ملاحظات في عمق الاقتصاد البيئيّ

تعقيدات كثيرة تواجه الجهود الساعية إلى تحقيق توازن بين ضرورات الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية وتحقيق النمو الاقتصادي. هذه التعقيدات المنذرة بالمخاطر، والحاملة لفرص النجاح أيضاً، هي ما يتمحور حوله الاقتصاد البيئي.

  • النهم لاستهلاك الموارد الطبيعية يمثل الخطر الأبرز على استدامتها
    النهم لاستهلاك الموارد الطبيعية يمثل الخطر الأبرز على استدامتها

في النضال نحو تحقيق وصفات النمو الاقتصادي الحيوي للاستقرار، وفي ظلّ عالم يتفاعل بصورةٍ شديدة التعقيد تثقل كاهل الدول، حتى المتقدمة منها، تسقط من أولويات الكثير من الدول وقوى الإنتاج - وخصوصاً النامية منها - الضرورات البيئية الأساسية التي تستتر خلفها الإخفاقات البعيدة المدى، المرتبطة بالهدف الأساس للاقتصاد السياسي، وهو رفع مستوى العيش وتحقيق الرفاه لأكبر أغلبية ممكنة من الشعوب. ورغم أنّ هذه السّمة لا تقتصر على الدول النامية فحسب، فإنَّها تظهر فيها بحدّة أكثر فتكاً من الدول الأكثر تقدماً، أو تلك التي قطعت أشواطاً أبعد في مسار التنمية.

إنَّ مفهوم النموّ الذي يتغيّر ويزداد غنى مع كل سنة، اكتسب منذ وقتٍ غير وجيز بعداً بيئياً، وهو يحمل خطراً حيوياً على كل الكوكب من ناحية، وعلى استدامة التطور الاقتصادي والنمو الحامل للرفاه للأجيال القادمة من ناحية أخرى، فاستهلاك الموارد بصورةٍ غير واعية يؤدي إلى نضوب الثروات الطبيعية غير المتجددة، أو المتجددة ببطء غير مفيد، الأمر الّذي تكتنفه مخاطر انحدار في أحوال الصحة العامة ونوعية الحياة، في مقابل نمو مفخخ في النشاط الاقتصادي، ذلك أن هذا النمو يحمل في ذاته بذور دماره وفشل أهدافه.

لكنَّ الأكثر خطورة هو تلك العلاقة الطّردية بين تسارع النشاط الاقتصادي وتعاظم المخاطر البيئية وتحولها إلى مخاطر داهمة للبشرية، مع غياب السياسات البيئية عن الكثير من الدول النامية، وتطبيقها إجراءات مجتزأة وغير متّسقة في دول أخرى.

 

اهتمامات الاقتصاد البيئي 

إنّ السياسات الضرورية اليوم في الدول النامية لا بد من أن تستند إلى أسس علم الاقتصاد البيئي، في عالمٍ تعبر فيه المعاهدات الدولية المرتبطة بقضايا البيئة عن إرادةٍ عالمية متعاظمة لكبح جماح الانحدار البيئي والنمو السكاني غير المنضبط من ناحية، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية وترشيد استخداماتها، وحفظ حقوق الأجيال المقبلة من الثروات من ناحيةٍ ثانية. 

وفي هذه النقطة تحديداً، تكمن نواة التعريف الأساس للتنمية المستدامة، والذي تبلور لأول مرة في منشور أصدره الاتحاد الدولي من أجل حماية البيئة في العام 1980، لكن تداوله على نطاق واسع لم يحصل إلا بعد أن أُعِيد استخدامه في تقرير "مستقبلنا المشترك" المعروف باسم "تقرير برونتلاند"، والذي صدر في العام 1987 عن اللجنة العالمية للبيئة والتنمية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، تحت إشراف رئيسة وزراء النرويج آنذاك غرو هارلم برونتلاند. وقد عرّف التقرير التنمية المستدامة بأنها "التنمية التي تستجيب لحاجيات الحاضر، من دون أن تُعرِّض قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها للخطر".

إنَّ هذا التعريف يشمل فكرتين محوريتين هما: "فكرة الحاجيات، وخصوصاً الحاجيات الأساسية للفئات الاجتماعية الأكثر فقراً التي تستحق أن تُولَى أهمية كبرى، وفكرة محدودية قدرة البيئة على الاستجابة للحاجيات الحالية والمستقبلية للبشرية، في ظل أنماط الإنتاج والاستهلاك السائدة والتقنيات المتوفرة".

