عملية "جلبوع" في مواجهة la casa de papel

نموذجان مختلفان أظهرتهما عملية تحرر المقاومين الستة من سجن "جلبوع" بين عبقريتهم وأهدافهم، وبين نقيضهم الذي قدّمه مسلسل "لا كاسا دي بابل" في دعمه للاحتلال وفي القيم التي يروّج لها.

  • يمكن مقارنة عملية تحرير المقاومين لأنفسهم من سجن
    يمكن مقارنة عملية تحرير المقاومين لأنفسهم من سجن "جلبوع" بأشهر المسلسلات التي تحكي قصص كسر السجون والهروب منها.

صورة جديدة من صور البطولة تضيفها فلسطين إلى العالم. لكنها هذه المرة صورة تحمل مضامين أكثر كثافة عن الحرية والنضال ورفض القدر الذي يقضي به المحتل، فيحدد من يموت ومن يقضي عمره خلف القضبان، ومن يتزوج، ومن ينجب، ومن لا يرى غير جدران السجن ووجوه المحتلين.

صورة كسر القيد والخروج من سجن جلبوع لستة من المقاومين الفلسطينيين ليست عادية. هي أقرب إلى حكايا السينما وحبكات أفلام الإثارة والتشويق التي تحصد في العادة نسب مشاهدات مرتفعة. لكن الفارق الكبير، هو أن الصورة الفلسطينية اليوم حقيقة كاملة مكتفية، لا تدخّل فيها.

ومع ذلك، فإننا لا يمكن أن نضع هذا الحدث الكبير في إطار الأحداث المنفصلة عن سياقاتها. هو حدثٌ استثنائيٌ من دون شك، لكنه تطورٌ يحدث في سياق وبيئة واقعية ومعنوية تغذي احتمالات هذا النوع من الأعمال البطولية، فإلى أي مسار تنتمي عملية كسر سجن جلبوع؟ وما معنى حدوثها بنجاحٍ مكتملٍ وبريقٍ مبشّر؟

سياق "سيف القدس"

في مسار الصراع مع العدو الإسرائيلي، تختلف الأحداث بين ما ينتمي إلى وقته وساعته، وبين ما ينتمي إلى زمنه الأوسع، ليدخل في إطار صناعة التحولات. تحرير لبنان عام 2000 كان من الاحداث المؤسسة لتحول كبير في المنطقة وفي طبيعة الصراع واحتمالاته المستقبلية. انتصار لبنان في حرب تموز/ يوليو 2006 أيضاً أسّس لمرحلة مختلفة بتفاعلاتها الخاصة ودينامياتها التي تنتج بيئتها أحداثاً إضافية تنتمي إلى الانتصار، وتتراكم بدورها لتصنع سياقاً يصل حدثين من طراز الأحداث المفصلية الكبرى.

وقد شهدت فلسطين في السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في وتيرة الأحداث الكبرى، وهناك تشكلت بيئة انتصار جديدة. في السنة الحالية، وفي الأشهر الأخيرة تحديداً، شهدت فلسطين حدثاً مفصلياً في سياق الصراع مع الاحتلال. لقد تحوّل الانتصار الذي حققته المقاومة الفلسطينية في معركة "سيف القدس" إلى حدث تأسيسي للمسار الجديد للصراع. بيئة انتصارات تنتج أحداثاً جديدة كل يوم، وتحدث تفاعلاتٍ لا حصر لها من المشاعر والحماسة والحوافز والاستعدادات، ثم توصل للأحداث والعمليات والاقتحامات والمواجهات والرفض وكسر القيود والذهاب أبعد من المستحيل حين يظن الاحتلال أنه حاصر طرائده وسجناءه بالمستحيل.

