محمد كرد علي.. أمّة في رجل؟

سليل عائلة كردية وصفه البعض بأنه "أمّة في رجل" فيما لقّبه آخرون بــ "علاّمة الشام".. ماذا قدّم محمد كُرد علي للمسلمين والعرب ولغتهم؟

  • محمد كرد علي.. أمّة في رجل؟
    محمد كرد علي.. أمّة في رجل؟

رغم انتماء "علاَّمة الشام" محمَّد كُرْد علي (مواليد دمشق 1876) لأمٍّ شركسيةٍ وأسرةٍ من كُرْدِ السليمانية في العراق، إلا أنه لم يخضع لذاك الانتماء، بل صار واحداً من ألمعِ العروبيين والمُنافحين عن اللغة العربية. 

ورغم أنّه تعلَّم الفرنسية في طفولته على يد مُدرِّسٍ خاصٍ، كما درس آدابها لعامين في مدرسة اللعازاريين، إلا أنه صار من أشدِّ المُدافعين عن الحضارةِ العربيةِ ضدّ الغربية، وداعِمُه في ذلك معرفةٌ واطّلاع كبيرين على العلوم العربية والإسلامية، إلى جانبِِ سيرةِ حياةٍ مُتقلِّبة، وضغوطاتٍ من السلطاتِ العثمانيةِ، وبَعْدَها الفرنسية، زادت من إصراره على مواقفه، ومن إيمانه بضرورة دوره في الدفاع عن الحضارة العربية.

إذْ كان عُروبياً مؤمِناً بالعربيةِ وأهلها، لا يرى العروبة تنفصل عن الإسلام في شيء، لذا وقف بالمِرصاد للشعوبيين، يردُّ طعونَهم على العرب والإسلام، ويُفنِّد حِجَجَهم بحِجَجٍ وبراهين راسِخة. كما حفل كتابه "الإسلام والحضارة الغربية" (1934) بالكثير من النقولات عن الأعلام الأجانب المُنصِفين، وتتبَّع المقالات المُسيئة للشعوبيين والمُستشرقين مُناقِشاً ومُفَنِّداً إيَّاها، وله في هذا السياق مؤلَّفاتٌ أخرى مثل: غرائب الغرب (1922)، الإدارة في عزّ العرب (1934)، أقوالنا وأفعالنا (1946)، كنوزُ الأجدادِ (1950)، وأيضاً ترجمته كتاب "تاريخ الحضارة" لشارل سنيوبوس.

لم يقف كُرْد علي في "معركته" من أجل الحضارة ولغتها موقفَ ردِّ الفِعل، بل عَمَدَ إلى الفعلِ المؤثِّرِ من خلالِ إحياءِ اللغةِ العربية، فمنذُ العام 1906 أنشأ مجلةَ "المُقتبس" الأدبية العِلمية الجامِعة في القاهرة، ومن خلالها عمل على إبرازِ ذخائر تُراث العرب اللغوي والبلاغي، مُصرِّحاً بقوله: "خير ما يخرج لطلاب الآداب العربية في هذا العهد كلام أئمة البلاغة من أهل القرون الأولى".

وعندما عاد إلى دمشق عام 1908 تابع إصدار"المُقتبس" من هناك، ثم عطَّلتها له السُلطات العُثمانية في العام التالي بسبب نَقْده اللاذِع لها، فهرب إلى باريس. كل ذلك زاد من إصراره العروبي، تلقَّفَ في فرنسا مزيداً من العلوم، ثم عاد إلى دمشق، وما إنْ تولَّى ديوان المعارِف في عهد الأمير فيصل بن الحُسين عام 1919، حتى حوَّله إلى "المجمع العلمي العربي". كما أسَّس في العام ذاته أول مجمع للغة العربية في الوطن العربي عام 1919 في دمشق، الأمر الذي شهد له به الأمير مصطفى الشهابي بالقول: "لو لم يكن لمُحمَّد كُرْد علي من فضلٍ على الأمَّة العربية ولغتها إلا إيجاد المجمع ورعايته، لكفاه فخراً".

عَبْرَ المجمع واجه "علاَّمة الشّام" بحزمٍ الدعوات لكتابة العربية بالحروف اللاتينية، وحذَّرَ كثيراً من أخطارٍ بعينها تُحيق باللغة العربية، لخَّصها في ثلاثة محاذير: "اختراع خط جديد يُراد به الاستغناء عن الشكل، وتبسيط قواعد اللغة العربية، واختيار الحروف اللاتينية لكتابة الحروف العربية".

وفي العام 1925 بدأ كُرْد علي بطبع كتابه الشهير "خطط الشام" في دمشق، بعد اعتذاره عن تولّي منصب وزارة المعارِف مرة أخرى. ومثَّل بلاده في مؤتمر المُستشرقين السابع عشر في مدينة أكسفورد، وهو ذائِع الصيت بمعرفته المتينة بالمُسْتشرقين والمُسْتعربين، ما دفعه لأن يتبنَّى موقفاً مُتَّزِناً إزاءهم. 

