كلفة الاستسلام وجدوى المقاومة.. ميزان القدس

مساران وخياران واكبا تاريخنا في العقود السبعة الماضية. بعد احتساب التّكاليف، ما الأجدى اليوم؟ وما تأثير أحداث القدس في ميزان الخيارات الاستراتيجية في الصراع العربي- الإسرائيلي.

  • كلّما تقدّم الزمن، تراجع التزام الإسرائيليين بروايتهم، وازداد إيمان أهل الأرض.
    كلّما تقدّم الزمن، تراجع التزام الإسرائيليين بروايتهم، وازداد إيمان أهل الأرض.

تكتسب الأحداث المتجدّدة في فلسطين المحتلة هذه الأيام أبعاداً أكثر عمقاً من مظهرها الخارجي كمواجهاتٍ عنيفة بطولية يخوضها المقدسيّون في وجه سلطات الاحتلال وقطعان المستوطنين بكلّ جبروتهم وشغفهم بممارسة الجرائم المستمرة والمتمادية. لا شكّ في أنَّ هذه الأبعاد الجديدة تطال اتجاهات الصراع في المستقبل، لكنها أيضاً تشكّل بمظاهرها الميدانية محاكمةً لخيارات استراتيجية اتخذها أطراف الصراع في الماضي والحاضر.

 

وظيفة الكيان الجيوسياسيّة

إنّها ليست محاكمة تقليدية منبثقة من تنظير أكاديمي عقائدي أو من موقف سياسي متحيّز، إنما استنتاج بديهي من وقائع وأحداث ومواقف، ومن تمظهر حقائق الصراع بصورة أوضح من شمس النهار، لتقول إنَّ صراع العرب، على اختلاف دولهم وشعوبهم، مع الكيان الإسرائيلي، لا يتمحور حول النزاعات الحدودية أو تلك الحقوقية، ولا يعبّر عن انتهاكات العدوّ لحقوق الإنسان وممارسته جريمة "الدولة" المنظمة لزمنٍ يربو على 75 عاماً فحسب، بل هو في عمقه الثقافي والديني والوطني والقومي صراع وجودٍ بين أصحاب الأرض الفعليين الذين لطالما احتضنوا كلّ التنوع الديني في أرض فلسطين قبل نشوء الكيان في العام 1948، وعصابات تم جمعها من أصقاع الأرض، في إطار مشروع اختراق جيوسياسي استراتيجي في قلب منطقةٍ مشكّلة في حينه، لمنع شعوبها من بناء منظومة إقليمية متناغمة بهوية قومية واحدة، وتاريخ واحد مشترك، وحضارة واحدة، ولغة طاغية، مع دين أغلبية يشمل معظم دول المنطقة، من دون أن يكون ذلك سبباً لرفض الأديان الأخرى التي عبّرت القدس تحديداً عن مساحة تفاعلها الحضاري التاريخي لقرون متتالية من الزمن. 

وبين الحربين العالميتين، شهدت المنطقة اكتشافات هائلة في ثرواتها الكامنة فيها، فأضيفت إلى المعطيات المذكورة من ناحية أولى ثروات ثابتة كانت معلومة، كالمساحات الزراعية المتمادية الأطراف، والواجهات البحرية الممتدة إلى آلاف الكيلومترات في قلب العالم، إضافةً إلى وقوع هذه المنطقة العربية على أهم المسطحات المائية، من المحيط الهندي إلى الأطلسي، وبينهما البحار والخلجان والمضائق والممرات المائية الأكثر أهمية على الإطلاق. 

