جهاد أبو ريا

محام ومدير جمعية فلسطينيات الناشطة في شؤون التهجير والعودة والبلدات الفلسطينية المهجرة والتصدي لمحاولات التهجير المستمرة في فلسطين.

مهزلة تغطية جرائم "هربيا" بحفظ اسم مبنى

لم يبق من "هربيا" سوى مبنى ومدرسة، وقد أقيمت مكان القرية مستوطنة زيكيم بعد تهجير ابناء "هربيا"، وضمنها مبنيين، ويدعي الاسرائيليون رفعة أخلاق بالحفاظ على اسم أحدهما لأصحابه من آل العلمي، يغطون بورقة التين تلك المجازر التي ارتكبوها في البلدة.

  • مبنى بيت العلمي قبل الترميم

نشر موقع "هآرتس" الاسرائيلي قبل عدة أيام تقريرا مفصلا، تحت عنوان: "في زيكيم قرروا عدم طمس الماضي العربي للكيبوتس"، تطرق فيه كاتب التقرير، الصحفي موشيه جلعاد، إلى قرار كيبوتس زيكيم إطلاق اسم "بيت العلمي" على مبنى داخل الكيبوتس، وذلك بعد ترميمه بعد أن كان مهددا بخطر الانهيار.

يقع المبنى على أراضي قرية هربيا المهجرة، وتعود ملكيته الى عائلة حافظ العلمي المقدسية، وقد تم بناؤه قبل نحو مئة عام.

 

  • صورة من الأرشيف العبري حول عمليات الجيش الصهيوني ملاحقة الفلسطينيين الذين حاولوا العودة إلى هربيا والجوار

يذرف كاتب التقرير دموع التماسيح على الموقف الاسرائيلي من المبنى، ويشيد بقرار كيبوتس زيكيم الذي يصفه ب "الجريء والحضاري والأخلاقي" لإطلاق هذا الاسم على المبنى، ويركز على أن ذلك يحصل، بحسب التقرير، "في الوقت الذي لم تتوقف الهجمات التي يتعرض اليها الكيبوتس من الفلسطينيين القاطنين في قطاع غزة المجاور، والتي أجبرت سكان الكيبوتس على بناء الملاجئ، والجدران الاسمنتية لحمايتهم، وحماية أطفالهم من صواريخ، وقنابل الفلسطينيين"، ويضيف أنه كان بإمكان سكان الكيبوتس تسميته إسما آخر مثل اسم "بيت الاوائل" أو "بيت الأبناء" مثلما تم الأمر في المستعمرات الأخرى، لكنهم فضلوا عدم الهروب من تاريخ المكان.

هكذا يحاول الاسرائيليون تغطية ارتكاباتهم الكبيرة بحق الفلسطينيين، والمجازر التي نفذوها بهم، فهجروهم من بيوتهم، وأراضيهم، يغطونها بممارسات تافهة، سطحية كالحفاظ على اسم الموقع، ليس أكثر.

ويزعم التقرير أن هذه الخطوة "تشكل بارقة أمل لمستقبل أفضل بين الشعبين بالرغم من أعمال العنف، والاعتداءات التي تنطلق من غزة، وتهدد سكان الكيبوتس"، ويضيف أن سكان الكيبوتس يرون أن التسمية لن تغير من "حقيقة" أن المبنى هو لهم، وسيبقى لهم. كما أن المقال يساوي بين اللاجئين في غزة الذين يقطنون المخيمات وبين "اللاجئين" الأوروبيين الذين احتلوا بيوت، وأراضي، وأملاك اللاجئيين الفلسطينيين.

وقد حظي المقال باهتمام واسع، طال بعض الفلسطينيين الذين أثنوا على قرار كيبوتس زيكيم. ولكثرة المغالطات في التقرير، وتزوير الحقائق، لا بد من وضع الأمور في نصابها الأخلاقي والتاريخي.

 

  • بيت العلمي بعد الترميم

تقع قرية هربيا على بعد 4 كيلومترات من البحر، وعلى بعد نحو 5 كيلومترات من قطاع غزة، وليس بعيدا عنها يمر وادي الحسي، وتحيطها من الشمال أراضي قرى الخصاص، وجورة بربرة، ومن الشرق بيت جرجا، ودير سنيد، ومن الجنوب اراضي بيت لاهيا. وقد بلغ عدد سكان القرية عام 1948 حوالي 2500 نسمة، كانوا يسكنون في نحو 300 بيت، وقد امتلك سكان القرية حوالي 23 الف دونم من الاراضي، واشتهرت القرية بكروم العنب والحمضيات، وكان فيها اكثر من 150 بيارة.

احتل الصهاينة قرية هربيا بتاريخ 5\11\1948، وهجروا، وطردوا أهلها، وقاموا بهدم بيوتها ومعالمها، وبقي منها مبنيان، مبنى المدرسة الذي كان يقع داخل القرية، ومبنى عائلة العلمي الواقع على أراضي القرية، على بعد كيلومتر ونيف الى الغرب منها.

هجر وشرد أهالي هربيا الى قطاع غزة، وأقام معظمهم في مخيم الشاطئ، بعيدا عن بيوتهم، وأملاكهم، وذكرياتهم التي حرموا منها، وقام الجنود الاسرائيليون بقتل، وإعدام كل من حاول العودة الى القرية، كانت "جريمتهم التسلل" الى بيوتهم وحقولهم "وسرقة محاصيلهم وأملاكهم" انفسهم!