ففي الوقت الذي كان يُسرع فيه إلى الردّ على المُستشرقين المُتعَصِّبين الطاعنين في العرب والمسلمين ولغتهم ودينهم، كان، في المقابل، يُثني على جهودهم وعنايتهم بإحياء أمَّهات الكُتُب التُراثية العربية والإسلامية، خصوصاً تلك الجهود التي تتمُّ في سياقٍ عِلمي غير مُغْرِض.

أما في التاريخ فلجأ كُرْد علي إلى منهجٍ يُجرٍّد فيه التأريخ من المُبالغات والخُرافات، ويُثْبِت الوقائع المُهمًّة التي تخلو من الشوائب، مع العنايةِ في جانبِ التاريخِ السياسي ببيانِ عِلل الحوادث وتسلسُلها ودواعيها، واستخراج النتائج واستنباط القواعد، حسبما أوضح في مُقدِّمةِ كتابه "خطط الشام"، وله في التاريخ ثلاثة مؤلَّفات: "غابِر الأندلس وحاضرها" (1923)، "خطط الشام" – 6 أجزاء (1925)، "غوطة دمشق"، "المجمع العلمي العربي"، دمشق (1952).

لا ينكُرُ أحدٌ دور الصحافة في تكوين كُرْد علي التي قضى فيها رَدْحاً من عُمره، إذ رأى أنها أنْسَب أداةٍ يستعملها للمُطالبة بالإصلاح، لذا بدأ حياته في العمل الصحفي مُحرِّراً ومُشْرٍفاً على ثلاثة صحف مصرية هي:"الرائد"، و"الظاهر"، و"المؤيّد"، قبل أن ينفرد بإصدار مجلَّته الأشْهَر "المُقتبس" في القاهرة، ثم في دمشق، إضافة إلى مقالاته التي نشرها في صحف "الأهرام" و"الثقافة" ومجلات "الرسالة" و"المُقتطف" و"الهلال".

  • من مؤلفات محمد كرد علي
    من مؤلفات محمد كرد علي
  • من مؤلفات محمد كرد علي
    من مؤلفات محمد كرد علي
  • من مؤلفات محمد كرد علي
    من مؤلفات محمد كرد علي

وظلَّ كُرْد علي على فاعليِّته في الدفاع عن اللغةِ العربيةِ والعروبةِ في جميع المنابر والمؤلَّفات والمؤتمرات والمَناصِب التي شغلها حتى وافته المنية في 2 نيسان/أبريل 1953، بعد 77 عاماً قضاها في البحث والعمل والعِلم ونَشْرِه، ليكون بحقّ كما قال عنه علاَّمة العراق محمَّد بهجة الأثري "أمَّة في رجل، أهَّلته مواهبه العديدة لأن يكون أحد بُناة النهضة الحديثة وقادتها الكِبار في بلاد العرب، وسيرته مثالٌ ناصِعٌ لمضاءِ العزيمةِ وخلوص النيَّة وصدْق العمل وحبّ الخير وإرادة الإصلاح".


..وماذا عن "مجمع اللغة العربية" الذي أسسه كرد علي؟ أين أصبح بعد قرن من الزمن؟ 

  • محمد كرد علي.. أمّة في رجل؟
    محمد كرد علي

يوضح الدكتور محمود السيِّد، نائب رئيس "مجمع اللغة العربية" ورئيس "لجنة التمكين للغة العربية" في تصريحٍ خاصٍ بـ الميادين الثقافية، أن "مجمع اللغة العربية يقوم بجهودٍ طيِّبةٍ في مجال خدمة اللغة العربية، سواء في تحقيق التُراث، أو وضع المُصطلحات والمعاجِم ثلاثيّة اللغة (العربية والإنكليزية والفرنسية) في ميادين المعرفة المُختلفة: الفيزياء والكيمياء والعلوم النفسية والتربوية وألفاظ الحضارة، إلى ما هنالك".

وأضاف: "فضلاً عن ذلك يُقيم المجمع سلسلةً من المُحاضراتِ الدوريةِ التي يحضرها لفيفٌ من كِبارِ المُثقَّفين، وتليها مُناقشات وتعقيبات قيِّمة، إلى جانب عمل مجمع اللغة العربية في شَرْعَنة بعض الألفاظ والأساليب، بمعنى تصحيح الأخطاء الشائِعة، وتفصيح بعض الكلمات العاميَّة التي لها أصولٌ فصيحة، إضافة إلى الإجابةَ عن بعض الاستفسارات التي يُرسِلها المواطنون إلى المجمعِ عن بعض الكلمات، وتسميات محلاَّتهم التجارية أو الخدميّة، وهل هذه التسمية عربية أمْ غير عربية وما هو بديلها العربي؟، وبمُوازاة كل ذلك هناك الندوات والمؤتمرات التي يُقيمها المجمع، لكن في السنوات الأخيرة بسبب الحرب الظالِمة على سوريا توقَّفت بعض المؤتمرات، ونُقيم مكانها ندوات، وهناك أيضاً مجلًَّة المجمع وهي فصليةٌ تُنْشَر فيها البحوث المُحَكَّمة، وتغطِّي مجالات مُتعدِّدة في الأدب واللغة، وفي موضوعاتٍ مُعاصِرة، تتعلَّق بالبيئة والتربية والطاقة وغيرها من الأمور العلمية". 