قبل أيامٍ قليلة فقط من عملية سجن "جلبوع"، انبرى شابٌ فلسطيني لقناص إسرائيلي كان يعتدي على متظاهرين فلسطينيين عند جدار الفصل العنصري الواقف بين الفلسطينيين وبلادهم، فاقتحمه في مخبئه من نافذة صغيرة كان يرسل منها الموت لأبناء الأرض، ليرد له الموت إلى حجرته. لقد كان مشهداً أسطورياً لإرادة الاشتباك المستمرة والمذهلة، في مواجهة عدوٍ مكتمل القدرات، لا بل متفوق بالوسائل، لا على حساب المقاومين فحسب، بل بالمقارنة مع معظم الدول كذلك.

إن مشهد الاشتباك مع القناص الإسرائيلي من مسافة صفر، وبمعزل عن تفاصيله الميدانية واللوجستية وصعوبة تنفيذه، يشير إلى ناحيةٍ أخرى أكثر أهمية واستدامة في مسار المقاومة. إنها الجرأة والروح المعنوية المولدة لهذا النوع من الاشتباكات. وهذه الناحية تحديداً هي أبرز مواليد "سيف القدس" من المؤثرات الاستراتيجية، والتي بدورها تولد أحداثاً مماثلة أو متقدمة في جرأتها ومعانيها.

لقد أطلق انتصار سيف القدس دينامية مشحونة بالروح العالية القادرة على الاندفاع إلى المستحيل وخوضه، والتجربة فيه، لكن ليس من باب الجرأة اليائسة كما يحاول كثير من وسائل الإعلام الإسرائيلية والأجنبية تصويره، بل حتى العربية، الإيحاء. إنها جرأة الآملين، الذين يقتحمون بهدف تحقيق النصر ومواصلة الحياة، مع فارق أنهم مستعدون لتحمل الموت الفردي إذا حدث، في مقابل رفد مشروع المقاومة وتحرير البلاد بشحنة أمل جديدة تضاف إلى المسار المتراكم.

وهذا بالتحديد ما يفسر تطور العمل المقاوم ووصوله إلى مستويات تقنية وميدانية عالية المستوى، واعتماده على قدرات علمية متخصّصة في مجالات الدفاع والاقتحام والصواريخ والتسلل، وصولاً إلى الانسحاب وكسر قيود المعتقلات والملاحقة والتعقب.

لقد تغيّر العمل المقاوم بفعل الضرورات الموجبة لهذا التغيير. فالعدو يمتلك في الأصل مقومات بالغة التطور والكفاءة، وهو يزيد منها باستمرار، وسيتلقى من الدول الراعية له ولممارساته المساعدة بصورةٍ دائمة مستمرة، الأمر الذي يوجب على المقاومة أن تبتكر وسائلها وأن تعتمد في عملها على أحدث الوسائل العلمية المناسبة لأهدافها. لذلك، فقد تطور عملها في السنوات الأخيرة، ليكون مخططاً ودقيقاً في أدائه، وموجعاً عند تنفيذه، وهو ما يظهر جلياً في تراجع خسائر المقاومة البشرية عند إتيانها لعملها المقاوم، كما يظهر على المقلب الآخر في ارتفاع مؤشرات الخسائر عند العدو من جرّاء أعمال المقاومة، على المستويين البشري والمادي، إضافة إلى آثار ذلك على أفق المعركة واتجاهها الاستراتيجي.

