"أبو قاطين".. يوم نافست بغداد لندن

في صباح بغدادي بامتياز، ينطلق باص "أبو قاطين" بخطى ثقيلة. تستغرق الجولة فيه وقتاً أطول نسبياً عن باقي وسائل النقل الأخرى، ولكنها جولة ممتعة لمن أراد سبيلاً مختلفاً للتعرف إلى بغداد والاستماع إلى أحاديث أهلها.

  • "أبو طاقين".. يوم نافست بغداد لندن

الباص "أبو الطابقين" أو "أبو قاطين" هو جزءٌ من معالم بغداد وتراثها، وشاهد على حقبات تاريخية مرت عليها وأحداثٍ عاشها العراق. تكاد تنفرد العاصمة العراقية عن غيرها من العواصم العربية منذ خمسينيات القرن الماضي بالحافلات ذات الطابقين، أو كما يسميها أبناؤها بالمصلحة أو الأمانة، نسبةً إلى أمانة بغداد، وهي تتشابه مع شوارع العاصمة البريطانية لندن بهذه الميزة. فريق "الميادين نت" قام بجولة في إحدى هذه الحافلات ليتعرف إلى تاريخها ورمزيتها.

توجهنا إلى المدينة الصدرية، ثم عبرنا سوق الغزل باتجاه باب المعظم لنستقل حافلة "أبو القاطين". اعتقدنا في البداية أننا سنصعد إلى باص نقلٍ عمومي متهالكٍ نال الصدأ منه، ولكن ما رأيناه كان عكس ذلك. باص حديثٌ ومكيف. هيكله الخارجي الكبير تحول في زمن الانتخابات إلى مساحةٍ إعلانيةٍ. ألصقت عليه صورة كبيرة تضم عدداً من المرشحين. أما من الداخل، فتوزع الركاب على مقاعد مدفوعة الثمن مسبقاً، استعداداً لانطلاق الرحلة.

في صباح بغدادي بامتياز، ينطلق باص "أبو قاطين" بخطى ثقيلة. تستغرق الجولة فيه وقتاً أطول نسبياً عن باقي وسائل النقل الأخرى، ولكنها جولة ممتعة لمن أراد سبيلاً مختلفاً للتعرف إلى بغداد والاستماع إلى أحاديث أهلها، فهنا تجتمع حكايا العراقيين وهمومهم اليومية وأفكارهم السياسية المتناقضة وتوجهاتهم المختلفة.

ما إن تحرك الباص حتى افتتح النقاش اثنان من الركاب الكبار، وهما يتحدثان عن الأوضاع في البلاد، ليتحوّل الحوار إلى جلسة جماعية تناقش فيها القضايا المختلفة، وقد بلغ الأمر بالبعض إلى طرح حلولٍ ومعالجات حقيقية لها.

اقتربنا من العم أبو أحمد. رجل سبعيني متقاعد. كان يعمل في وزارة التربية. يمتلك كمّاً هائلاً من المعلومات عن تاريخ باص المصلحة. حدثنا عن بعضها قائلاً : "كنت أستقل هذه الباصات منذ أن كانت أجرة الراكب 10 فلوس. في العام 1956، دخل "أبو قاطين" إلى بغداد بعد اتفاقية بين الحكومتين العراقية والبريطانية، ولكنه غاب لفترة طويلة عن شوارع العاصمة بعد الغزو الأميركي في العام 2003، ثم عاد إلى العمل في العام 2012، بعد شراء الحكومة العراقية 100 حافلة من شركة "الباهاوس".

