"رَجْم ثريا".. صيد في الماء العكر!

الفيلم خرج بكثير من المُغالطات الفكرية والدينية وأتت قصته استجداء زائِف للعواطف وتشويه مقصود للأحكام وإدانة مُبطَّنة للمجتمع الإسلامي وخوض المعارك السياسية ضد طهران من باب السينما. 

  • "رَجْم ثريا".. صيد في الماء العكر!
    لقطة من فيلم "رَجْم ثريا"

إذا تحدّثنا عن السينما الإيرانية فنحن لسنا أمام عدسة رصينة وناقِدة فحسب، بل أمام سينما طموحة تمكَّنت خلال تاريخها من إنتاج أفلامٍ ومسلسلاتٍ لفتت أنظار العالم وحصدت الكثير من الجوائز في مختلف المهرجانات. وعلى رأس هذه الجوائز جائزة الأوسكار عام 2011 عن فيلم "الانفصال" للمخرج الإيراني أصغر فرهادي.

إيران، هذا البلد الذي غدا كابوساً للدول الاستعمارية منذ ثورته الإسلامية التي أطاحت بنظام الشاه في العام 1979 وليس إنتهاء بملفه النووي.

لكننا سنتحدَّث اليوم عن واحدٍ من أفلامٍ كثيرةٍ قد لا تكون نافذة ملائمة لتوثيق معرفتنا بشكل الحياة في إيران، كما أنها لا تمثّل الصورة الوحيدة لشريحةٍ كبيرةٍ مُتعدّدة الأعراق واللغات. 

فالعين السنيمائية في الغرب لا تزال تسعى بجاذبيّتها إلى قراءة مجتمعاتنا الشرقية في بُعدها الإسلامي لكن وفق منظورها الخاص.

The Stoning of Soraya أو "رَجْم ثريا" (2008) فيلم أميركي ناطق بالفارسية والإنكليزية، يصوِّر أحداث قيل إنها جرت مع ثريا منوشهري في إحدى قرى الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1986.

الفيلم المبني على رواية تحمل الإسم نفسه للكاتب الفرنسي من أصل إيراني فريدون صاحب جم، تداولته السينما الغربية منذ العام 2008، ثم بدأت في تداوله منصّات التواصُل.

ويتحدث الفيلم عن قصة إصرار "ثريا" على حقوقها كزوجةٍ وأمٍّ أمام تعنّت زوجها علي وتآمُر المُتحكّمين بشؤون القرية، وخلال الفيلم تجري الكثير من الأحداث لتنتهي بجريمة باسم الدين.

في سياق الفيلم تروي لنا "زهرة" قصّة إبنة أختها ثريا وذلك في اليوم التالي من حدثٍ لا نعرف تفاصيله، حيث يبدأ الفيلم بوصول صحافي إلى القرية وتعطّل سيارته هناك، وفي حين يحاول كبار رجال القرية ويتقدّمهم المُلا حسن استضافة الصحافي تستطيع زهرة نَيْل هذه الفرصة، ومن هنا نتعرّف إلى ثريا وقصّتها.

ثريا الزوجة والأمّ لولدين وابنتين تضطر إلى تحمّل زوجٍ ظالمٍ يقوم من حينٍ إلى آخر بضربها وتحريض ابنيها ضدها، ولا يكتفي بذلك، بل يضغط على المُلا حسن ليُجبرها على التنازُل عن حقوقها في النفقة بعد الطلاق والتخلّي عن ولديها ليخلو له الجو بالزواج من شابة تصغره بكثير كانت قد أعجبته.

لكن ثريا ترفض الخضوع لطلباته خوفاً على ابنتيها من الفقر والجوع، وعندما تنفد الحِيَل من زوج ثريا يُجبرها على العمل عند رجل أرمل يُدعى هاشم لتجني المال على أمل أن تقبل الطلاق لاحقاً. إلا أن استعجاله للتخلّص منها والزواج بأخرى دفعه بأن يتّهمها بالزنا مع هاشم الذي تعمل عنده.

ولأن للمُلا ماضياً غير مُشرّف يتمكّن الزوج من استغلاله وتهديد هاشم ليشهد زوراً على ثريا، ولأن للمرأة لا حق لها في هذه القرية من وجهة نظر الفيلم يصدر الحُكم برَجْمِها حتى الموت تطبيقاً للشرع. ويُختتم الفيلم باكتشاف الصحافي أن كل ما روته له زهرة صحيح وينشر القصة ليعرفها العالم بأسره.

إذاً فنحن أمام فيلم تناول قضيّة حسَّاسة وحُكماً دينياً معروفاً في كل الشرائع، فدفاعاً عن حقوق المرأة أُدين الإسلام، وانتصاراً للمظلوم وضع صنَّاع الفيلم أحكام الدين في قفص الاتهام.

"رَجْم ثريا" كلمة حق أُريد بها باطل وتجربة ظالمة خاضتها ثريا في اليوم الذي سبق زيارة الصحافي الفرنسي "فريدوني" إلى القرية، حيث التقى بزهرة، تلك المرأة القوية والرافِضة لحُكم وجهاء القرية برَجْم إبنة أختها ثريا.

"زهرة" هي الراوي في القصة، حيث يعود بنا المخرج بطريقة FlashBack لمعرفة ما حدث في القرية يوم أمس. في سياق الفيلم يُستَغل الدين لمصالح الإنسان وفيه صُوِّرَت شخصية المُتحدّث باسم الدين لتقرّر في ما بعد أن موت ثريا هو الحل الذي بدا وحيداً أمام رغبة زوجها وشهواته.

