"الجنة الأرضية" في شعر سُهراب سبهري

معظم قصائده مغلفة بالمُناجاة، ومسكونة بأسئلة الحياة والإنسان والوجود والطبيعة.. كيف رأى الشاعر الإيراني سُهراب سبهري "الجنّة الأرضية"؟

  • "الجنة الأرضية" في شعر سُهراب سبهري

الطبيعة تجسيد لنعمة وحقيقة الله وعَظَمته، وحتى الكون كله. هكذا نظر الشاعر والرسَّام الإيراني المُعاصِر سُهراب سَبهري، مُستعيناً بالنظر والتأمّل للوصول إلى عوالم روحية في تجليّات الحق والإلهام.

قضى سهراب حياته مُتأمّلاً في الآفاق والدراسات الصوفية والفلسفية ووجهات النظر العالمية في هذا الشأن. وتتّضح آراؤه الفريدة تجاه الحياة تدريجاً في أعماله، كأنه يتابع حياة الإنسان منذ بداية تطوّره الفكري وإلى ما وصل إليه، مع طرح القضايا التي تندرج ضمن هذا الإطار. 

الشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد، قالت في أحد حواراتها إن سهراب "يختلف عن الجميع، فعالمه الفكري أكثر العوالِم جاذبية، وأنه لم يكن يتحدّّث عن مدينة وزمان خاصين، بل أنه يتحدَّث عن الإنسان والحياة".

كل شيء في الكون حيّ 

معظم قصائد سبهري مغلفة بالمُناجاة، وسيرته الذاتية مثل تلك الموجودة في الحكايات والروايات، بطريقةٍ تقترب من التساؤل حول الحياة والإنسان والوجود والطبيعة. وتؤكّد على ضرورة الإيمان بوجود روح في أجسادنا، في الحيوانات والنباتات والصخور، في كل الكائنات، وكل الكون.

وتأخذ رموز الطبيعة الحضور الأوسع في قصائده (الحجر، النهر، الجبل، الشجرة، الزهرة، ....)، لأنه يراها السلسلة الكُبرى للوجود، وأن فُقدان شيء ما يخلّ بنُظم سلسلة الحياة، مُتأثّراً بتعاليم المدرسة العرفانية البوذية (الزن)*، القائمة على رؤية الحقيقة العميقة للكيان الإنساني وللكون من حوله.

وتتماشى رؤية سهراب أيضاً مع موقف السهروردي* الذي رأى الأشياء الدنيوية كالظلّ من واقع أعلى، فالشجرة كائن أبدي مُقدَّس - ( ... مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ .. ) (النور، آية 35) - يُضفي معنى الحياة والغرض من العيش. يقول من قصيدة "وقت الرمال اللطيف" من مجموعة (نحن لا شيء، نحن نظرة):

رأيتُ أن الشجرةَ موجودةٌ

من الواضحِ أنه لا بدَ من الوُجودِ

يجبْ أن نكون

ونتبعُ

أثرَ الرّوايةِ

حتى المتنِ الأبيض

ويقول:

عندما تصِلُ إلى الشّجرةِ

ابقَ وانظُر

النظرُ يأخذكُ إلى الجنّة

في رأي زرادشت * "البشر والأشجار إخوة. تعتمد حياة أحدهما على حياةِ الآخر"، هو يعتقد أن "قَطْع الأشجار خطيئة وعمل شرير" (أفيستا 2001 ص57) *.

والحجر في شعر سهراب له لُغُز، وجوهر في حد ذاته، ليس للتزيين، بل صورة من علامات الله المختلفة، لأولئك المذهولين في رؤية الحقيقة، يقول في قصيدة "سورة المشاهدة" من مجموعة (الحجم الأخضر): 

وقلت لهم:

ليس لصخرٍ زينة سلسلة الجبال

كما أن المعدنَ ليس زينةً على قوامِ المعمُول

وعلى سطحِ الأرض ثمةَ درَّة مجهولة

ذُهلَ الأنبياءُ من بَريقها 

ويعتقد سهراب أن جميع ما في الكون يحمل رسائل للبشر، فأغنية طائر في قصيدة "ليل الوحدة الجيّدة" من مجموعة (الحجم الأخضر) تحثّه في الخطو نحو طريق الحكمة:

أصغ، فأبعدُ طيورِ العالم يغرّد

الليلُ سلسٌ، ومُتناغمٌ، وطلق

...