تتوالى سلسلة الأحاديث تباعاً بين الركاب، لتبدأ رحلة طويلة من الآراء والمواقف بشأن الأوضاع في العراق. تقول الحاجة أم عبد الله، وهي سيدة تبلغ من العمر 52 عاماً: "أستقلُّ هذا الباص لأن أجرته زهيدة، وهي تبلغ 500 دينار عراقي، أي ما يعادل 40 سنتاً أميركياً. سيارات الأجرة مكلفة، وسائقها لا يشغل المكيف. في هذا الباص، الأجرة أقل، والمكيف شغال كل الوقت. أوضاعنا ليست على ما يرام. أعمل منذ الصباح لتأمين قوت عيالي، ولديّ طفل من ذوي الإعاقة. الشعب العراقي شعب قنوع وعزيز النفس. هسه إحنا منتظرين التغيير بعد الانتخابات، بس كلش ماكو. الله يكون بالعون يا ابنتي".

يجلس الخريج الجامعي أمير حسين في الصف الأخير من الحافلة، ويدسّ رأسه في الكتاب. منذ تخرجه قبل 3 سنوات، تحوّلت الحافلة إلى مكتبته الجوالة. ترمي به من شارع إلى آخر، ومن ساحة إلى أخرى. يتبدل ركاب الخط في الذهاب والإياب. يصعد طلاب الكليات والمدارس ليعودوا إلى بيوتهم، كما يصعد عمال البناء والمصانع الصغيرة ويسردون تفاصيل عملهم. كان أمير حسين يرصد بعض تلك التفاصيل، ويعيد تشكيلها من زواية قارئ نهم.

تنقّلنا من مقعدٍ إلى آخر حتى وصلنا إلى أمير حسين. وفي حديثه لـ "الميادين نت"، قال: "هنا أجد راحتي النفسية، وأنسلخ عن واقعي الثابت. هذا الباص أشبه بمكتبتي المتنقلة. قبل سنوات، تخرجت من الجامعة. ومنذ ذلك الوقت وأنا في رحلة بحثٍ متواصلة عن وظيفة، ولكن من دون جدوى. لا أعلم متى ستنتهي المحسوبيات والواسطات في بلدنا! أنا متمسك بالبقاء هنا. لا أريد أن أهاجر كما فعل أصدقائي. أنا أتنفس بغداد". 

للصبيان والمراهقين حكاياتهم أيضاً وشقاوتهم في الباص الأحمر. بعضهم يطلق "نكتة" تتبعها ضحكات عالية، وبعضهم يسجل أمنيةً على أحد المقاعد، بعيداً عن مرآة السائق الذي يراقب جميع الركاب. صعدنا إلى الطابق الثاني. هنا يبدو الوضع مغايراً. الهدوء اللذيذ يطغى على المكان. تبدو حكايا مقاعد الطابق العلوي للباص "أبو طاقين" مختلفة. بعضها موثقٌ في جملة كتبها عاشقٌ لحبيبته، وبعضها الآخر بقيت سراً. نور الهادي شابة عشرينية تعمل في محل للألبسة، تقول في حديثها لـ "الميادين نت": "أفضّل الجلوس في الطابق الثاني، لأنعم بلحظات من الهدوء. أحب بغداد كثيراً، واستمتع بالنظر إليها من فوق". 

ركاب الباص الأحمر يتبدّلون باستمرار. هنا ينزل راكب، وهناك يصعد آخر، والحال واحد. "هذه الحافلات وسيلة نقل حضارية، وهي مريحة جداً. كانت شوارع بغداد قبل عقود تنافس شوارع لندن بالحافلات الحمراء. نطمح إلى زيادة أوقات عملها واستخدام نظام البطاقة الإلكترونية في الجباية"، يقول العم عباس حسين، وهو أيضاً متقاعد من وزارة المالية.

فجأة، يقترب باص أبو "طابقين" من محطته الأخيرة، فيتهيّأ جميع الركّاب للنزول. وبلمح البصر، تخلوا أماكنهم، ليتركوا على المقاعد حكاياتٍ وقصصاً عن مدينة أرهقتها الحروب والأزمات، ولكنها لا تزال متمسكة بالأمل والحياة، وتنتظر تغييراً حقيقياً. 

زهراء ديراني

محررة في قناة الميادين