يتامى وطن

"يعزّ عليَّ أن أرى دمعك يا أمّي". قلت بصوتٍ ضعيفٍ. "هل ستعود"؟ سألتني وهي تُكفكِف دموعها. اجتاحني شعور أني لن أعود سوى بتابوتٍ مثلي كمثل كثيرين سبقوني، لكني أجبت: "حتماً".

  • يتامى وطن
    يتامى وطن

أليس الوطن أمّاً؟ حكاية يُتمي إذاً بدأت عندما رحت أبحث عن أمٍّ تتبنّاني على أبواب السفارات، غير آبهٍ بمذلّة الانتظار، فلم أجد. جلّ ما عذّبني في يُتمي أنه لم يعد هناك شاهد على الجريمة التي راحت أمّنا ضحيّتها، بعدما استبدل أبناء الوطن أحلامهم الموؤودة بحلمٍ واحدٍ هو الهروب. تُراودني أسئلة: لمَن سنترك لبنان؟ مَن سيثأر لأمّنا؟ إلى متى سنبقى يتامى وطن؟

على مدار سنوات، كان لبنان غارِقاً في مشاكله فيما كنت أنا غارق في خيباتي. أختبر عبثيّة أن أدرس الهندسة المعمارية في بلدٍ يهدم ولا يعمّر. غدوت عاطلاً من العمل سنة كاملة بعد التخرّج، وعاطلاً عن الأمل منذ أن طردت من عملي كنادلٍ حتى اليوم. لقد أقنعت نفسي أن أعمل نادلاً لفترةٍ قصيرةٍ ريثما أجد عملاً يحترم شهادتي. لكن الفترة التي ظننتها قصيرة طالت لسنواتٍ ثلاث. وما انتهت لأنني سأصير مهندساً، بل لأن لبنان كان يحتضر، وستغلق مؤسّساته حتى ينتهي حَصْر الإرث، فيوزّع ما تبقّى من لبنان على ورثة مُتّهمين بالدرجة الأولى بجريمة اغتصابه!

في يومٍ عنيفٍ في مُفاجآته، انقلبت حياتي رأساً على عقب. أخيراً جاءت الموافقة على شتاتي. جاءت في وقتٍ بلغت فيه قساوة يُتمي ذروتها. حينها، كانت جراحات لبنان العميقة تدفعني إلى المطار، تحضّر حقائبي، وتحجز لي تذكرة المُغادرة. 

كانت كندا وجهتي. تلك المرأة العاقِر التي تبحث عن أبناء لسدّ نقص الأمومة فيها. أما أنا فوجدت في كندا صفات الأمّ التي أبحث عنها. أمّ تمدّني بالحب والأمان الذي ينقصني. فلبنان لم يحبّني أبداً، رغم أنني لم أكن ولداً عاقاً. ومع ذلك أنا ما كرهت لبنان يوماً، وما حقدت عليه، لكنني قرَّرت الرحيل لأحفظ كبريائي أمام حبٍ من طرفٍ واحد. 

عشت أيامي الأخيرة في لبنان أرسم. مرة أرسم - بريشة الخيال- بدايات لحياة لطالما انتظرتها. ومرة أرسم - بريشة الوداع- نهايات لحياة لطالما آلمتني. كان في وداعي للأصدقاء مفخرة لي، وأنا أعلن لهم عن نصري في الخروج حيّاً من لبنان، فيما هم عالقون تحت رحمة عدو يُنكِّل بهم، ويعبث بأحلامهم. في الواقع، لم يعد العدو يأتينا من البوارج لابساً بدلات عسكرية فحسب، لكنه يولَد بيننا ويتخفَّى وراء بدلات رسمية وربطات عُنق. وحدهما كان وداعهما قاسياً؛ امرأة أهدتني الحياة وامرأة هي كل حياتي.

تجنّبت وداع أمّي، وهي تجنّبت وداعي حتى لا تكون شريكاً في يُتمي. لكن، مهما هربنا سيتسلّل الوداع إلينا في لحظاتٍ خاطفة. عندها سيتفنَّن في تعذيبنا. كان ذلك عندما كنت أوضّب أغراضي. حينها وقفت أمّي عند الباب وقفة عِتاب، وسُرعان ما سقطت تلك اللآلئ من عينيها. ركضت إليها وغمرتها بقوّة، ثم بكينا معاً. 

"يعزّ عليَّ أن أرى دمعك يا أمّي". قلت بصوتٍ ضعيفٍ. "هل ستعود"؟ سألتني وهي تُكفكِف دموعها. اجتاحني شعور أني لن أعود سوى بتابوتٍ مثلي كمثل كثيرين سبقوني، لكني أجبت: "حتماً".

ضربت موعداً مع الحب. لقاؤنا الأخير تخلّله قليل من التوصيات من حبيبتي، وكثير من الهوى. أحببتها في ذلك الوقت كما لو لم أحبها من قبل. "ستتأخّر على الطائرة". قالت ضاحِكة. "لا بأس في ذلك، سأقول للطيّار أن ينتظر، فهناك عاشقان يتودّعان". أجبت. كان يصعب عليّ فكّ الاشتباك مع عينيها والمُغادرة، ففعلت هي. نهضت بسرعة. "سأنتظرك"؛ آخر ما قالت. ورحلت، قبل أن يسقط قناع القوّة الذي كان فضفاضاً عليها. 

