عام الاستحقاقات الصينية.. هل تبقى اليد الروسية ممدودة؟

عام 2017 سيكون هاماً جداً بالنسبة إلى الصين. عام من الاستحقاقات والتوترات السياسية المرتفعة. من أبرز التحديات العلاقة مع أميركا، وموازين القوى الداخلية إثر انتخابات الحزب الشيوعي الصيني، وإصلاح الاقتصاد. هناك فرص لوجود شراكة في العلاقة الصينية- الروسية. لكن يوجد حدود لتلك العلاقة. إذا حاولنا التنبؤ باتجاهاتها عام 2017 يتعيّن علينا أن نحوّل أنظارنا إلى العلاقات الأميركية الروسية المرتقبة.أبرز التحديات والفرص الصينية في العام الجديد.. رؤية مستندة إلى مقابلة مع بول هاينلي مدير مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية في بيجينغ ضمن ملف "2017.. عالم يتحوّل ".

ما يهم على الصعيد الدولي هو كيف ستتعامل الصين مع موقع أميركا اليوم.
سيكون عام 2017 هاماً جداً بالنسبة إلى الصين. عام من الاستحقاقات والتوترات السياسية المرتفعة. أحد أبرز التحديات العلاقة الثنائية مع الولايات المتحدة، وهي من أهم العلاقات بالنسبة إلى بكين.

بالتوازي سيشهد شتاء 2017 بداية انتخاب نواب المؤتمر الوطني الـ19 للحزب. عملية تنتهي في حزيران يونيو من العام نفسه.

كيف سيكون أداء القيادة الجديدة في الصين؟ وماذا سيحدث في المؤتمر الوطني؟ الأجوبة على هذه الأسئلة سوف تحدد جانباً هاماً من ملامح المستقبل.

ما يهم على الصعيد الدولي هو كيف ستتعامل الصين مع موقع أميركا اليوم. لقد أنشأت الولايات المتحدة علاقات دبلوماسية مع الصين عام 1979. لكن الصين تختلف اليوم عما كانت عليه منذ نحو أربعة عقود.

شهد هذا البلد نمواً اقتصادياً ملحوظاً. تمكن ملايين المواطنين من تخطي الفقر وتحسين أوضاعهم المعيشية.

اليوم تشكل الصين ثاني أكبر إقتصاد عالمي بعد أميركا. النمو الاقتصادي وضعها في موقع جيواقتصادي مختلف. الهيمنة الجيواقتصادية تعبّر بالضرورة عن قوة جيوسياسية. بالنتيجة بات لدى الصين تأثير أكبر في العالم.

كانت العلاقة مع واشنطن في السابق تتمحور حول قضايا ثنائية. الآن بات على أميركا أن تعمل مع الصين على معالجة قضايا عالمية نظراً إلى التأثير القوي الذي باتت تمتلكه.

 

التحديات الداخلية

يواجه الحزب الشيوعي الصيني تحديات عدة أبرزها التحول الاقتصادي الكبير (أ ف ب).
تطور الحزب الشيوعي الصيني خلال السنوات الماضية. لم يعد يشبه ما كان عليه خلال مرحلة الثورة الثقافية. الإدارة في الصين استطاعت بدورها أن تتكيف وتتطور. تمكن الرئيس الصيني شين جين بيغ أن يعزز قدراً كبيراً من قوة بلاده. يمكن المجادلة أنه أقوى رئيس صيني منذ ماو تسي تونغ.

هو الآن في موقع قوي جداً، ولديه قبول شعبي. الشعب الصيني يسعى اليوم إلى تحسين اقتصاده وحياته واقتصاد الصين. طالما استمر ذلك سيكون الحزب في وضع جيد.

رغم ذلك، يواجه الحزب تحديات عدة أبرزها التحول الاقتصادي الكبير.

سيحاول الرئيس شي جين بينغ الحصول على حلفاء مخلصين في الداخل من أجل القيادة. ثمة أمور على أجندته تنتظر المعالجة خلال السنوات الخمس المقبلة، إحداها مكافحة الفساد.

عام 2013 قال إن طموح الحزب هو وضع خطة لإعادة هيكلة الاقتصاد. جاء ذلك إثر توليه بعام منصب الأمين العام للجنة المركزية في الحزب الشيوعي الصيني. لم يتحرك الحزب سريعاً بهذه الخطة. من المهم كثيراً للصين أن تنجز هذه الخطة. لا بد لها من ذلك إذا أرادت أن تحوّل اقتصادها من نظام يعتمد على السوق العالمي للتصدير إلى نظام يعتمد على مردود من الاستهلاك المحلي. أبرز التحديات التي تنتظرها هي أن تكون من البلدان مرتفعة الدخل.