لقد وضعت الأمم المتحدة منظومةً متكاملة من الأهداف والسياسات التوجيهية التي يمكن أن تأخذ بيد الدول إلى طريق التنمية المتعددة الأبعاد والقابلة للاستدامة. وتطغى السياسات المرتبطة بالبيئة على ثمانية أهداف من أصل 17 هدفاً وضعتها الأمم المتحدة للدول لتسير في درب التنمية المستدامة. رغم ذلك، فإن التدهور البيئي لم يتوقف في الكثير من الدول، ولا سيما تلك التي تضعف فيها ضوابط السياسات البيئية المتشددة والمبنية على أسس الاقتصاد البيئيّ.

إنّ الوتيرة المتسارعة لهدر الموارد البيئية، وتلازمها مع النهم العمراني وتوسيع المناطق الحضرية وقضم المناطق الزراعية، والاستخدام الجائر للمياه أو تلويثها، وتضخّم الكثافة السكانية، وسوء معالجة النفايات بأنواعها المختلفة (بعضها سام وشديد الخطورة) والعوادم، إضافة إلى التنافس على زيادة الإنتاج الصناعي، كلها عوامل تؤدي إلى انتهاك الموارد البيئية وتسريع نضوبها، وخصوصاً حيثما تغيب الضوابط البيئية التي ترسمها السياسات العامة وتضمن تطبيقها بصرامةٍ.

إن هذا النهم لاستهلاك الموارد الطبيعية يمثل الخطر الأبرز على استدامتها وعلى تدهور المجالات البيئية، وهي بطبيعتها محدودة التجدد. إن الكلف المترتبة على زيادة الإنتاجية من الموارد الطبيعية تبقى منخفضة بدرجة تسمح بالإفراط في هذه الزيادة، ذلك أن الدافع إلى زيادة المداخيل منها سيستمرّ بالتحفز ما لم تضع السياسات ضوابط على استهلاك الموارد، من خلال الضرائب والحوافز.

من هنا برز مبدأ ضم كلفة استهلاك الموارد البيئية إلى الكلف الأخرى لعملية الإنتاج، وبالتالي رفع عبء الاستهلاك من الموارد البيئية على المستهلك نفسه، وهو ما حقق نجاحاً مطرداً حيثما تم تطبيقه.

إنّ علم الاقتصاد البيئي يتنبه إلى المخاطر التي يشكلها النشاط الاقتصادي على البيئة، ويحاول التأثير في هذه المعادلة، من خلال القول إن التلوث ليس نتيجة حتمية للنشاط الاقتصادي، بل من الممكن للسياسات البيئية أن تلزم الشركات الملوثة للبيئة بتنظيف انبعاثاتها، وأن تضع في تصوراتها سبلاً لكيفية تغيير سلوك الناس، منها ما يرتبط بزيادة الكلف لاستهلاك الملوثات، حتى لو كانت ضرورية، مثل تركيب أجهزة مكافحة التلوث. إنها عملية مقايضة تحت وقع الضرورة، وقاعدتها تقول: بيئة أنظف، ولكن مقابل كلفة أكبر.

في كتابه "الاقتصاد البيئي"، يطرح ستيفن سميث مجموعة من التساؤلات المهمة، فإذا كانت حماية البيئة مكلفة، كم ينبغي أن ننفق على مكافحة التلوث؟ هل يستحق الأمر القضاء على التلوث تمامًا أو أن علينا تقبُّل درجة معينة منه بسبب المنافع الاقتصادية المرتبطة به؟ 

وعند اتخاذ هذه القرارات، كيف يتسنى لنا تقييم المنافع التي يُحصِّلها الناس من بيئة أقل تلوثًا؟ ما الصورة التي يجب أن تخرج بها السياسات الحكومية الرامية إلى تقليل التلوث؟ هل يجب أن نتبنى سياسات بيئية معتمدة على السوق، عن طريق استخدام ضرائب التلوث أو تداول حقوق إطلاق الانبعاثات في تحفيز الإنتاج والاستهلاك النظيفَيْن؟

إن القضايا الرئيسة التي تشكل الدافع لكل حراك اقتصاد، وفي الوقت نفسه لتطوير وسائل الاقتصاد البيئي، تتشابه في كل دول العالم، وهي قضايا عالمية بطبيعتها، مثل تغير المناخ، وتلوث الهواء، والتلوث الناجم عن مصادر الطاقة، وتلوث المياه، يحيط بها الاقتصاد البيئي كإطار للتفكير في الحلول واقتراح آلياتها وأهدافها.