في عام 1950، وبعد هدم بيوت قرية هربيا، أقام الصهاينة مستعمرة جديدة على أنقاض القرية المهجرة، وأسكنوا فيها القادمين الجدد من فرنسا وتونس، أطلقوا عليها اسم "كيبوتس كرميا"، وقد تم بناؤها من حول مدرسة القرية، بحيث كانت المدرسة في مركز "كيبوتس كرميا" الذي سيطر على جزء كبير من أراضي القرية.

 

  • مبنى مدرسة هربيا المتبقي مع منزل العلمي

أطلق الإسرائليون اسم "كرميا" على المستعمرة الجديدة تيمنا بكروم العنب الوفيرة التي اشتهرت بها قرية هربيا، مع تحريف للاسم بحيث يشبه اسم القرية الاصلي، قرية هربيا.

كذلك اقام الاسرائليون عام 1949 مستعمرة أخرى على اراضي القرية، على بعد نحو كيلومتر الى الغرب من مركز القرية، بالقرب من بيت عائلة العلمي، وأطلقوا عليها اسم " كيبوتس زيكيم"، وقد أقام هذه المستعمرة القادمون الجدد من رومانيا، واطلقوا عليها اسم زيكيم، والتي تعني الشرارة، نسبة الى اسم صحيفة الحزب الشيوعي السوفيتي "برافدا”.

وعلى أراضي القرية القريبة من شاطئ البحر أقام الاسرائليون معسكر زيكيم، أما باقي أراضي هربيا، فقد نهبها وسلبها كيبوتس "يد مردخاي" المجاور، الذي يقع الى الشرق من القرية.

مع إقامته استعمل كيبوتس كرميا مبنى المدرسة لاستقبال القادمين الجدد، وبعد ذلك قام باستعماله لاهداف مختلفة، واستمر ذلك حتى عام 2002، حينها قام بترميم المبنى، واطلق عليه اسم " بيت هبانيم"، أي مبنى الأبناء وذلك نسبة إلى ستة من أبناء الكيبوتس الذي سقطوا في الحروب التي شنتها القوات الصهيونية على الفلسطينيين. لم يذكر كيبوتس كرميا أن هذا المبنى هو المدرسة التي تعلم بها، وتخرج منها، أولاد قرية هربيا قبل طردهم وتهجيرهم منها.

 

  • ما تبقى من هربيا بعد التهجير

والأمر في كيبوتس زيكيم لم يختلف كثيرا عما حدث في كيبوتس كرميا، فهناك أيضا استعملوا بيت عائلة العلمي، وأطلقوا عليه اسم " بيت العربي". في البداية تم استعماله للسكن، وبعد ذلك غرفة طعام للكيبوتس، بيت لأطفال الكيبوتس، ومخزن وغير ذلك. وفي سنوات التسعينات تم إهمال المبنى إلى ان تم اتخاذ قرار بترميمه، واطلاق اسم بيت العلمي عليه نسبة إلى عائلة صاحب البيت.

ويرى التقرير أن هذه الخطوة التي قام بها كيبوتس زيكيم باطلاق اسم العلمي على المبنى، بخلاف ما جرى في كيبوتس كرميا، تستحق التقدير والاحترام وتبعث الامل لمستقبل افضل، متناسيا الجرائم الفظيعة التي تم ارتكابها في هربيا، ولا زالت ترتكب، والتي لا يمكن التكفير عنها من خلال هذه المسرحية الهزيلة.

في هربيا ارتكب الاسرائيليون، ومن ضمنهم كيبوتس "زيكيم" و"كرميا" و"يد مردخاي"، ولا زالوا يرتكبون، جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، لم يحاكموا عليهاحتى اليوم، وهم يستحقون على ذلك ملاحقتهم، وتقديمهم للعدالة الدولية، وليس تقديرهم واحترامهم.

 

  • زخارف بيت العلمي إشارة إلى رقي البلدة

قام الاسرائليون بطرد، وتهجير، وتشريد سكان قرية هربيا، ولكي يمنعوهم من العودة الى املاكهم، قاموا بإطلاق النار، وإعدام كل من حاول العودة إلى قريته، فاستشهد العشرات من سكان هربيا، وللتأكيد على عدم عودتهم هدم الاسرائيليون بيوت، ومعالم القرية، وأقاموا كيبوتس كرميا على انقاض القرية، وكيبوتس زيكيم على اراضي القرية، وهم بذلك يعتبرون شركاء فعليين في الجرائم التي لا زالت ترتكب بحق اهالي هربيا.

وقد كان سكان قرية هربيا يمتلكون نحو 23 الف دونم من الاراضي، تم نهبها، وسلبها جميعها، وتوزيعها على الكيبوتسات، واطلق الاسرائيليون على سكان هربيا الذين حاولوا العودة لقب "متسللين يستحقون، القتل والاعدام" بنظر الاسرائليين، ومن حاول الوصول الى حقله سمي بالسارق.

لا يمكن التكفير عن جرائم الحرب، والجرائم ضد الانسانية الفظيعة التي ارتكبها الاسرائيليون، ومن ضمنهم كيبوتس زيكيم وكرميا، ضد سكان قرية هربيا، بخطوة هزيلة التي قام بها كيبوتس زيكيم، وانما بإعادة الحقوق الى اصحابها، وعودة سكان هربيا إلى قريتهم، وتعويضهم عن الاضرار التي لحقت بهم.