إذا استطاع شي جين بينغ، خلال السنوات الخمسة المقبلة أن يمتّن قوته، فإنه يُتوقع بأن يعمل بشكل أسرع على إعادة هيكلة الاقتصاد.

هذا التحول السياسي الداخلي يقابله قدوم رئيس جديد إلى البيت الأبيض. أول بوادر هذا القدوم كان اضطراباً انعكس في تصريحات ترامب تجاه الصين.

وعود ترامب.. فرصة التنين

 ستحاول الصين سد الفراغ الذي ستخلفه إدارة ترامب.
واحدة من أكثر الأسئلة التي تطرح حول الصين "هل إزدياد قوتها في العالم ستجعلها صانعة القرار؟".

هنا يأتي قلق أميركا ودول غربية أخرى. يتزايد هذا القلق إذا ما حاولت الصين ابتكار نظامها الخاص. لقد خطت بكين خطوة بهذا الاتجاه عندما قادت إنشاء البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية. البنك الذي تأسس عام 2015 ينظر إليه باعتباره منافساً للبنك الدولي. تعتبر هذه المؤسسة جزءاً من محاولة الصين للوقوف ضد هيمنة الولايات المتحدة.

غداة الانتخابات الأميركية وقبلها وعد ترامب بالانسحاب من اتفاقيات التجارة العالمية. وعد كذلك بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ وإلغاء الاتفاق النووي مع إيران.

 ستحاول الصين سد الفراغ الذي ستخلفه إدارة ترامب. ستكون فرصة لها كي تنظر إلى العالم من موقع قائد عالمي يتحمل المسؤولية.

إن السؤال حول قدرة الصين على ملء هذا الفراغ أم لا، سيكون موضع جدل غير موضوعي. الصين ستستفيد من ذلك الأمر حتماً. علينا أن نرى ما سيفعله ترامب.

إنه لأمر مؤسف، من زاوية المصلحة الأميركية، أن ينسحب ترامب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ. دول المحيط الهادئ تنتظر لترى ما سيكون عليه الأمر. التجارة في تلك المنطقة مهمة جداً. هناك إمكانية للحصول على قدرة سياسية في تلك المنطقة. لذا ستكون خطوة سلبية تُقدم عليها الولايات المتحدة في حال انسحابها. السؤال ماذا ستفعل إدارة ترامب لإظهار التزامها تجاه المنطقة.

خلال فترة الحملات الانتخابية يقول المرشحون الكثير من الأشياء. يتم تطبيق بعض الأمور والبعض الآخر يبقى طي الأدراج. وعد ترامب بأمور كثيرة. اعتبر أنّ الصين عملت لسنوات على اغتصاب حقوق أميركا التجارية.

قال ترامب خلال حملته إنه يريد إعادة الأميركيين إلى قلب العالم. بدا ذلك جيداً للصينيين. هم يبحثون عن مكان أوسع في المحيط الهادئ ويشعرون أنهم مقيدون من قبل الولايات المتحدة.

على الصعيد الأمني، ستبقى التحالفات مهمة وسيجري العمل على الاتفاقات المشتركة بين البلدين. اتفاقات يوجد خلاف في شأنها.

اعتقاد الصينيين أنهم سيشعرون بضغط استراتيجي أقل خلال عهد ترامب، هو أمر غير صحيح على الأغلب.

ربما بدأ الصينيون يكتشفون توقعاتهم غير الصائبة حول إدارة ترامب. هم لاحظوا الخطوات القليلة التي قام بها الأخير عبر اتصاله برئيس تايوان.

هل تنخرط الصين في سوريا؟

هناك قاعدة في الصين بعدم التدخل في الشؤون المحلية لدولة أخرى، خصوصاً التدخل العسكري.
راجت أحاديث حول رغبة الصين بإيجاد قواعد عسكرية في سوريا. أرسلت أواخر 2016 مبعوثاً إلى دمشق وبيروت. لكن هناك احتمالاً ضعيفاً حول مشاركتها في الحرب السورية لأسباب عدة.

هي تشعر أولاً أنها لا تملك القدرة على خوض غمار هذه الخطوة، ولا يوجد لديها إرادة سياسية للقيام بها.

