صورة تحت جدار هاو

اقترب يقلّب الجثة كي يرى وجه الضحية، فإذا هو نسخة عن وجهه الذي يحمل بين كتفيه وفي مقدّمة رأسه. 

  • صورة تحت جدار هاو (Jan van Eyck)
    صورة تحت جدار هاو (Jan van Eyck)

مضى يحمل إبريقه اللدائني الممتلىء من ماء النهر الصغير الجاري. صعد إلى كتف النهير وانحنى يريد الوضوء تعثّر قليلاً، غير أنه سريعاً ما استوى قائماً فاغتسل وتوضّأ ثم استقام بجسده الطويل وأعاد ملء الإبريق، ليسرع إلى مأمنه حتى يؤدّي فرض صلاة الفجر.

حمل الكاميرا على كتفه وخرج يجوس بين كتل البناء المنهارة محاولاً أن "يزمكن" الدمار بالكاميرا، صوّر ما تهالك من كتل الإسمنت وغيره والأثاث المحطّم وما برز من خلل السقوف من قضبان الحديد التي انكشفت كضلوع الهياكل العظمية. كان يلبس كامل القيافة من "بسطاله" المصنوع بمواصفات خاصة إلى الخوذة التي يلتحق بها أحدث ما اكتشفت الحضارة من وسائل التلصّص وطرق الحماية الشخصية في آنٍ واحد.

أدّى فرضه بعد أن وصل إلى البيت الذي أخلته العائلة إلا منه حيث أبى أن يذهب مع عائلته وبقي ليحمي دارهم التي أنشأها جدّه بالعرق والكفاح في سبيل الرزق. جدّهم الذي اضطرّته ظروف الحياة القاسية أن يضحّي بإبنه الأكبر.إذ أخرجه من المدرسة ليبني معه دور الآخرين وضحّى بإبنه الثاني الذي سافر وراء دراسته ورزقه فلم يسمع عنه شيئاً بعد ذلك، ولا يُدرى أحيّ هو أم ميت، تاركاً وراءه إمرأة وإبناً في الثانية من عمره. نشأ الفتى في حضن الجدّ الدافىء الذي كان يرى فيه صورة إبنه الغائب فيهدأ ويحتسب ويصبر.

انسلّ إلى البيت الذي هُدم لاحقاً ككل بيوت الحيّ والذي انقطع الماء عنه، وكذلك القوّة الكهربائية ومع ذلك لم يرض بما اقتُرح عليه من الرحيل وراء الآخرين.

صنع فطوره وتناوله منفرداً بلا شهيّة ثم ولأن لا عمل عاجل ومُلحّ ليقوم به عاود النوم في فراشٍ سليم بقي من أثاث أسرته النازحة. 

جاس خلال الدار المتهالكة ولكنه لاحظ أن فيها حياة فقد دلّته على ذلك بقايا طعام وشراب وأبريق مسود - فوق نار مطفأة - لا زال نصف ممتلىء بشاي دافىء أغراه أن يشرب بعضه، لولا قائمة التحذيرات التي يحفظها ظهر غيب. 

استتر مع كاميرته ثم زحف منحنياً إلى غرفة متهالكة أخرى جاس فيها متجاوزاً أكوام الأثاث المتراكم والزجاج المنثور بلا مبالاة ذلك لأنه يلبس "جزمة" قوية وقعت إحدى رجليه على شيء فتحطّم تحتها فوراً. ألقى نظرة حذرة عابرة إلى الصورة التي هوت من الجدار في زمن سابق. استرعى الوجه الذي أخذ ينظر إليه بعينين يعرفهما جيداً. انحنى ليرفع الصورة المحطّمة بيديه الإثنتين ليتحقّق مما رأى. نعم إنه أبي. أبي في شبابه بعينيه الرائعتين الحنونتين وشعره الذي ينتصب مرفوعاً فوق جبين عريض يصلح شاشة عرض.

إنه أبي بشحمه ولحمه مؤطّراً في صورة هوت مع هذا الجدار. تذكّر أن أباه من هذي الديار التي ظلّ يحنّ لها ويذكرها حتى مع أنفاسه الأخيرة. أعاد الصورة إلى مكانها في الإطار المحطّم ثم صوّر ذلك متناسياً أن مَن فيها هو أبوه. كان يحمل - إضافة إلى الكاميرا - في جيبه الخلفي مسدّساً تحسّباً للطوارىء.

وقف بحذر إذ سمع نأمة صدرت من الغرفة المجاورة وعبرت بذهنه مثلما البرق آلاف الإحتمالات منها أشباح الثوّار المتخندقين في بيوت مهجورة أو في سواقٍ منسيّة في مزارع غادرها أهلوها وغادوا ما فيها من رزق كانوا ينتظرون حصاده.

منحنياً، مشى بحذر الأفعى وتوثّبها ومدّ عيناً مفردة إلى حيث يغفو حارس البيت الذي لم يحرس إلا الهباء، ولم يحافظ إلا على الدمار المتسلّل إليه مع أقدام الزاحفين مع المنايا موزّعة بين جانبي الرحى التي تطحن الأجساد والأرواح من كلا ضفّتي الصراع. 

مد عيناً واحدة ليرى تقلّب النائم في فراشه وإذ مدَّ النائم على وجهه يداً تحت الوسادة كما اعتاد، ظنّ الرجل صاحب الكاميرا دقيق الملاحظة أن النائم يستلّ سلاحاً ما من تحت الوسادة، فسارع مبادراً بطلقة اخترقت صدر النائم وأودت به إلى وادي الموت في ثوان، وإذ لاحظ ملابس النائم المدنية وتناقض هذه الملابس مع قيافة الجندي أو المقاتل، اقترب ليرى الجثة التي تبرّعت بدمها إلى الحشية التي تحتها وأهدت بعضه إلى الوسادة. اقترب يقلّب الجثة كي يرى وجه الضحية، فإذا هو نسخة عن وجهه الذي يحمل بين كتفيه وفي مقدّمة رأسه. 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
سمية العبيدي

كاتبة وشاعرة من العراق