هذه الحلول التي يقدمها الاقتصاد البيئي تتمحور حول كيفية الموازنة بين الاعتبارات البيئية والاقتصادية، وحتى يأتي الوقت الذي تتحقق فيه نقطة التوازن هذه، يتعيّن إقناع الناس بأن المنافع البيئية تبرر التكلفة الإضافية التي تقترحها السياسات الصديقة للبيئة.

 

أسس التحوّل في السياسات البيئية 

إنّ السياسة البيئية المطلوبة اليوم في كل دول العالم، وخصوصاً في الدول النامية، ترتكز على مجموعة من الأسس، أولها اعتبار الموارد الطبيعية ثروة وطنية القاعدة الأساس للإنتاج. من هذا المنطلق، لا يمكن استهلاكها أو استخدامها في الإنتاج من دون تحمل كلفتها الحقيقية التي تتضمن الكلفة المخططة من قبل واضعي السياسة البيئية المستندة إلى أسس الاقتصاد البيئي، والتي من مهامها جعل عملية استخدام الموارد البيئية أكثر صعوبة.

إضافة إلى ذلك، إن هذه الموارد الناضبة بطبيعتها أو المتجددة ببطءٍ، يتم سحقها تحت ضغط التنافس الاقتصادي المتوحش الذي لا تحده ضوابط. والأسوأ أن ذلك يحدث من دون أن تعمد السياسات الرسمية في الكثير من دول العالم إلى توسل التقدم التقني في تجديدها أو إكثارها من طريق إنشاء موارد جديدة لم تكن موجودة.

إن هذا التدهور الذي تشهده البيئة على الأرض يرتبط بعلاقةٍ عكسية مع إنفاق الدول على الصحة العامة، فكلما انخفضت جودة البيئة، تزايدت الفاتورة الصحية في موازنات الدول، وتدنى مستوى العيش الذي يعد الهدف الأساس للاقتصاد.

إن المفهوم الأهم الذي تقره مبادئ التنمية المستدامة يعتبر الموارد الطبيعية إرثاً للأجيال القادمة. ولذلك، يستجيب الاقتصاد البيئي في توقع احتياجات تلك الأجيال، ويقيّد الاستخدام الحالي لها، ويتشدد في ذلك، الأمر الذي ينعكس في الاتفاقيات الدولية والقوانين التي تفرض على الدول التزاماتٍ أكثر صرامة من تلك التي تنشأ بفعل تطور مستويات الوعي الداخلي للمخاطر البيئية ولمخاطر نضوب الموارد.

من هذه المنطلقات، اكتسب الجهد العالمي للحد من تدهور البيئة وحفظ الموارد زخماً متصاعداً يتزايد باستمرار منذ الحرب العالمية الثانية، وهو اليوم في أوج بريقه بالنسبة إلى أجيالٍ جديدة من الناس، على الرغم من أن التنافس الاقتصادي المحموم يمثل سمةً واضحة من سمات النظام الدولي والعلاقات الاقتصادية الدولية. واليوم، تتجه معظم الاقتصادات المتقدمة (وخصوصاً في أوروبا) إلى فرض شروطٍ ومواصفاتٍ بيئية، ليس على مستورداتها فحسب، بل على أنماط إنتاج تلك المنتجات في بلدان المنشأ أيضاً.

وبما يتناغم مع ذلك، تربط المؤسسات المالية الدولية بصورةٍ متزايدة بين تمويلها للمشروعات بشروط الالتزام بمعايير بيئية عالية ضامنة لجودة البيئة.

 

الضرائب الخضراء

تواجه الضريبة البيئية - التي ثبتت فاعليتها نظرياً وعملياً - مجموعةً من التعقيدات التي تصعّب اعتمادها وتثقل حركتها وتؤثر في تحقيق أهدافها وفي تفاعلات قوى السوق التي تخفي خلفها الكلف الحقيقية للإنتاج في الدول المستقرة على مستوى إدارة الضريبة، فكيف الحال في الدول التي تسودها فوضى الإدارة وخلل النظم الضريبية وغياب الأرقام الحقيقية؟ 

إنّ التحديد الدقيق لكلف الإنتاج يساهم في تحديد حقيقي ومفيد وأكثر دقة للكلف الإضافية الهادفة بيئياً، والعكس صحيح، فمن دون كلف حقيقية لعناصر الإنتاج الأخرى، يمكن أن تشكل إضافة الضريبة البيئية عبئاً غير منطقي يؤدي إلى عدم تحقق الهدف منها، فإما ينتج ذلك زيادةً في استهلاك الموارد، وإما يؤدي إلى تعطل حركة بيع المنتج، بما يحمله من نتائج اقتصادية غير مرغوبة.