أصغ، فالطريقُ ينادي خطواتكَ من بعيد

عيناكَ ليست زينةً للظلام

رفّي جفنيكِ 

وانتعلي حِذاءكِ، وتعالي

وتعالي حيث تنبه ريشةُ القمر

إصبعكِ

ومن هذه النظرة، يمكن القول إنه لا يوجد مخلوق أو حَدَث بلا هدف، وإن إنشاء الكون بأكمله قائم على الفعل الإلهي. ويستدلّ سهراب في ذلك بالنظر إلى الطبيعة من خلال طريقة التوحيد.

الطبيعة .. المعنى وصورة الله 

  • من لوحات سُهراب سبهري
    من لوحات سُهراب سبهري

يجعلنا سهراب نتذكَّر أن البشر كانوا مرة أقرب إلى الطبيعة وفي وئام. وبالنظر إلى النجوم، كان الإنسان مليئاً بالكثير من الحدس الذي يوصل إلى الله. حتى الجبل متى شوهِد بوضوح، يعكس وجود الله ونعمته. ويعتبر الشاعر أن الطبيعة والكون بأسرهما مذبحاً وضريحاً؛ لتلاوة الصلاة كما يقول في قصيدة "على أجفان الليل" من مجموعة (الحجم الأخضر):

كانت ليلةً ممتلئةً 

وكان النهرُ يجري من تحتِ أشجارِ الصُنوبر فما بعدها

والوادي مَطليٌ بضوءِ القمر 

والجبلُ منيرٌ كأن الله قد تجلّى 

ويقول من ملحمته الشعرية "وقع خطوات الماء – إلى ليالي أمّي الصامتة": 

أيامي ليست سيّئة

لي كسرةُ خبزٍ، بعضُ ذكاءٍ، ذوقٌ بحجم طرفِ إبرة

لي أمٌّ، أحلى من ورق الشجر.

وأصدقاء، أحلى من مياهٍ تجري.

وربٌّ على مقربة:

بين هذا المنثور، أسفلَ الصنوبرة العالية

فوق وعي الماء، فوق قانونِ النبات.

قبلتي جوريةٌ.

سجّادتي نافورةٌ، تربتي نور.

سهلٌ هي سجّادتي.

أنا أتوضّأُ بنبضِ النوافذ.

في صلاتي، يجري القمر، والطيفُ يجري.

صلاتي من خلالِها يُرى الحجر:

كلّ ذرّاتِ صلاتي تبلورت

أنا أًصلّي،

حينما يؤذّنُ الريح، فوق مئذنةِ السرو.

أنا أصلّي، بعد «تكبيرة إحرامِ» العشب،

بعد «قد قامت» الموج.

كعبتي شفاهُ الماء

كعبتي أسفلَ أشجار السنط.

كعبتي مثلُ النسيم، ترحلُ غابةً غابة، ترحلُ مدينةً مدينة...

«حجرُ الأسودِ» نورُ حديقتي

من وجهة سهراب، فإن الظواهر الطبيعية التي تبدو عديمة القيمة وقبيحة، لها في الحقيقة معنى وقيمة خاصة في الكون، إذا غابت، سيبدو الكون غير مُكتمل وليس له مكانة. ويتم إنشاء كل شيء بشكل هادف، على أساس الحكمة، فإذا لم يكن هناك شيء، ستكون الحياة قاصرة.

ولنعلم أنه لولا الديدان، لكانت الحياةُ ينقصُها شيءٌ

ولولا الآفاتُ لأختلّ قانون الأشجارِ

ولولا الموتُ، لكنت اليدُ تبحثُ عن شيءٍ

ولنعلم أنه لولا النورُ لتغيّر منطق طيران الأحياء

ولنعلم أن قبل المرجان، 

كان ثمة خلاء في فكرٍ البحار

ويذكر سهراب الموت في شعره كحدث آخر، وجزء لا مفرّ منه من الحياة، فهو بالنسبة إليه بداية اليقظة والازدهار، وهو ما تشير إليه الكتب الصوفية والبوذية: "يُنصح الإنسان جيداً باستمرار تذكّر الموت تفادياً للجهل"، فالتفكير في الموت هو ضرورة لتحقيق الخلود. 

نحن براعُم الحُلم،

هل نزهر؟

ليسَ في الأوراقِ الساكنة

كلا، يوماً ما في وادي الموت

من وجهة نظر سهراب، فإن الحياة الدنيوية، أو كما يُسمّيها "فرصة الحياة الخضراء"، هي فترة زمنية محدودة تُمنح للإنسان لكي يتطوّر بشكل مثالي. هذا العالم هو طريق نحو حياة أعلى أكثر كمالاً لا مشكلة فيه. والموت ليس نهاية الحياة بل بداية اليقظة والازدهار. وأن وجود الله يجعل حياة الإنسان ذات معنى، وهذا الوجود مُتمثّل في الطبيعة وروح الكون الجميلة.. في حمامة مثلاً. 

