وكل من يسعى إلى الهزيمة سيحصل عليها، تماماً كما سينال أصحاب الحق حقهم، ربما أقرب مما نتصوّر.