وعند سؤال نائب رئيس مجمع اللغة العربية عن الرأي القائل بأن الجمهور لا يعلم بكل تلك الإنجازات التي يقوم بها المجمع، وكأن هناك هوَّةً ينبغي جَسْرُها بين الطرفين، قال: "أوافق على هذا الرأي. هناك جهودٌ كبيرةٌ في خدمةِ اللغةِ العربيةِ، والجمهورُ أحياناً لا يعرف شيئاً عنها، ولتحقيقِ التلاقي المنشود يستطيع الإعلام أن يلعبَ دوراً كبيراً في التعريفِ بما يُنْجزه المجمع في مجالاتٍ مختلفةٍ، إضافةً إلى أنه ينبغي أن يكون هناك وجودٌ لأعضاءِ المجمع في المراكز الثقافية، والمُنتديات المُختلفة، وفي الإعلام والجامعات، ويجب أن يتمّ الترويج بشكلٍ جيِّدٍ للجهود التي يقوم بها المجمع، أما أن يبقى مُنْغَلِقاً على نفسه، هكذا لن يعرف أحدٌ بإنجازاته". 

وعلى الرغم من أن الإعلام يمتلك مفاتيحَ الحلِ بالنسبةِ إلى التعريف بما يُقدِّمه مجمع اللغة العربية، لكنه من زاويةٍ مُعيَّنة، مِثالٌ حيٌّ عن التَّردّي اللغوي، ويتمّ فيه ما يمكن تسميته "مجازر لغوية" سواء في الإلقاء أو التشكيل أو النحو... وحول هذه النقطة يوضِح السيِّد: "المجمع بمؤتمراته وندواته يَخْلُص إلى توصياتٍ ومُقترحاتٍ يُرسلها إلى الجهات المعنية للإنجاز، لكن المشكلة في المؤتمرات، خاصةً التي نعقدها على مستوى الوطن العربي، أنه ليست هناك لجان مُتابَعة، فبعد أن أصدر الرئيس بشَّار الأسد المرسوم الجمهوري رقم 4 لعام 2007 بتشكيل لجنة التمكين للغة العربية، ومهامها وضع خطَّة وطنية لتمكين اللغة العربية، ومُتابعة التنفيذ. وضعت اللجنة الخطة وتتابع التنفيذ مع الجهات المعنية من وزارة الثقافة، ووزارة التربية، ووزارة التعليم العالي، ووزارة الأوقاف، وفي كلِ محافظةٍ هناك لجنة للتمكين للغةِ العربية، وعلى الرغم من الجهودِ الكبيرةِ التي تبذلها اللجنة، ما تزال هنالك أمورٌ كثيرةٌ لم تُنِفَّذ".

ويوضِح السيِّد "صحيحٌ أننا نفذَّنا خطوات، لكن هناك أخرى لم تُنفَّذ، على سبيلِ المثال: كان في عام 1952 قانون لحماية اللغة العربية، فكانت كلُ الواجهاتِ مكتوبة بالكلماتِ العربية، الآن في ظِلال العَوْلَمة أغلب المحال أصبحت تستخدم الكلمات الأجنبية، وحاولنا أن نُصحِّح المسار، لذا أصدرنا قانوناً جديداً لحمايةِ اللغةِ العربية، وتمَّت الموافقة عليه من لجنةِ التنميةِ البشريةِ في رئاسة مجلسِ الوزراء، ونرجو أن يرى النور قريباً".

نسأله كيف تتمّ مواجهة العَوْلَمة، هل فقط بتعريب المُصطلحات أم هناك شيءٌ آخر للتصدِّي لهذا المَدّ؟ فيُجيبنا السيِّد: "لا يقتصر عمل المجمع على وضع المعاجِم، فهناك تأليف كُتُب، ونَشْر بحوث، وإلقاء مُحاضرات، وعَقْد ندوات، وتصحيح الأخطاء الشائِعة على الألسنة والأقلام، والتنسيق مع لجنة تمكين اللغة العربية في تنفيذِ كثيرٍ من الجوانب المُتعلِّقة باللغةِ العربية، ووضع سياسة ضَبْط لغوي لوزارة التربية،. وهناك أمورٌ كثيرةٌ في هذا المجال".

بديع صنيج

صحافي من سوريا