المخرج الإيراني محسن مخملباف قال عنه في حواره مع مجلة هرستوك: وجَّه أحد النقَّاد الإيرانيين نقداً لاذِعاً لسهراب: "بينما تقوم الولايات المتحدة بقصف فيتنام بالنابالم وتقتل البشر هناك، أكنت قلقاً بشأن سقي حمامة؟"

فرّد عليه سهراب:" يا صديقي العزيز، إن أصل القضية هنا، فمن لم يتعلّم الشعر ليقلق على سقي حمامة ما، فإنه لن يهتم بموت البشر في فيتنام أو أيّ مكان آخر، بل يعدّه أمراً بديهياً". 

مَن هو سهراب سبهري؟

  • "الجنة الأرضية" في شعر سُهراب سبهري

إنه شاعر ورسَّام إيراني بارز، يُعتبر من أشهر خمسة شعراء إيرانيين كتبوا الشعر الحديث، إلى جانب نيما يوشيج، أحمد شاملو، مهدي علي أخوان ثالث، وفروغ فرخزاده. تُرجِمَت قصائده إلى الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية والليتوانية/ كما صدرت أول ترجمة عربية لأعماله الشعرية الكاملة قدمها غسان حمدان*.

ولِدَ سهراب في كاشان بإيران عام 1928. ونشأ في عائلة من أهل الفن والشعر. توفى والده المُصاب بالشلل وهو صغير فربّته أمّه في بيت جدّه. أكمل تعليمه الابتدائي والثانوي في كاشان وانتقل إلى طهران عام 1943 للدراسة في كلية المعلمين، عمل مدرّساً لبضع سنوات، ثم التحق في كلية الفنون الجميلة بجامعة طهران وتخرّج بمرتبة الشرف. كما عمل في شركة نفطية. ترك الشركة بعد 8 أشهر. 

أشتهر سبهري في نهاية خمسينيات القرن الماضي بوصفه رسّاماً مجدّداً، وهو من القلائل الذين اتخذوا الطابع التجريدي في أعمالهم. كما يُعدّ من أوائل الشعراء الذين قاموا بتقطيع الأبيات الشعرية حسب موسيقاها ليمهّدوا الطريق لقصيدة النثر.

لم يتزوّج سهراب قط، وعاش حياة بسيطة خالية من مظاهر الترف، وعاش من أجل فنه وشعره. ولسوء الحظ، انتقل إلى إنكلترا لتلقّي العلاج نتيجة مرضه بسرطان الدم، لكنه اضطر للعودة إلى طهران بسبب تطوّر مرضه. وأخيراً توفى في مستشفى بارس في 28 نيسان/أبريل 1980 ودُفِن في قرية مشهد أردهال في أطراف كاشان. 

مجموعاته الشعرية: (موت اللون) 1951، (حياة الرؤى) 1953، (حطام الشمس) 1958، (شرق الحزن) 1961، (وقع خطوات الماء) 1965، (المسافر) 1966، (الحجم الأخضر) 1967، (نحن لا شيء، نحن نظرة) 1977.

المصادر:

*بوذية الزن عقيدة النظر الصحيح، وما يتعدّى مظاهر السطح؛ وهي طائفة من الماهايانا البوذية يابانية، تفَرَّعت عن فرقة "تشان" البوذية الصينية. يتميّز أتباع هذا المذهب بممارسة التأمّل في وضعية الجلوس "زازن".

*شهاب الدين السهروردي (545ه - 586ه)، وهو فيلسوف إسلامي كردي من شمال غربي إيران، يرى أن الاختبار الروحي لا يزدهر ويثمر إلا إذا تأسّس على العِلم والفلسفة. 

*زرادشت (بالأفستية: Zaraϑuštra) هو رجل دين فارسي، يُعدّ مؤسِّس الديانة الزرادشتية، وقد عاش في مناطق أذربيجان وكردستان وإيران الحالية.

*الأبستاق (أفيستا/Avesta) هو كتاب زرادشت الذي يُعدّ الكتاب المُقدَّس لدى أتباع الديانة الزردشتية. وكلمة "الأفيستا" باللغات القديمة تعني (الأساس والبناء القوي).

*(سهراب سبهري، الأعمال الشعرية الكاملة) ترجمة وتقديم: غسان حمدان / دار الرافدين ومنشورات تكوين 2018.

 

أمين سعدي

كاتب وشاعر من العراق