إبراهيم، وهو عُمدة القرية، ممثّلاً للسلطة القضائية والتنفيذية فيها، والمُلا حسن ممثلاً للسلطة الدينية وعلي الزوج الانتهازي، جميعهم يتآمر على قتل ثريا لا لشيء، إلا لأنها تعيش في مجتمعٍ ذكوري حتى النخاع. 

في السينما أيها السادة لك أن توجّه دفّة الحقيقة أينما تريد، ولك أيضاً أن تمسّ أعراف الشعوب، ولك أن تطعن بأحكام الدين وتُعيد النظر بالمبادئ.  هذا ما حوّله صنّاع الفيلم حين أُدينت ثريا بالزنا ظلماً فكان من الطبيعي أن يُدين المُشاهِد حادثة رَجْمها، لكن ماذا لو أكّدت قصة الفيلم ارتكاب ثريا لفاحشة الزنا فعلاً، هل كنا لنتعاطف معها كما تعاطف الكثير منا؟ هذا هو السؤال.

رَجْم ثريا فيلم خلط المبادئ ببعضها ما بين إدانة الظلم الواقع عليها والمؤامرة التي حيكت للتخلّص منها، وبين أحقيّة أحكام الإسلام في التعامّل مع مُرتكبي الفواحِش.

إذاً فهذا الفيلم هو صرخة في وجه الظلم أُريد من ورائها الطعن بأحكام الدين عبر صوَر باكية وكلمات هامِسة نسمعها من ثريا، فلا يبقى أمامنا إلا أن نغضب من واقعٍ ظالمٍ ومجتمعٍ أظلم.

حتى هُتافات التكبير من الراجمين في تمثيل مشهد الرَجْم تمّ توظيفها في هذا الفيلم خدمة للظلام ودليل إدانة لانسياق الرعية خلف رجل الدين، بما يُلقيه من ظلال الجهل والتخلّف على سكان القرية وكأنها خلت من عاقلٍ أو حكيم!

مشهد الرَجْم كان الأطول في هذا الفيلم حيث كرَّس له المخرج كل طاقات وإمكانيات التأثير لاستجلاب عاطفة المشاهد واستثارة غضبه على مَن دبَّر المكيدة وعلى مَن حكم بموت ثريا بهذه الصورة.

لكن عند مشاهدة الفيلم ستقف على مُغالطات دينية وقع فيها كاتب القصة حصرت الإسلام ضمن المجتمع الذكوري واكتفت بنوم ثريا على غير فراشها كدليل دامغ للزنا، كما طالبت المرأة بدليل براءتها من التهمة وطالبتها أيضاً بتقديم الدليل حال اتهامها لأي شخص، فعن أي دين تُرى يتكلّم الفيلم؟

إذاً هو مجتمع لا يرحم المرأة ولا يعرف لها حقاً ولا باطلاً، هي مُدانة دائماً ما لم تثبت براءتها وهي في هذا الفيلم مُدانة لأنها أنثى، مُدانة لأنها مصدر الفتنة، مُدانة لأنها طلبت حقها من مجتمع لا يعترف لها بحق.

زوايا التصوير التي استخدمها المخرج في المشهد الأخير رصدت عُمق الإحساس بالألم والمُعاناة في وجه ثريا وملامحها البريئة، لقطات خالية من أي حوار امتلأت بإحساس الظلم والمهانة على يدي أقرب الناس.

لا نستغرب أيها السادة بعد كل ما رأيناه في هذا الفيلم إذا عرفنا أن مُنتجه هو  Stephen McEveetyوهو مُنتج فيلم آلام المسيح أيضاً الذي تناول الساعات الأخيرة في حياة سيّدنا المسيح عليه السلام قبل أن يتمّ صلبه. كما أدّى الممثل جيم كافيزل دور المسيح في ذلك الفيلم وهو الممثل نفسه الذي لعب دور الصحافى في فيلم ثريا. نقاط عدّة وعلامات استفهام كثيرة أثارت جدلاً واسعاً وقت العرض الأول لهذا الفيلم.

فهذا الفيلم خرج بكثير من المُغالطات الفكرية والدينية التي حالت بينه وبين الموضوعية، حتى أتت القصة عن كونها انتصاراً لحقوق الإنسان وحقوق المرأة، (وهي السردية التي يتمسك بها الغرب في حربه ضد إيران والافتراء عليها)، حيث لا هدف إلا استجداء زائِف للعواطف وتشويه مقصود للأحكام وإدانة مُبطَّنة للمجتمع الإسلامي، وخوض المعارك السياسية ضد طهران من باب السينما. 

لم أكن لأتحدَّث عن قصة هذا الفيلم وقد مرّ على وقت إصداره الكثير، لكن التسويق له مرات عدّة وآخرها في "يوم المرأة العالمي" في بعض البلدان على قاعدة فاسدة، وهي دسّ السمّ في العسل.

صحيح أننا لا نعيش في المدينة الفاضلة ولا وسط مجتمع ملائكي لكننا نتفّهم جيداً كيف كرَّمت كل الأديان المرأة، وكيف جاء الإسلام ليحفظ لها حقوقها ويضمن حريتها بعيداً من المُتلاعبين بالدين والمُتشبّثين بأنصاف الحقائق، ومَن يوظّفون الخلافات السياسية بين الحكومات لصناعة نصرٍ زائف.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
أيمن الكفراوي

كاتب صحافي مصري