من ناحية ثانية، أُضيفت قيمة استراتيجية إلى المنطقة مع اكتشاف مصادر الطاقة الأحفورية فيها، الأمر الَّذي سرّع اهتمام القوى الكبرى بها، وهو ما شكل سبباً أساسياً لزرع الكيان الإسرائيلي في منتصف الخارطة، بين المشرق والمغرب العربيين، ليكون الأخدود الأعظم الذي سيحدث شرخاً عميقاً بين العرب على المدى، وتتعاظم قوته ليمنع نشوء نظام إقليمي يقوم على الوحدة العربية، ويستتبع الدول المحيطة به من خلال 3 أساليب رئيسة:

- نشر الذعر في صفوف الشعوب المحيطة به، عبر شنّ الحروب بطريقة ممنهجة دائمة، وارتكاب المجازر المروعة بصورةٍ متكررة وتسويق أخبارها، بحيث تؤدي إلى إرهاب أية إرادة رافضة، وبالتالي بث روح الهزيمة التي ستسهّل السيطرة على المنطقة.

- المؤامرات الأمنية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية... بقصد إحداث شرخ بين دول المنطقة وشعوبها. ومن هذه المؤامرات، استدراج بعض الدول والقوى إلى فخ "السلام" الموعود، واستخدام المعلومات والعلاقات الناشئة من اتفاقيات "السلام" الوليدة للإيقاع بين الدول الموقعة والدول الرافضة، والأمثلة لا تُحصى في هذا السياق، وهي شبيهة بابتزاز الأشخاص لتجنيدهم للعمالة.

- استغلال محطات تاريخية معينة لحكاية سرديات قائمة على مظلومية اليهود، واستخدامها في تحقيق تفوق عسكري واقتصادي استراتيجي دائم، وإقناع شعوب المنطقة بأنَّ الكيان الإسرائيلي هو الوحدة السياسية الطبيعية والمتفوقة في المنطقة، بينما الدول الأخرى متخلفة عن الركب العالمي، وبالتالي يصبح إذعان هؤلاء للدولة المواكبة لدول العالم الأول مسألة منطقية. وفي هذا السياق، سيق الكثير من الأكاذيب التي تدَّعي التفوّق الحضاري والقيمي، والأخلاقي أيضاً.

 

صراع إرادات 

في مواجهة زرع الكيان الغريب في قلب المنطقة العربية، اتّخذ العرب خيار المواجهة منذ البداية. كافحوا وقاوموا في مراحل متعددة. وبموازاة مرحلة التحرّر من الاستعمار، كانت الحركات الثورية تتوالد من كلّ ناحية في الوطن العربي، لكنَّ مشكلات الدول الخارجة حديثاً من الاستعمار كانت أكبر من قدرتها على إدارة مشاريع بناء الدّولة، وقيادة مشاريع مقاومة باتجاه فلسطين لتحريرها، وخصوصاً أن القوى الكولونيالية استمرت في مرحلة ما بعد الاستعمار بممارسة سيطرتها على النظام الدولي. وزاد من تعقيد البيئة الاستراتيجية في المنطقة العربية تنازعها بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي اصطلح على تسميتها بـ"الحرب الباردة"، إضافةً إلى محاولة دول الجنوب تشكيل منظومتها الخاصة الهادفة إلى انتزاع حقوقها في ثرواتها ودورها في النظام الدولي، من خلال حراكٍ في الخمسينيات والستينيات، توّج بإعلان حركة عدم الانحياز بقيادة عبد الناصر ونهرو وتيتو.

وفي مواجهة الكيان الإسرائيليّ وداعميه الغربيين، دفع العرب أثماناً باهظة لأسباب كثيرة باتت معروفة، على الرغم من الجدل الطويل الذي ما زال يدور حولها حتى اليوم.

بعد النّكسات في الحروب المتتالية، وبعد محطات الانتصارات المضيئة في الحروب والعمليات الفدائية على مدى السبعينيات، شكَّل توقيع مصر اتفاقية "كامب دايفيد" وإعلان "السلام" مع الكيان الإسرائيلي مفصلاً في مسار الصراع العربي الإسرائيلي. بعد ذلك التاريخ، انهارت أجزاء أساسية من منظومة القوة العربية القادرة على بثّ الأمل بموقف عربي موحّد قادر على استعادة فلسطين، وفرض حقّ الشعب الفلسطيني بالعودة إلى أرضه وتحقيق دولته بعاصمتها القدس الشريفة.