من المفيد تحديد المقدار العادل من الضريبة البيئية، والذي يجب أن يتناسب بدقة مع قيمة استهلاك الموارد، ليكون دافعاً نحو تباطؤ استهلاكها والإبقاء على المستوى الضروري من الاستهلاك. وهذا يحتاج إلى إجراء عملية قياس تتطلب بدورها وسائل معقدة غير متوفرة للكثير من دول العالم.

كما أن عدم توفر الاستقرار في النظم الضريبية يؤدي في جانب آخر من آثاره إلى مخاطر مختلفة، مثل تأقلم قوى الإنتاج المكلف الجديدة المتضمنة للضريبة البيئية، بحيث يؤدي ذلك إلى ضرب هدفين أساسيين لتلك الأخيرة وتحقق السيناريو الأسوأ، فترتفع الأسعار ويستمر التلوث، مع زيادة عبءٍ إداري إضافي على الدول، يرتبط بطبيعته بتعقيدات تنفيذ الضريبة الخضراء.

إن نجاح الضرائب البيئية يُقاس بصورةٍ مختلفة تماماً عن طرق قياس نجاح أهداف الضرائب العادية، ففي حين يعتبر ارتفاع إيرادات ضريبة ما نجاحاً كبيراً لها، يكون الأمر معكوساً تماماً في حالة الضريبة البيئية، وذلك لاختلاف الهدف منها.

إنه ليس هدفاً مرتبطاً بزيادة الإيرادات، بل يرتبط بـ"فرملة" أو إبطاء استهلاك هذه الموارد، فكلما حققت الضريبة البيئية إيرادات أقل، اعتُبر ذلك نجاحاً لها. وبذلك، تحقق الضريبة هدفها الأكثر حيوية بالنسبة إلى المشرع وإدارة السياسة التي تتابع التنفيذ.

تعمل الدول على حل تلك المعضلات بطرق متعددة، منها ما يتعلق بتشجيع الاستثمارات في المنتجات التي توفر استهلاك الموارد البيئية، في تكتيكٍ معاكس في الاتجاه للضريبة البيئية، لكنه اتجاه متوافق معها في الهدف. ويتفرع من هذه السياسات تركيز رسمي على دعم الابتكارات والاختراعات التقنية التي تساعد في توفير استهلاك الموارد وتقليل استهلاك البيئة بصورةٍ عامة.

إن العائق الأهم الذي يحتاج إلى جهد أكثر قوة من أجل عالمٍ يسير بوعي نحو المستقبل، ويدرك شكل المستقبل الذي يريده، يتمثل بالإخفاقات التنظيمية التي تهدر الجهود المخططة للحفاظ على الموارد الطبيعية والجودة البيئية. إن الدول والمنظمات التي تجهد لتحقيق سياسات خضراء، تحمل في ذاتها بذور نجاحها وبذور فشلها. والبذور هي الموارد البشرية التي تنجح حين تصلح، وتفشل حين تفسد.

محمد سيف الدين

مدير عام المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان، دكتوراه في العلوم السياسية، متخصص في شؤون الأمن القومي الروسي والعلاقات الروسية الأطلسية.

إقرأ للكاتب

نحو سياسة اجتماعيّة دافعة للنمو

في ظلّ نظام اقتصاديّ دوليّ شديد التعقيد، تبرز الحاجة كل يوم إلى سياسات اجتماعية دافئة ومحفّزة...

صناعة الانهيار في لبنان

ثلاثون سنة سارت خلالها الدولة اللبنانية من إعادة الإعمار التي تلت الحرب الأهليّة إلى الانهيار...

الصّين ما بعد ترامب.. السيادة التكنولوجيّة والسوق الداخلية

كشفت الصين في تشرين الثاني/نوفمبر 2020 عن استراتيجيتها للعام 2021، والتي تضمنت الإعلان عن نياتها...