توجّهتُ إلى المطار تُرافقني وحدتي وحقيبة اخترتها صغيرة لأرحل إلى مكان منزوع الذكريات. أصرّيت أن أنتظر طائرتي وحدي هرباً من حسد الرفاق، من دموع الفِراق، من نظرات أمّي وحسرة أبي، من أيّ شيء سيُفسد سعادتي في الخروج واقفاً من لبنان. حلَّقت الطائرة. وبينما أنا محمول على أكتاف السحاب إلى المكان الذي حلمت به عُمراً، لم أفهم لِمَا كنت بارداً وحزيناً إلى   ذلك الحد.

كان لي في كندا أقارب ومعارِف تجمعنا صلة الدم اللبناني الواحد ينتظروني في المطار. ولقد خفَّف عني وجودهم فوضى الحياة الجديدة ومتاهة البدايات، كما خفّفت عني زياراتهم المُتكرّرة لبيتي المتواضع وحشة وحدتي، لكنها لم تخفّف هَوْل غُربتي. 

من دون عناء ومذلّة البحث عن وظيفة، كان هناك عمل ينتظرني في شركة مقاولات مرموقة. وكان لي مكتب واسع بمساحته، لكنه لم يتّسع لحماس شاب طموح يوظّف، للمرة الأولى، مهاراته ومواهبه في عملٍ يحلم به لسنوات. سُرعان ما تعرّفت على سعيد؛ زميل عراقي يعمل في الشركة نفسها. وعلى الرغم من أنه كان كثير الكلام، إلا أنني كنت أستمتع برفقته، كدليلٍ سياحي يُعرِّفني على كندا في نهاية كل أسبوع.

كل المدن التي زرتها في كندا كانت صاخِبة، تدعوني للحياة. لكن شعور أنني لا أنتمي إلى هذا المكان لم يُفارقني. ففي كل مرة كنت أمشي فيها بصحبة سعيد، كنت أشعر بغُربتي وأنا أرى الناس يقتربون مني خيالاً، ويهمسون في أذني وَهْماً: "كندا لم تحبل بك كما حبلت بنا". ارتأيت بعدها أن أخلق الأعذار لسعيد، وألا أغادر منزلي إلا للعمل ولشراء حاجاتي. 

لكن، إذا كان العزل سيُنسيني أني غريب، كيف سأهرب من الشوق والحنين لأحباب خلّفتهم ورائي؟ حاولت أن أقنع نفسي بأن الوقت سيُساعدني في ذلك. لكن كل المحاولات باءت بالفشل باتصالٍ واحدٍ من أمّي. كان الحزن في صوتها يُعذّبني، وتدهور حالها الصحية منذ أن هجرتها يزيد من عذابي. شوقي لأمّي وأبي والأقارب والرفاق، ولحبيبتي كان مُتوقّعاً. لكن ما فاجأني هو شوقي العارِم للبنان وأنا في حضن أمّ ثانية.

فعلاً كانت كندا كما اشتهيتها؛ أمّاً صالحة. أحبّتني من دون مقابل. احتضنتني، وفتحت لي مظلّة الأمان لأسكن تحت جناحيها من دون أن أهاب شيئاً. احترمتني. أمّنت لي مسكناً لطيفاً وعملاً مرموقاً. وأكرمتني براتبٍ لم أكن أحلم به. كل هذا كان كفيلاً بأن يُنسيني أنني جئت من رحم لبنان وكبرت في أحشائه.

لكنني أخطأت عندما اعتقدت أنني عندما أدخل مدناً جديدة سأترك ذاكرتي في المطار. فما دخلت مدينة إلا ودخلتني بيروت. وما عبرت شارعاً إلا وعبرتني شوارع بيروت. لقد أخذت مني الغُربة ما جئت لآخذه منها. كلما احتضنتني كندا ازداد الصقيع في داخلي، لأنها في سخائها، كانت تُعيدني إلى حرماني الأول. 

أدركت أخيراً أنّ لبنان لم يمت رغم محاولاتهم الكثيرة لإقناعنا بذلك. كنت أشعر بنبضاته وأنا في قلب كندا. كما أدركت أنني بالهرب لن أشفى من حبٍ أتعثّر به أينما كنت، من وطنٍ يُطاردني أينما حللت. ولأن السعادة لم تكن في كندا، كان عليَّ أن أعود. 

أذكر عندما صرت وجهاً لوجه مع الوطن خاطبته: "ها أنا ذا هنا من جديد يا لبنان. سأعلّمك كيف تُحبّني مهما علّموك أن تقسو عليَّ. وحتى ذلك الوقت، تظاهر الاكتراث بي، احضني كذباً. اقبلني شاهداً على ما صنعوه بك، ثائراً لك، عاشقاً لعينيك. فأنا ما عدت أقوى أن أكون يتيم وطن".

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
زينب حمود

كاتبة من لبنان