لحقت حركات مقاومة ودول أخرى بعد ذلك بركب "السلام"، فتم توقيع اتفاقيتي "أوسلو" و"وادي عربة"، ودخلت منظمة التحرير الفلسطينية والأردن مسار الخيار السلمي، على قاعدة وعود إسرائيلية وأميركية وغربية بتقسيم الحقوق وإعادة بعضها، تحت ستار الواقعية السياسية، وارتكازاً على هزائم قاسية طالت معنويات صنّاع القرار أكثر مما طالت القدرات العسكرية الفعلية للمقاومة.

لقد تراجعت منذ ذلك الوقت مطالب معظم العرب، لتتقزّم بحجم "حلّ الدولتين" أولاً، ثم انحدرت شيئاً فشيئاً، لتتحوّل إلى إعلانات متتالية للمبادرات العربية التي تقوم على "حل الدولتين"، والتي كان الكيان الإسرائيلي يرفضها بصورةٍ متكررة.

هذا المسار الانحداري الَّذي غزا العالم العربي مستفيداً من رعاية أميركية وتغذية مستمرّة ناشطة لمحدداته استمرّ حتى اليوم. آخر صيحات هذا المسار كان "اتفاقيات إبراهيم" التي رعتها الولايات المتّحدة بالعصا وحدها، وسارت فيها دول عربيّة عديدة لتطبّع مع الكيان الإسرائيلي.

لقد كانت كلفة الخيار السّلمي كارثية على مطالب الطرف العربي في الصراع، وخصوصاً إذا ما قورنت مع انطلاقته، يوم كان مطلب الإجماع العربي لا يرضى بأقل من استرجاع كامل فلسطين من النهر إلى البحر.

 

خيار المواجهة بالمقاومة المسلّحة

مع تنامي المسار الاستسلامي، كان مسارٌ آخر يتعاظم. استمرَّت دول عربية أساسية برفض التوقيع على "السلام" المزعوم، وخاضت مع حركات المقاومة في لبنان وفلسطين تحديداً غمار المقاومة المسلَّحة.

في العام 1979، نجحت الثورة الإسلامية في إيران في قلب المشهد الإقليمي، لتنتزع دولة إقليميّة كبيرة من نفوذ الولايات المتحدة، وتعلن سياستها الخارجيّة التي تحمل في أعلى أولوياتها لواء القضيّة الفلسطينيّة. تلاقت هذه السياسة مع حركات المقاومة المتصاعدة في داخل فلسطين، كما في لبنان من جهة، وسوريا من جهةٍ ثانية.

وعلى مدى ما يزيد على عقودٍ أربعة منذ ذلك الوقت، دفعت هذه الأطراف التي انتهجت خيار المقاومة بصورة شاملة، والمقاومة المسلّحة بصورةٍ خاصة، أثماناً باهظة. عشرات الآلاف من الشهداء ارتقوا خلال السنوات الأربعين. دمارٌ متكرر للمدن والقرى والبنى التحتية والقدرات الاقتصادية والمنشآت الإنتاجية، واغتيالاتٌ وأعمال أمنية متواصلة حتى اليوم، ومؤامرات أمنية واقتصادية وسياسية، وحملات لتجنيد عملاء وخلق فتن سياسية وطائفية، وتغذية للتطرف، ونشر للشائعات والتضليل، وغزو للعقول بالدعاية الإعلامية المناهضة لمصالح الشعوب.

لقد دفعت هذه القوى المقاومة من قدراتها المختلفة ومن فرصها الكثير الَّذي لا يُحتمل، لكنَّها بقيت مصرّةً على مشروعها المبني على أساس حقوق شعوب المنطقة، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، الَّذي تمَّ تهجير قسم كبير منه إلى دول الجوار، لتتلاقى الإرادات المقاومة وتصبح أكثر زخماً، مستفيدةً من محطات انتصار كانت تتوالى في الكثير من المواجهات المباشرة بين العدو وحركات المقاومة.