"لا كاسا دي بابل": ترويج السرقة

كان لافتاً في الأيام الأخيرة التي سبقت تحرير الأبطال الستة لأنفسهم من سجن جلبوع، انتشار حملة مقاطعة عربية كبيرة لمسلسل "لا كاسا دي بابل" الشهير، الذي يعرض على شبكة "نيتفلكس"، بسبب زيارة نجوم المسلسل كيان الاحتلال وإجرائهم مقابلةً متلفزة مع القناة الإسرائيلية الثانية عشرة، وامتداحهم مسلسل "فوضى" الذي يعرض على الشبكة نفسها ويروّج للرواية الأمنية الإسرائيلية عن الصراع مع المقاومة الفلسطينية ومع الشعب الفلسطيني، ويبرر ممارسات الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني، ويضعها في خانة العمل البطولي من أجهزة الأمن الإسرائيلية في مقابل "خارجين عن القانون"، مؤيداً الصورة المقلوبة عن حقيقة الأحداث التي تجري في الأراضي المحتلة، حيث يحتل الإسرائيليون أرض فلسطين ويعتقلون شعبها جماعياً، ثم ينفذون أسوأ أنواع الفصل العنصري والتمييز على أساس العرق والدين فيها، ويمارسون أبشع أنواع الجرائم المنظمة التي ثبتت هوية الكيان كـ"دولة" جريمة منظمة معادية للإنسانية وللمواثيق الدولية بصورةٍ لا تقبل الشك، حتى لم يعد الإعلام المؤيد للكيان قادراً على حجب تلك الصورة عن شعوب العالم، بمن فيهم شعوب أبرز الدول الداعمة للكيان.

وعلى الرغم من أن المسلسل الإسباني الشهير يحصد منذ انطلاقته عام 2017 نسب مشاهدةٍ مرتفعة، وقد حقق نجاحاً كبيراً على شبكة "نتفليكس" ليكون أشهر مسلسلاتها غير الناطقة بالإنجليزية، وحصده أرباحاً هائلة ارتفعت بسببها عائدات الشبكة 43%، وكذلك زيادة في عدد المشتركين قدّرت بـ7 ملايين مشترك، إلا أن موجة الغضب التي أثارتها مقابلة نجومه مع القناة الإسرائيلية تبدو مضرة جداً بانتشار المسلسل وبنجومه، حيث تمثّل الجماهير الغاضبة من خطوة نجومه جزءاً كبيراً وأعداداً تقدّر بمئات الملايين من المشاهدين الذين ستخسر الشركة المنتجة للمسلسل ونجومه لدعمهم وإعجابهم منذ الآن، وامتداداً إلى أعمالهم المستقبلية، خصوصاً مع التطور المستمر لإدارة معركة الوعي لدى القوى المقاومة والقوى الداعمة لها والشعوب المؤيدة لنهجها في الآونة الأخيرة، وملاحقتها لكل من يؤيد الاحتلال والتخطيط الممنهج للرد على دعم هؤلاء لعدوّهم وممارساته.

ولا يبدو أن نجوم المسلسل يدركون اليوم حجم خسارتهم من جرّاء خطوتهم هذه. فخلال المقابلة مع القناة الإسرائيلية، أعرب الممثل داركو بيريتش، الذي يلعب دور هلسنكي في المسلسل المذكور، عن امتنانه لزيارة سابقة زار فيها الأراضي المحتلة، قائلاً: "كانت تجربة غير عادية... أعرف أن لدينا الكثير من المعجبين هناك"، متمنياً زيارة الأراضي المحتلة مرة أخرى، فيما أعرب هوفيك كوشكريان، الذي يلعب دور بوغوتا، عن إعجابه بمسلسل "فوضى" الإسرائيلي. 

وفي هذا الموقف قلة دراية من الممثلين المذكورين بالفارق الشاسع بين عدد المعجبين المحدود الذي ربحوه في الكيان، وأعداد المعجبين الهائلة التي خسروها عند مؤيدي القضية الفلسطينية، الأمر الذي يشير إلى ضرورة تحسين الحملات الإعلامية المؤيدة للقضية الفلسطينية عند صنّاع السينما حول العالم، وحملات العلاقات العامة مع منتجي المادة الثقافية عالمياً، وهذا ما يخدم قضية المقاومة بصورةٍ أكثر فاعلية في المستقبل، حتى يتم تظهير مصلحة المؤثرين عالمياً من منتجين وممثلين وصناع ثقافة من تأييدهم للقضية المحقة للشعب الفلسطيني؛ إذ لا يكفي أن تكون القضية محقة بالنسبة إلى شعبها، بل يجب أن يكون تأييدها مربحاً لمن لا ينتمي إليها من شعوب ومؤثرين، استناداً إلى حاجة هؤلاء إلى التناغم مع حقوق واتجاهات الجماهير المؤيدة لفلسطين، واستفادةً من حجمهم وانتشارهم كمستهلكين للمادة الثقافية الأجنبية.