تريد أن يكون لها علاقات جيدة مع كل دول منطقة الشرق الأوسط. تخشى في حال أرسلت قوات عسكرية أن تكون هدفاً للإسلاميين المتشددين.

الصين قلقة من المقاتلين الإيغور ذوي الجذور الصينية. عدد الإيغور الذين كانوا يقاتلون إلى جانب داعش كان بالمئات. اليوم ارتفع إلى الآلاف. لكن هذا الأمر لن يستخدم مبرراً للانخراط في الحرب هناك.

هناك قاعدة في الصين بعدم التدخل في الشؤون المحلية لدولة أخرى، خصوصاً التدخل العسكري. في هذه المرحلة هم يقفون خلف روسيا ويدعونها تقوم بالعمل الصعب.

عندما تتحدث إلى ضباط في الجيش الصيني يقولون إنه ليس لديهم تاريخ في إرسال جيوشهم إلى الخارج.

أولوية بكين هي الطاقة والاقتصاد. وهذا سبب كبير من أجل أن تحافظ على علاقات جيدة في منطقة الشرق الأوسط.

 

عين على ترامب وعين على بوتين

إذا حاولنا التنبؤ باتجاهات  العلاقة الروسية الصينية علينا أن نحوّل أنظارنا إلى العلاقات الأميركية الروسية المرتقبة.
سعت الصين دائماً لبناء علاقة جيدة مع إيران. كان صعباً عليها أن تكون عضواً في مجموعة دول (5+1). لكن يتم تقدير العلاقة على مستوى الطاقة والاقتصاد.

أما مع روسيا فإن العلاقة جيدة حالياً أكثر من أي وقت مضى، ولكنها لا تزال محدودة. كما أنّها أقل توتراً من العلاقة التي تجمع الصين وأميركا.

اليوم الاقتصاد الصيني أكبر من الاقتصاد الروسي بأربع مرات. هي علاقة معقدة بالنسبة للروس. في وقت سابق كانت روسيا هي الأخ الأكبر للصين أما اليوم فالدور معكوس.

هناك فرص لوجود شراكة روسية-صينية. حيث يمكن القيام بذلك فإنهم يفعلون. لكن يوجد حدود لتلك العلاقة وإلى أين يمكن أن تصل.

تقوم الصين اليوم بمبادرة "حزام واحد طريق واحد". ستنتشر وسط أوروبا، حيث كانت تخاف روسيا دوماً من أي نفوذ صيني هناك. لذلك سننتظر الموقف الروسي من الهيمنة الصينية الأكبر في منطقة كانت خاضعة لها.

إذا حاولنا التنبؤ باتجاهات هذه العلاقة عام 2017 علينا أن نحوّل أنظارنا إلى العلاقات الأميركية الروسية المرتقبة.

خلال الحملة الانتخابية الأميركية قام ترامب بمجاملة بوتين، الأمر الذي أثار الفضول لمعرفة السبب.

تصرف ترامب، أصبح محور اهتمام المجتمع الدولي. بدأت تطرح توقعات حول إمكانية إصلاح العلاقة الأميركية-الروسية. علاقة تراجعت إلى أدنى المستويات منذ الحرب الباردة.

في هذا السياق تتجه تساؤلات الخبراء الصينيين إلى كيفية تأثير العلاقة الأميركية- الروسية على العلاقة الروسية- الصينية. 

بول هاينلي هو مدير مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية في بيجينغ، الصين. قبل انضمامه  إلى كارنيغي، شغل منصب مدير موظّفي مجلس الأمن القومي لشؤون الصين وتايوان ومونغوليا، في عهدي الرئيس السابق جورج بوش الابن والرئيس باراك أوباما، وذلك من حزيران/يونيو 2007 إلى حزيران/يونيو 2009. ومن حزيران/يونيو 2007 إلى كانون الثاني/يناير 2009، اضطلع هاينلي بدور رئيس كممثّل للبيت الأبيض في الفريق الأميركي المفاوِض المشارك في المحادثات السداسية النووية. ومن أيار/مايو 2004 حتى حزيران/يونيو 2007، شغل منصب المساعد التنفيذي لمستشار الأمن القومي الأميركي. هاينلي حائز على إجازة في الهندسة الميكانيكية من جامعة كلاركسون في العام 1988، وماجستير في الدراسات الآسيوية من جامعة هارفرد في العام 2001.