في فلسطين، كان مسار المقاومة الفلسطينيّة يحصد التأييد الشعبي بصورةٍ مطّردة، ليعاكس مسار الاستسلام الذي كان ينحدر أكثر فأكثر. ومع الانتفاضات التي كان الشعب الفلسطيني يهبّ خلالها ليعبّر عن حقّه المتأصّل في بلده، كانت كلّ مواجهة تثبت جدوى الخيار الاستراتيجي الَّذي اتخذه الشعب الفلسطيني بالمواجهة حتى النهاية.

في لبنان، الَّذي وأد سريعاً خيار الاستسلام مع العدو، الموقّع في 17 أيار/مايو 1983، بدءاً من انتفاضة 6 شباط/فبراير 1984، توالت محطات التحرير خلال ثمانينيات القرن الماضي، ليشكّل التّحرير الأوّل من بيروت إلى صيدا إشارة انتصار كبير وعلامة ضوء في الطريق بأن خيار المقاومة صحيح ومجدٍ.

 تحقّق بعد ذلك التحرير الثاني، فأُجبر "الجيش" الإسرائيلي على الانسحاب من صيدا وبعض مناطق جنوب لبنان إلى حدود الشريط، الذي استمرّ حتى الانسحاب الكامل عام 2000. وفي ذلك العام، تحقّق التحرير الكبير الَّذي يمكن اعتباره تحولاً بحجم "كامب ديفيد"، لكنه معاكسٌ في الاتجاه. لقد أدى انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان تحت ضربات المقاومة اللبنانية إلى تحوّل جذري في تثبيت جدوى المقاومة المسلَّحة، وأظهر الكيان الإسرائيلي في صورة هزيلة.

لقد كان ذلك التحوّل محطّة انطلاقة جديدة لمسار آخر من الانتصارات. لم تستطع تل أبيب تحمّل وقع انكسارها في جنوب لبنان، وكانت تحليلات الاستراتيجيين الإسرائيليين، وخصوصاً في المؤسسة الأمنية، تؤشّر إلى ضرورة استعادة قوى الردع والهيبة الإسرائيلية، فشنّت حربها على لبنان في العام 2006، وتعرَّضت لهزيمة أكثر وقعاً، انتهت بتعطّل قدرتها على مواجهة المقاومة لـ15 عاماً وحتى اليوم.

إنَّ وصل المسارات المذكورة مع أحداث القدس اليوم، يفيد في إعادة التذكير بجدوى مشروع المقاومة المسلّحة، فالأحداث المستمرة في القدس، ودخول المقاومة الفلسطينية بقوتها الصاروخية على خطّ الأحداث، وفشل القوات الإسرائيلية والمستوطنين في وقف دفاع المقدسيين عن مقدساتهم، بيوتاً ومعالم دينيةً، كلها عوامل تؤشر إلى تصاعد قيمة خيار المقاومة المسلحة في ميزان الحسابات الاستراتيجية في المنطقة. 

لقد تمت تجربة خيارات متعددة مع الكيان الإسرائيلي، وكانت كلها خيارات مكلفة، لكنَّ هذه الأحداث، موضوعةً في سياقها التاريخي الصحيح، وفي ظروفها الزمنية والمكانية المناسبة، تؤكّد مرةً جديدة وحاسمة أنَّ خيار المقاومة المسلّحة هو خيار الفلسطينيين والعرب الأكثر توفيراً للخسائر، والأكثر قدرةً على تحقيق المكاسب الاستراتيجية.

إنَّ انعكاس المعارك المتتالية التي تخوضها حركات المقاومة وشعوبها، والتي يتصدَّرها المقدسيون ببطولة، يبدو جلياً، ليس في ميزان القوى وقدرة الردع فحسب، إنما في قلب الكيان أيضاً، فكلّما تقدّم الزمن، تراجع التزام الإسرائيليين بروايتهم، وازداد إيمان أهل الأرض. في حسابات التكاليف، يفوز الأكثر صدقاً في قضيّته، لأنّه يغيّر ميزان التقويم.