نموذجان متناقضان

ويمكن مقارنة عملية تحرير المقاومين لأنفسهم من سجن "جلبوع" بأشهر المسلسلات التي تحكي قصص كسر السجون والهروب منها، وقد عالجت وسائل الإعلام هذه الناحية منذ شيوع خبر العملية البطولية هذه، عارضةً أبرز تلك الأعمال التي حاكت قصص الهروب من السجون بطرق عبقرية مشوّقة. لكننا هنا في صدد مقارنة أخرى، نركز فيها على النقيض القيمي لهذه العملية، وهو متمثّلٌ بقصة مسلسل "لا كاسا دي بابل" نفسه.

فالمسلسل هذا يحكي قصة عصابة سرقة يؤلفها "البروفسور" المخطط لسرقة بنك إسبانيا المركزي، لسرقة الأموال والذهب. وفي حبكته، يركز المسلسل على عبقرية البروفسور المخطط، وتمكّنه من خداع أجهزة الأمن الإسبانية، وإدارة خطط تسلل وسرقة وهروب تتّسم بالعبقرية وحسن التدبير لتحقيق هدف "السرقة".

في المقابل، صنع المقاومون الفلسطينيون الستة نموذجاً مناقضاً لا ينقص في إثارته وعبقريته وحسن أدائه عن الحبكة المعروضة في المسلسل العالمي الشهير.

النقطة الأولى من نقاط التناقض بين النموذجين تتمثل في كون العملية الفلسطينية حقيقية بكامل تفاصيلها. تحدث في الوقت الحقيقي، وبلاعبين حقيقيين، وضد عدو حقيقي، وفي ظروف يؤدي الإخفاق فيها إلى الموت أو إلى العودة إلى السجن وتشديد العقوبات على المقاومين لكامل الوقت المتبقي من أعمارهم، فيما في قصة المسلسل يؤدي الأدوار ممثلون في مواجهة ممثلين. لا احتمالات للإخفاق، ما دامت القصة وغاية العمل زيادة التشويق وحصد الأرباح والمشاهدات، وأقصى حالات الإخفاق المتوقعة لا تستوجب سوى إعادة المشهد، وبعدها يعود الممثلون إلى حياتهم المرفّهة. 

أما النقطة الأخرى والأكثر أهمية، في فارق القيم بين النموذجين، فالمسلسل الإسباني يطرح قضيةً خاصة لأبطاله، وهي تحقيق عملية سرقة منظمة ناجحة، قيمها مبنية على النجاح الفردي بهدف الثراء في مواجهة الأجهزة الرسمية والقانون وحقوق الدولة الشرعية، بينما في حالة المقاومين المتحررين بأنفسهم فالقضية مختلفة؛ إنها حالة مقاومة شعب في وجه احتلال غير شرعي، وسجّان مستبد يعتقلهم لأنهم يمارسون حقهم في محاولة استعادة أرضهم وحريتهم. 

إنها حرب قيم في الأساس. السرقة في مقابل النضال للحرية. الحقيقة في مقابل السينما. وهكذا، يكون مديح أبطال السرقة الممثلين لرموز السرقة الحقيقيين مفهوماً. هو مديح الممثل السارق للأموال للمحتل السارق للأرض. وهكذا، تكون مقاطعة الجماهير لهذا النموذج، انتصار أبناء القيم الحقيقيين، للمدافعين الحقيقيين عن هذه القيم، ولعبقريتهم في اختراع الحرية، لهم ولشعبهم، ولكل من آمن بالحرية على مستوى العالم، بالأمس واليوم وغداً. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً